الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:37 AM
الظهر 12:43 PM
العصر 4:23 PM
المغرب 7:27 PM
العشاء 8:49 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

هل بقي للأزهر دور عالمي؟

الكاتب: دكتور محيي الدين عميمو

صديق قديم هتف لي محتجا على ما اعتبره إهانة وجهتها للأزهر الشريف  في الحديث  الماضي، وقلت له بغلظة لم أندم عليها أن بعض رجال الأزهر أنفسهم هم من أهانوا هذا الصرح السني الهائل وذكرته بما روي عن عالم أزهري أفتى بعدم الصلاة على ضحايا الإخوان المسلمين، وقبله عالم آخر أخرجنا من ملة الإسلام نتيجة لشجار مفتعل في ملعب كرة.
وواقع الأمر أن اهتمامي بدور الأزهر ليس جديدا، فأنا من قدامى الأزهريين، وكان والدي رحمه الله من العلماء الجزائريين الذين حصلوا على العالمية من الجامعة العريقة، وأرسلني في بداية الخمسينيات من عنابة إلى القاهرة للدراسة فيه، لكنني فررت منه بعد شهور رافقت فيها عددا من الزملاء، كان من بينهم الرئيس الراحل هواري بومدين.
وكان الأزهر دائما، كمؤسساتنا الدينية في المغرب العربي، مرجعية إسلامية سنية بالغة الأهمية عظيمة التأثير، بحيث بدا أحيانا كفنار الإسكندرية الشهير.
لكن لا بد من الاعتراف بأن الأزهر فقد مكانته العالمية عندما أحسّ كثيرون أنه يتصرف كمؤسسة محلية، تخضع لما يخضع له كل الموظفين الذين تختارهم السلطة، ويتخذ بعض شيوخه مواقف لا تحظى بالإجماع الإسلامي، بل والمحلي، وهكذا فقد أهلية القيام بدور عالمي، كانت كل المعطيات ترشحه له وتتطلبها منه.
وكان من أهم عناصر الشنآن مع الأشقاء في مصر ردود فعلهم تجاه كل نقد يوجه للأزهر ولشيخه، تماما كما حدث مع الشقيق الذي أشرت له في بداية الحديث.
وأتذكر هنا بعض تصرفات شيخ الأزهر السابق، الذي ترك بصمات بالغة السوء على مسيرة الأزهر، وكان تفسيره لمصافحته مع شيمون بيرز وحده كافيا ليثير سخط كل مسلم يحترم نفسه،  وبمجرد أن وجه للشيخ بعض النقد تضامن معه أشقاء كثيرون بشكل أخذ طابع التعصب الإقليمي، وضاعت الموضوعية لحساب الشوفينية.
وقلت للأشقاء بأنه إذا كان شيخ الأزهر شيخا للمسلمين السنة كلهم وإماما أكبر لهم فإن من حق أي مسلم سني أن ينتقده، وفي غير ذلك فإنه يكون مجرد موظف مصري سام برتبة رئيس وزراء، يتم التعامل معه بنفس الاحترام الذي يتعامل به أي مواطن في العالم مع موظف كبير في دولة شقيقة أو صديقة، لا أكثر ولا أقل.
ولقب الإمام الأكبر لا يكفي وحده لتحقيق الطموح المصري، لأن ذلك قرار محلي صدر من السلطة المصرية ولا يجسد بالضرورة إرادة علماء السنة الذين يقودون الفكر الديني على مستوى أكثر من مليار مسلم.
ولن أدخل في تفاصيل مصرية داخلية ليس من حقي أن أتناولها، لكن اعتبار الأزهر مرجعية سنية موحدة ترتفع بالإسلام عن الوضعية المحلية والمعطيات الإقليمية تفرض ألا يقحم شيخ الأزهر نفسه في الصراعات السياسية الداخلية، في مصر وفي غير مصر، وأن يجد من القيادة السياسية العليا في أرض الكنانة التفهم الذي يمكنه من الارتفاع إلى مستوى عالمي كالذي يتميز به بابا الفاتيكان، وهكذا يصبح تعبيرا عن إرادة مسلمي مصر جميعا أيا كانت أحزابهم، وهو ما يضعه على أول الطريق ليكون رمزا للمسلمين في كل مكان، وهذا أمر لا يتحقق بالنوايا الحسنة ولا بالإرادات السياسية الإقليمية وإنما بوجود الشيخ في وضعية حياد سياسي واضح، بل وبالمجازفة بأن يكون في لحظة معينة على خلاف مع خط سياسي معين للسلطة، وكل ما يمكن أن يقال غير هذا هو نفاق وخداع لا يفيد الأزهر ولا يُفيد الإسلام بل ولا يفيد مصر.
