دفاعا عن منظمة التحرير
الكاتب: سامح خضر
لمسنا مؤخرا موجة الاحتجاجات على سياسات منظمة التحرير الفلسطينية وعلى القائمين عليها، والتي وصلت إلى حد التجريح والتخوين حتى طالت عدداً من الرموز التاريخية في النضال الفلسطيني، هجوم تذرع محرّكوه ومحرّضوه بقلة حيلة المنظمة فيما يجري في مخيم اليرموك.
ومع أن الألم الذي حرّكهُ فينا اليرموك أفقد كثيرا منّا حكمه واتزانه، ناهيك عن قلة الحيلة، لكن هنا يجدر التوقف لتأمل الحالة الفلسطينية بكليتها ودور منظمة التحرير فيها، ومن ثم تشخيص هذا الواقع بعقل بارد وقلب ساخن وليس العكس.
ولعل ما ذهب إليه بعض الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي صحيحٌ في جزء منه، لكننا هنا سنتوقف عند الجزء الأكبر غير الموضوعي، فالحكم على أداء المنظمة اتسم بالانطباعية والعاطفية، ولم يتم وفق أسس موضوعية وتحليل لمضامين هذا الموقف ومحدداته، وتحولت هذه الأحكام لعدوى يتم ترديدها دون ملاحظة خطورة تبنيها.
ويبدو الملمح الأكثر بروزاً للخطاب المهاجم الجُمل الصّحافية التي تنم عن جهل من يرددها بالدور الحقيقي الذي تضطلع به المنظمة على مستويات إقليمية مختلفة، والصحافة هي مهنة البحث عن الحقيقة وإيجاد الأدّلة، مهنة يعتبر الحياد شرطها الأول حتى فيما يمس الصحافي شخصيا، فلا يجوز للصحافي أن يستغل المادّة للترويج لرأيه في قضيّة مجتمعية أو سياسيّة، ولكن عليه طرح هذه القضية على الجمهور لخلقٍ تفاعلِ ايجابي حولها يؤدي إلى حلول.
نعم، تعاني منظمة التحرير منذ التوقيع على اتفاق أوسلو من رداءة الخطاب الإعلامي سواء الداخلي أو الخارجي، خطاب صار يفتقر للتجديد والتنوع وفقد تأثيرهُ على المتلقي مع مرور الوقت، بل وأفقد متابعيه اكتراثهم بما يؤول إليه، حتى أصبح بالإمكان استباق المتحدثين في الشأن الفلسطيني بالجُمل المكرورة التي اعتادوا ترديدَها على مسامِعنا طوال ٢١ عاماً، هي تقريبا عمْرُ السّلطة الوطنية الفلسطينية.
واليوم، نشاهد جميعا تآكل المقومات الفكرية والنسيج الاجتماعي الفلسطيني جرّاء إفراط البعض في النقد الذي صار تطاولاً والذي صار سباباً، وكلنا رأى وسمع واستنكر ما قالهُ بعض طلاّب جامعة بيرزيت في حق زوّارهم من متحدثين وساسة خلال فترات سابقة.
لم لا؟ وحفلات السباب لم تتوقف عبر وسائل الإعلام ممن هم أكبر سناً وأعمق منهم خبرةً تجاه رموز وطنية وسياسية لها تاريخ نضالي كبير.
لم لا؟ وقد سمحت المؤسسات والنقابات بخروج متحدثين بإسمها يخلطون الشأن العام بالخاص من خلال خطاب كراهية إعلامي مقزز يخدم فكرة التحشيد والتجييش بل والتجحيش في أحيان كثيرة.
منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطنية وكافة المؤسسات الوطنية بحاجة إلى وضع استراتيجية للتعامل مع مجريات الأمور ومستجداتها، وبحاجة للسّماح بحديثٍ أكثر صراحة وشفافية عما يجري وعما تقوم به على الأرض، ليس دفاعا عن نفسها بقدر ضرورة توضيح الصورة، أمّا أن يتصدّر المشهد الإعلامي يومياً نفس الأشخاص معتمدين على نفس الخطاب، فحينها لا عجب أن ينفض المؤيدون ويتصاعد الهجوم والانتقادات.
ما يحدث الآن على الساحة الإعلامية الفلسطينية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي أشبه بكرة اللهب التي تتحرك مسرعة باتجاه الأخضر واليابس، واضعة قيم وطنية وإنسانية كبيرة على المحك، والخوف أن يطالنا هذا اللهب جميعاً ما لم نؤسس لحوار مجتمعي جاد وجديد، يُعاد فيه التأكيد على قيمنا الوطنية دون مبالغة أو إسفاف، مع الاستماع للنقد ووضعه في إطاره الصحيح والبنّاء.
أما إذا أمسكنا جميعا معاولَ الهدم فلن يبقى لنا حصن يدافع عنّا، نحن ما زلنا تحت الاحتلال وبحاجة لكلّ مؤسسة تستطيع الوقوف ولو عرجاً لوقف مخططات إسرائيل تجاهنا وتجاه قضيتنا.
نعم هنا أدافع عن منظمة التحرير لأنها البيت الأول ولأنها الحصن الأخير الذي به نلوذ كلما عصفت الرياح الإقليمية بقضيتنا



