المشهد السياسي جديد كيري.. وقديمه..
الكاتب: نبيل عمرو – القدس
حين وصل كيري الى تل ابيب فجر امس، قادما من الرياض وعمان، فقد حقق بالفعل مصطلح "وصل الليل بالنهار" في جهده الملح لاحراز تقدم مقنع على الطريق الصعب والمعقد، والذي يسعى الوزير لان لا يكون طويلا.
وقبل ان نعرف خلاصات ما يفعل الرجل، وحتى دون ان نعرف ما هي النقاط التي احرز فيها تقدما، وتلك التي ما تزال عالقة، فلنحاول التعرف على جديد كيري، وقديمه..
ولنبدأ بالجديد..
لقد استفاد كيري من كل دروس الاخفاق والنجاح التي احرزها من سبقوه في العمل على ساحة الشرق الاوسط. فوضع خطة عمل، يزاوج فيها العلني والسري. فالجهد والاهداف علنية وبصورة مبالغ فيها، اما الصيغ والخلاصات فسرية الى ابعد الحدود، وهذا جديد في طريقة العمل الامريكية. وهنالك جديد آخر هو انفتاح الوزير الامريكي على اطراف اخرى كانت مغيبة فيما مضى، بفعل سريان مبدأ الاحتكار الامريكي للعمل في الشرق الاوسط، بما اقتضاه ذلك من استبعاد تلك الاطراف الاقليمية والدولية المؤثرة ، وكان من نتيجة هذا الاستبعاد ، ان حُشرت العملية السياسية الشرق اوسطية في زاوية ضيقة ، وكان العامل الحاسم فيها هو الموقف الاسرائيلي المتحرر تماما من اي ضغوط.
وجديد اخر... هو تحويل العمل التفاوضي من زيارات ومحاولات سِمتها ادارة الازمات، او ملء الفراغ، الى ما يشبه المؤسسة. فالوزير كيري من خلال زياراته العشرة وجيش المستشارين والخبراء الذين جندوا للعمل معه، اختلف كثيرا عن السيدة هيلاري كلينتون التي كانت تأتي كسائحة او كواعظة فتقول كلمتين وتمضي.
وهذا الجديد الذي يميز عمل كيري ، يمكن اعتباره مجرد تغيير في الخطط والاساليب، ولكي يكتمل الجديد فلابد وان نرى تغييرا في المضمون، وهذا لم يُرى حتى الان، وان وجد فهو ما يزال حبيس الغرف المغلقة، واوراق صناع القرار النهائي وهم في الواقع ليسوا اكثر من ثلاثة، عباس نتنياهو كيري، وغير الثلاثة فهنالك من يعرف ولكن بنسب متفاوتة بقدر اهميته في العملية السياسية باجمالها.
الا ان ما يُتطلع اليه كجديد في المضمون، يكمّل الجديد في الاسلوب، هو ظهور اتجاه امريكي يتميز بقدر من الاستقلالية في تحديد سياسة موضوعية، تستطيع بلوغ حلول ان لم تكن عادلة فقريبة من العادلة، او بتعبير ادق يستطيع الطرف الفلسطيني قبوله.
حتى الان يبدو جليا تأثر جهد السيد كيري بالمضمون القديم للعمل الامريكي الشرق اوسطي، وتحديدا على المسار الفلسطيني الاسرائيلي، والمضمون القديم فيه نسبة عالية من ممالأة الجشع الاسرائيلي في المطالب غير المعقولة، وفيه نسبة اعلى من اعتصار الضعف الفلسطيني بالحد الذي قد يؤدي الى خلاصات مأساوية.
ان احدا لا يستطيع تجاهل الحلف الامريكي الاسرائيلي ، كما لا يستطيع المطالبة بموازاة الفلسطيني المنهك مع الاسرائيلي الباذخ في الميزان الامريكي، الا ان ما لا يمكن ابتلاعه منطقيا واخلاقيا، هو ذلك التضافر المرعب بين اقوى قوة عالمية، مع اقوى قوة اقليمية والقاء هذا الثقل الهائل على الفلسطيني الاضعف دوليا واقليميا.
لقد شكرنا السيد كيري حين انزل الملف الفلسطيني عن الرف ونفض الغبار عنه، وطرحه مجددا للتداول الجدي ، كما شكرناه ونشكره على المواظبة وعلى بعض الكلمات الايجابية ، التي يطري فيها على استعدادنا من اجل السلام، الا اننا لا نستطيع قبول او ابتلاع الخلاصات التي يتوصل اليها مع ليبرمان ونتنياهو ليقول لنا اخيرا هذا ما حصلّته فخذوا واشكروا.
صحيح اننا بحاجة الى حل اكثر من حاجة اسرائيل، وصحيح ايضا ان معاناتنا التي تتطور وتتعمق على مدى سبعة عقود قد اعيتنا وانهكتنا واوقفت نمونا دون شعوب الارض كلها.
الا ان الصحيح ايضا والاهم، هو ان صيغة لحل دائم تقوم على اساس استخدام قوة طرف وطغيانها على ضعف الطرف الاخر لابد وان تؤدي الى زرع مرارات في النفوس ، وشعور بالظلم والاضطهاد، وهذا هو اخطر ما يهدد السلام الدائم حيث لا يعرف احد متى يكون الانفجار التالي.
ان جهود السيد كيري المؤيدة عربيا واقليميا ودوليا، ينبغي ان تؤهله لطرح مشروع سلام اكثر توازنا مما يفكر فيه الاسرائيليون، وبوسع الوزير كيري الذي عاد للتو من السعودية والاردن، وهما ركنان اساسيان في بناء الاعتدال العربي، ان يفكر جيدا في المبادرة العربية للسلام، كظهير للسلام الفلسطيني الاسرائيلي، وانجاز تاريخي لسلام عربي اسلامي اسرائيلي اوسع. ويدرك السيد كيري ان الاعتدال الفلسطيني العربي والاسلامي .. له مطالبه العادلة والممكنة والمشروعة، اما ما يحاول الاسرائيليون فرضه فهو تقويض لمبدأ الاعتدال واضعاف للقوى التي ما تزال تتمسك به.



