العراقيل والابتزازات الاسرائيلية
الكاتب: حديث القدس – القدس
خطاب الرئيس محمود عباس حول التوجه للانضمام لمنظمات تابعة للأمم المتحدة يعكس نوعا من نفاد الصبر تجاه ما وصلت إليه المفاوضات مع الجانب الاسرائيلي، فليس خافيا على أحد حتى في اسرائيل نفسها أن حكومة بنيامين نتنياهو تتعمد وضع العراقيل أمام ما تسمى بعملية السلام - حيث يتباهى رئيس الحكومة الاسرائيلية بقدرته على المناورة من أجل إنهاء عملية السلام المتعثرة والإجهاز عليها تدريجيا، ووفق إطار زمني ينتهي بانتهاء ولاية الرئيس الأميركي باراك اوباما الثانية. وقد افتخر نتنياهو بأنه استطاع تجاوز الفترة الرئاسية الأولى لأوباما دون أن تتحرك "عملية السلام" سنتيمترا واحدا في اتجاه التوصل للتسوية تحت الرعاية الأميركية، حين كانت هيلاري كلينوتو تتولى منصب وزيرة الخارجية.
والورقة الصعبة التي يراهن عليها رئيس الوزراء الاسرائيلي هي ما يسميه "بيهودية اسرائيل"- هذا الشرط التعجيزي الذي تكمن وراءه التصفية المجانية للقضية الفلسطينية في العنصرين الرئيسيين اللذين تستند إليهما هذه القضية :والعنصر الأول الذي يشكل جوهر هذه القضية هي قضية اللاجئين الذين شردوا عن ديارهم قبل ستة وستين عاما، ولا يريد نتنياهو أن يعترف لهم بحق العودة، بل ويرفض أي حل عادل لهذه القضية وفقا لما نصت عليه مبادرة السلام العربية. وما لم تحل قضية اللاجئين استنادا للمرجعيات المتعلقة بهذه القضية وعلى رأسها القرار ١٩٤، فسيظل تشردهم عن ديارهم القنبلة الموقوتة التي تنسف أي تسوية قاصرة عن هذا الحل، الذي يفترض أن يكون عادلا ومقبولا.
أما العنصر الثاني الذي تهدده "يهودية اسرائيل" فهو حقوق مليون وربع المليون من المواطنين العرب داخل الخط الأخضر. والاعتراف بهذه الصفة غير الديموقراطية لاسرائيل من شأنه أن يخرج هؤلاء المواطنين من دائرة هذا التعريف، بل ويهدد وجودهم في وطنهم وبلداتهم ومدنهم ومضاربهم. ولا يملك أي زعيم فلسطيني أن يخطو مثل هذه الخطوة الكارثية لا في الوقت الحاضر ولا في المستقبل.
وبجانب هذا الشرط التعجيزي تستخدم الحكومة الاسرائيلية أسلوب الابتزاز ، من خلال الضغط على القيادة الفلسطينية لمواصلة المفاوضات العقيمة بالتلويح بتأخير الإفراج عن الدفعة الرابعة من قدامى الأسرى. ومن الواضح أنه لا علاقة لموضوع الأسرى بالمفاوضات، خصوصا وأن السلطة الفلسطينية لم تستخدم حق الدولة الفلسطينية في الانضمام للمحاكم الجنائية الدولية طيلة الفترة التي استغرقتها المفاوضات حتى الآن، هذا على الرغم من الضغوط الشعبية الهائلة التي مورست على السلطة للقيام بذلك.
والأغرب أن تربط اسرائيل بين الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين وبين إطلاق سراح الجاسوس اليهودي الأميركي جوناثان بولارد. وبهذا تحاول خلق انطباع غير حقيقي بالتماهي بين الموقفين الفلسطيني والأميركي والإيحاء بأن الولايات المتحدة متحيزة ضد اسرائيل، وعليها أن تقدم تنازلات كما يفعل الفلسطينيون. وهذا خلط غريب للأوراق لا يتقنه سوى القادة الاسرائيليون وابتزاز آخر للولايات المتحدة كما يبدو للجميع.
وما يشجع الحكومة الاسرائيلية على وضع العراقيل وممارسة الابتزاز السياسي للفلسطينيين والولايات المتحدة هو ليونة الموقف الأميركي من ناحية، والتسامح الدولي مع الاحتلال المزمن للأراضي الفلسطينية ن الناحية الأخرى . ولا بد من تحرك دولي وأميركي فعال ومؤثر إذا أريد لما تسمى بعملية السلام أن تخرج من غرفة الإنعاش التي دخلتها قبل ست سنوات ولا تريد الحكومة الاسرائيلية لها أن تتعافى لا في المستقبل القريب، ولا حتى في أي وقت من الأوقات.



