شرخ خفيف في .. المرآة؟
الكاتب: حسن البطل/ ج.الأيام
ينمّي الطفل بعض مداركه متأملاً صورته في المرآة، وكانت المرايا والخرز الملون ..والملح بضائع "سحرية" في مقايضة جائرة لأوائل البيض المستعمرين مع شعوب غابات إفريقيا السوداء، مقابل العاج وجلود الحيوانات.. والذهب أيضاً!
عمر إسرائيل ٦٦ سنة، أي أصغر قليلاً من أعمار دول سايكس - بيكو العربية، التي هشمّ "الربيع العربي" صورتها في المرآة القومية والقطرية أيضاً.
صورة إسرائيل هي صورتها في مرآتها، التي هي الجيش، أو "جيش الشعب" باعتبار أن "لكل دولة جيشا، ولإسرائيل جيش له دولة" كما يقولون هناك.
منذ سنوات، اي منذ ولاية نتنياهو الثالثة، وضع مرآة لصورة إسرائيل، هي "يهودية الدولة" لأنه رأى شبحاً في المرآة هو "العودة" الفلسطينية.
يهودية الدولة هل تعني يهودية الجيش، الذي بنى الدولة وحماها ويحميها، بصفته البوتقة لصهر اليهود شعباً، والجيش "جيش الشعب"؟
حوالي ١٠٪ من سكان دولة إسرائيل هم من "الحريديم" (أتقياء الله) ويرون انفسهم جزءاً من الدولة والشعب، لكن ليس جزءاً من "جيش الشعب"، أي غير ملزمين بالخدمة فيه. هذه المشكلة قديمة من أيام قيام الدولة، وأعطاهم أول رئيس وزراء، بن - غوريون العلماني الصهيوني إعفاء من الخدمة العسكرية، احتراماً لـ "توراته عمله".
الظروف تتغير، ومعها بنية الدولة والمجتمع .. والجيش طبعاً، ونسبة "الحريديم" من السكان زادت تبعاً لزيادة المولودية في صفوفهم على المعدل الوطني العام.
منذ تظاهرة الاحتجاج في جادة روتشيلد - تل ابيب، قبل سنوات قليلة، او تظاهرة جبنة "الكوتيدج" للطبقة الوسطى الإسرائيلية المسحوقة بعد التحول لاقتصاد السوق، برز حزب يحمل مطالبها، ومنها "المساواة في تحمل العبء" أي انخراط "الحريديم" في دورة الاقتصاد المنتج، وخدمتهم في الجيش.
في قيادة الجيش هناك من يدعو الى اعتماد "جيش محترف" من المتطوعين، بدلاً من "جيش الشعب" على غرار الجيوش الحديثة في الدول الديمقراطية، مثل الجيش الاميركي بعد حرب الفيتنام، اي "جيش صغير وعقل كبير"، وهناك من يرى ان هذا الخيار عالي الكلفة اقتصاديا اكثر من جيش الخدمة الإلزامية.
هناك من يرى خطراً في تجنيد المتدينين المتشددين الذين سيطيعون تعليمات حاخاماتهم لا قادتهم العسكريين، سواء كانوا من "الصهيونية المتدينة" مثل الوزير بينيت، او "اليهودية المتدينة" مثل الحريديم.
الحلول التوفيقية كثيرة، ومنها "مشروع طال" لاستيعاب تدريجي للحريديم في الجيش ليبقى "جيش الشعب"، المحكمة العليا اقرت بدء تجنيد متدرج للاصوليين من العام ٢٠١٧، ووافقت الحكومة والبرلمان لكن تظاهرة احتجاج "مليونية" حريدية في القدس (لا في تل أبيب العلمانية) كانت اكبر تظاهرة للمتدينين على اختلافهم من غربيين وشرقيين ولتوانيين وحسيديين ..الخ!
صارت "المليونية" شعاراً اقتباساً عالمياً من مليونية "ميدان التحرير" في القاهرة (ساحة تقسيم التركية، وساحة الميدان في كييف .. عدا جادة روتشيلد في تل ابيب).
سواء شارك ٦٠٠ ألف في التظاهرة، او ٣٥٠ ألفا أو ربع مليون، فقد كانت ناجحة جداً من حيث التنظيم، واكثر تنظيما من تظاهرة احتجاج العلمانيين في تل ابيب، أو جنازة الحاخام عوفاديا يوسف.
لن تتراجع الحكومة ولا الجيش عن "قانون التجنيد" لكن لن يتوقف "الحريديم" عن اتهام المحكمة العليا بالعلمانية المعادية لليهودية والتوراة.
المسألة ليست في تجدد الشرخ القديم بين غلاة العلمانيين والمتدينين المتطرفين، لكن في ان تظاهرتهم الاحتجاجية صادفت في التوقيت سفر نتنياهو الى واشنطن، وتركيزه على مطلب "يهودية إسرائيل" خلال لقائه بأوباما وخطابه في "إيباك".
الجيش الإسرائيلي يعتمد الخدمة الإلزامية لثلاث سنوات بعد الشهادة الثانوية، مع امتيازات اجتماعية واقتصادية، خاصة لكبار الضباط في "الجيش العامل"، وكذلك جيش كبير من الاحتياط، والفكرة الجديدة هي جيش ثالث يقوم بالخدمة المدنية، وبه تحاول إسرائيل تجنيد قطاعات الأصوليين والعرب، بديلاً عن الخدمة العسكرية المباشرة في الجيش العامل، وفي قوات الاحتياط سريعة التعبئة والانخراط في المجهود الحربي.
مطالبات العلمانيين بتساوي حمل العبء أثمرت عن خفض سنوات الخدمة، وتعويض ذلك بخدمة اقل للأصوليين او خدمة مدنية، وأسباب العلمانيين اقتصادية أولاً، وتعاظمت بعد تحول إسرائيل الى اقتصاد السوق.
الى جانب الخدمة في الجيش بالتساوي - غير المتساوي في الواقع، فإن اقتصاد الدولة يتطلب تغيير نظام التعليم في المدارس الأصولية "توراته - عمله" وإدخال الرياضيات والعلوم فيها للانخراط في دورة الاقتصاد المتنامية، والخروج من دائرة الفقر والاعتماد على إعانات الدولة للأصوليين، وتحديد اعداد دارسي التوراة سنوياً لإعفائهم من الخدمة، بدلاً من الإعفاء العام وخاصة للبنات الأصوليات.
بينما بنية نظم ودول سايكس - بيكو تتحطم، فإن ما يجري في إسرائيل هو مجرد شرخ صغير في صورتها بمرآتها عن نفسها، وصورة الجيش في المرآة.



