لماذا الآن نريد دستور؟
الكاتب: المحامية دانا الديك
نعيش كمجتمع عربي في واقع التغيير والنهوض، فنحن نرى يومياً أصواتاً وأحداثاً تصرخ، منها من يسعى للتغيير فقط لأجل التغيير لا أكثر، وآخر يسعى للتغيير للأفضل ويدرس خطاه قبل أي مسلك، نحن كشعب فلسطيني عاش ويلات الانقسام، أصبحنا فقهاء بحجم تجاربنا ونكساتنا، مجتمع خبير في تحدّي الويلات، والخروج من الأزمات، أصبح معلوماً لدينا أنّ المصالحة والوحدة مركب النجاة.
بعد الاعتراف الأممي الذي حصلنا عليه في 29/11/2011، أصبحت فيه دولة فلسطين معترف بها كدولة مراقب في الأمم المتحدة، نحن نريد الآن دستور لهذه الدولة، نحن لا نريد قصاصة دستور، ولا دُسَيتِر _تصغير لكلمة دستور_، نحن نريد بنية تحتية قانونية ناضجة شاملة ترعى مصالحنا كشعب عانى من الفوضى واللاستقرار، نريد أن نشارك في وضع أساسات الدستور؛ أساسات دولتنا، نريد الآن استقرار سياسي على أقل تقدير، نريد ديمقراطية حقيقية تقوم على المشاركة العادلة، ولن يتحقق هذا إلا إذا حزمنا طاقاتنا ورزمناها لتشكل قوة واحدة تسير معاً لأجل دولة ديمقراطية مستقرة غير تابعة لأي جهة ولا بأي نوع من أنواع التبعية.
لأجل وحدة الصف الفلسطيني، وحدة الشعب الفلسطيني في الوطن والمهجر، لكي ننزع الشوكة التي سببت الانقسام، علينا أن نضع نظام سياسي "برلماني" يكون فيه رأس واحد للسلطة التنفيذية وليس رأسين كما هو نظامنا السياسي الآن، وهو السبب الأكبر وراء الانقسام الحاصل في الصف الفلسطيني، حالياً نظامنا السياسي هو حقيقة " نظام مختلط" أي للسلطة التنفيذية رأسين وهما مؤسسة الرئاسة ومؤسسة الحكومة، وليس نظام برلماني حقيقي، حيث أنّ هذا النظام يكون فيه رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء شريكان في تسيير شئون الدولة، وهذا حقيقة ما هو موجود في دولتنا، نحن ندرك مساوئ هذا النظام لأننا نعيش الانقسام الذي هو نتاج هذا النظام، حيث كانت حصيلة انتخابات الرئاسة عام 2005 لصالح فصيل"حركة فتح"، وبالتالي فإن مؤسسة الرئاسة وهي إحدى رأسي السلطة التنفيذية تحت سيطرة حركة فتح، ولكن في انتخابات المجلس التشريعي بتاريخ 25/1/2006 كان نتاجها لصالح فصيل "حركة حماس" وعليه فإنه أصبح لدينا فصيلان متنافسان على السلطة، ولكل منهم ملكية رأس من رأسي السلطة التنفيذية، وهذا خلق جو مناسب للانقسام، ولو كانت السلطة التنفيذية برأس واحد لما حصل هذا، ونصوص مواد القانون الأساسي الفلسطيني وهو بمثابة الدستور وهو إن صح القول "دُسَيتِر"، نصت في المادة (34) على:" ينتخب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية انتخاباً عاماً ومباشراً من الشعب الفلسطيني وفقاً لأحكام قانون الانتخابات." تشبهها في الموضوع المادة (114) من المسودة الثالثة لمشروع الدستور الفلسطيني، التي جاء نصها:" ينتخب الرئيس مباشرة من الشعب لفترة ولاية مدتها خمس سنوات ميلادية. ولا يجوز إعادة انتخاب من يشغل منصب رئاسة الدولة إلا لمرة واحدة." في حين نصّت المادة (45) من القانون الأساسي الفلسطيني على أنّه:" يختار رئيس السلطة الوطنية رئيس الوزراء ويكلفه بتشكيل حكومته وله أن يقيله أو يقبل استقالته، وله أن يطلب منه دعوة مجلس الوزراء للانعقاد." أما مسودة المشروع الثالثة فقد نصت في المادة (121):" يكلف رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء بتنسيب من الحزب الحائز على أكبر عدد من مقاعد المجلس النيابي، بعد إجراء مشاورات مع زعماء الأحزاب الأخرى الممثلة في المجلس النيابي. فإذا تعذر تشكيل الحكومة خلال مهلة خمسة وأربعون يوماً، يسمي الرئيس رئيساً جديداً لمجلس الوزراء وهكذا دواليك إلى أن يتم تأليف الحكومة."
وبعد الاطلاع على نصوص المسودة الثالثة نرى أوّلاً أنّها تجاهلت مسألة من يقوم بتعيين رئيس الوزراء، واكتفت بأن الرئيس يكلفه بتشكيل الحكومة دون أن تسند تعيينه لأي جهة بل تركت ذلك مفتوحاً، وفي هذا ثغرة قانونية ينبغي أن تُعالج. ثانياً ما زالت ترّكز على طبيعة نظام سياسي ذي رأسين، ومن هذا المنطلق كان علينا كفلسطينيين أن نجد الحل لتلك الحالة وعليه يتوجب علينا أن ندعم تعديل دستوري يتم فيه تلافي هذه الثغرة ويدعم تغيير نوع النظام السياسي ليصبح برلماني ذو رأس واحد، من خلال جعل أكبر الصلاحيات التنفيذية للحكومة برئاسة رئيس الوزراء ومنصب رئيس السلطة أقرب ما يكون لمنصب فخري، من باب جعل السلطة التنفيذية بيد مجموعة برأس واحد، لا عدة رؤوس. تلك الهيكلية التي تخدم مصالحنا كشعب، ونؤيد مسألة وجود دستور ينادي بهذا النوع من النظام السياسي، وبهذه الحالة نكون نزعنا شوكة الانقسام، ويغدو بإمكاننا أن نفكر فيما بعد بالقضاء على غيرها من الآفات، ويغدو بإمكاننا بعدها المطالبة بإجراء انتخابات، أما قبل هذا التعديل الدستوري فلا حل للمشكلة لأنه قد ينتج عن الانتخابات رأسين لفصيلين مختلفين ونعود لنعيش الانقسام مرة أخرى، لذا فالأفضل أن نقدّم مسألة كتابة دستور على إجراء عملية الانتخابات، لنمارس الانتخابات ونحن متحدّين لا متفرقين، يجمعنا هدف واحد ألا وهو استقلال واستقرار فلسطين.
ويأتي هذا المقال ضمن مشروع نحو دستور فلسطيني عادل ينفذه المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطيه وبالتعاون مع مركز القدس للنساء بدعم من صندوق الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة.