من هنا نفهم لماذا كان دعم شيخ الأزهر للانقلاب المصري هو إجهاض لدوره العالمي، كمرجعية سنية سامية تواجه مرجعية الفاتيكان وقم ومشيخة عقل الدروز.
والواقع أن موقف شيخ الأزهر الجديد الذي يؤكد النظرة المحلية للمؤسسة العريقة لم يكن جديدا.
فقد كان أول حديث سياسي أدلى به يتضمن مقولة ترى بأن ثورة يوليو 1952 أساءت إلى الأزهر وحجمت طاقاته.
وقلت يومها أن من يحمل لقب الإمام الأكبر للمسلمين السنة لا يحق له أن يبدأ نشاطه بتصريح سياسي يعادي به قطاعا من المصريين يرتبطون بثورة يوليو وينسجم فيه مع خصومها، بالإضافة إلى وجود شرائح عربية ومسلمة كثيرة تحتفظ للرئيس الراحل بالكثير من المحبة والاحترام، وكان ذلك الموقف، في تصوري، تجاوزا غير مقبول صدر عن رجل من المفروض أنه مُسيّس حتى النخاع، واسع الأفق إلى حدود ما بين المحيطين، وليس مجرد  “تقني” ممتاز في القضايا الفقهية وشؤون العبادات.
وهكذا فقد الأزهر، فيما رآه كثيرون، أهلية الحديث باسم مجموع السنة في مصر، ناهيك عن السنة بين مليار المسلمين.
وللتذكير، فقد كان الأزهر، منذ تأسيسه عام 972 م على يد أجدادنا الفاطميين، مرجعية شيعية، لكنه تحول إلى السنة، وظل  قلعة ومنارة للإسلام والعلم عبر العصور.
وظهر منصب شيخ الأزهر في العهد العثماني منذ نحو ثلاثة قرون، وتولي المنصب الشيخ محمد بن الخراشي الذي كان يلقب بـشيخ الإسلام، وتداول عليه سبعة وأربعون عالما أبرزهم الشيخ المراغي، ومحمود شلتوت، وعبد الحليم محمود وعبد الرحمن تاج وغيرهم.
وكان آخرهم د. أحمد الطيب، الذي أعترف بأنني كنت متحمسا له مدركا فضله عارفا بمكانته.
لكنني فوجئت بأنه نسي على ما يبدو أن ثورة يوليو لم تقم بإقالة أي شيخ من الشيوخ، بل كان الملك فاروق هو الذي أقال الشيخ عبد المجيد سليم (1882-1954) بحجة أنه تناول تصرفات الملك بالنقد العلني، وكنت قلت يوما في تناول للأمر بأن الملك كان على حق، فدور الشيخ كان النصح، وهذا لا يتم علنا لأنه يسيئ إلى هيبة المُلْك، ويستفز كرامة المَلك، في حين يُروى أن فاروق كان يقبل يد الشيخ مصطفى المراغي، وكان يريد أن يختتم حفل تتويجه بصلاة الجمعة التي يؤمها شيخ الأزهر بنفسه، لولا أن زعامة حزب الوفد رفضت ذلك.
وكان مشايخ الأزهر هم من انتخبوا محمد علي باشا لولاية مصر، ولكنه انقلب عليهم وتخلص من عمر مكرم، الذي لم يعد التاريخ يذكره إلا عندما يشار إلى المسجد المسمى باسمه في ميدان التحرير، عندما تنطلق منه جنازات رجال الدولة والكبراء والموسرين.
وأصبح شيخ الأزهر يُنتخب من جانب كبار المشايخ في ما بينهم ودون تدخل الدولة، إلا أنه في عام 1911 صدر قانون الأزهر الذي أسس «هيئة كبار العلماء» وتتكون من 30 عالما من كبار علماء الأزهر، واشترط هذا القانون أن يكون شيخ الأزهر عضوا بهذه الهيئة، وكان التجاوز الوحيد عن هذا القانون قد جاء من جانب الملك فاروق عام 1945، حينما عين الشيخ مصطفى عبد الرازق، رغم أنه لم يكن حينئذ عضوا في جماعة كبار العلماء، ولكنه كان فعلا من كبار العلماء المتفتحين، وتسجل له رعايته لفنانة ناشئة كان اسمها أم كلثوم، وهو شقيق الشيخ على عبد الرازق الذي قامت مشاكل متعددة حول كتابه “الإسلام وأصول الحكم”.
وخلال مرحلة الازدهار الإسلامي لعب الأزهر ورئيسه دورا سياسيا ووطنيا كبيرا، فقد قاد شيوخ الأزهر المقاومة في أكتوبر 1798 ضد الفرنسيين في أثناء حملة نابليون بونابرت، ووقف شيوخ الأزهر ضد الحملة الإنجليزية على مصر، كما لعبوا دورا قوميا كبيرا في الصراع العربي الإسرائيلي والحروب المتعددة في هذا الشأن.
وإثر قيام ثورة يوليو اتخذ الرئيس جمال عبد الناصر قراره بتعيين الشيخ محمد الخضر بن الشيخ حسين، وهو تونسي من أصل جزائري شيخا للأزهر، فكان بذلك التعيين الثاني والأخير لشيخ غير مصري الأصل، ويقول البعض أن ذلك كان سبب نقمة رجال الأزهر على جمال عبد الناصر.
وظل شيخ الأزهر يختار من بين أعضاء جماعة كبار العلماء إلى بداية الستينيات، حيث ألغاها جمال عبد الناصر عام 1961، وحولها إلى «مجمع البحوث الإسلامية» الذي يتكون من نحو 50 عضوا، وصار شيخ الأزهر يعيَّن قانونا من بين أعضاء المجمع بقرار من رئيس الجمهورية.
ومن هنا فإن ثورة 1952، ورغم كل ما يمكن أن تحمل به من أخطاء، لا يُمكن أن تتهم بأنها أساءت إلى الأزهر، في حين أن من ابتعدوا عن ثورة يوليو أو تناقضوا مع الخط السياسي، الدولي والمحلي، الذي التزمت به، هم الذين أساءوا له بتحويله إلى “مطيباتي” لقرارات السلطة السياسية.
وقد يرى بعض الأشقاء في هذا القول تدخلا في شؤون داخلية، وهو صحيح إذا كان دور الأزهر الاقتصار على الشؤون المصرية، إما إذا كان يأمل في دور إسلامي أممي فإن شؤونه تهم كل مسلم.
ونحن في عصر وصلت الاستهانة فيه بالإسلام إلى مستويات غير مقبولة، وعلينا بالتالي أن نواجه قضايا العقيدة بتبصر سياسي يدرك أهمية وجود مرجعيات دينية ذات مصداقية، تنطلق من أن الإسلام هو القاعدة الرئيسية للحضارة العربية الإسلامية، وهذه رصيد لكل الأديان والثقافات، كما أن الدين، إسلاميا ومسيحيا، هو الطاقة الروحية للمجموعة العربية، يجب أن تتعامل معه كتعامل قوميات أخرى، تألقت عندما أدركت حتمية التكامل بين العقيدة الدينية والانتماء القومي، وتركيا وإيران وماليزيا وإندونيسيا مثل لذلك.
وإذا استطاع شيخ الأزهر التفرغ لمهمته الدينية النبيلة وحدها فإنه يستطيع على الفور دعوة علماء المسلمين، من المحيط إلى المحيط، إلى لقاء يكون انطلاقة جديدة للإسلام السني، يتكامل بها مع بقية المذاهب الإسلامية لمواجهة تحديات الزمن الرديء بمواقف منسجمة، تدعم مكانتنا الدولية، فيكون للإسلام، بكل مذاهبه، وجوده المؤثر على القرارات السياسية، ويتمكن من مواجهة عمليات الاختراق التي تتولاها حملات تحديث مشبوه تلغى فيها حدود الله، بداية بإلغاء عقوبة الإعدام، بدلا من المناداة بتكثيف الضوابط المفروضة على صدور حكم قاسٍ، لا جدال في شرعيته في حالات القتل مع سبق الإصرار والترصد وحالات الاغتصاب خصوصا بالنسبة للقصّر وحالات الخيانة العظمى، وهكذا قد نصل يوما إلى وضع آلات لتوزيع عوازل منع الحمل في الثانويات وإلى قبول الزواج المثلي وإباحة الإجهاض لغير مبرر طبّي الخ، أي إلى تحويل الإسلام إلى طقوس بدون روح أو حياة.
ويجب أن نتذكر هنا أنه وعندما يفقد الدين في بلد ما قوته كبوتقة تجمع الأمة وتوحد كلمتها وتجند طاقاتها، يحدث انهيار مكانة البلاد إقليميا ودوليا، ويضمحل كل وجود فاعل لجالياتنا المغتربة، لتظل حشودا يمكن أن تستخدم ضدنا سياسيا واقتصاديا وماليا، لتتخصص في التظاهرات “العفوية”، مهللة أو غاضبة.
وإذا كنا نريد أن تكون للأزهر دورا عالميا في كل المجالات فلا بد من الإعداد لمرحلة ينتخب فيها شيخ الأزهر من علماء المسلمين في المشرق والمغرب، وتكون نفقاته من صندوق خاص لا علاقة له بميزانية الدولة.
وقبل كل هذا يجب أن يبتعد الأزهر عن أن يكون ذيلا للسلطة، كما حدث يوم أن حُرّض ضد الثورة الإيرانية، لمجرد أن الرئيس السادات كانت له علاقاته المتميزة مع شاه إيران المعزول.
وكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...