ثلاث مهام عظمى؟!
الكاتب: عبد المنعم سعيد
لم تغير قمة كامب ديفيد بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأميركية من الأمر الواقع الحالي الكثير، سواء كان على مستوى العلاقات بين الطرفين أو علاقات واشنطن وطهران. كل ما حدث كان التأكيد على أن الاتفاق بين إيران ومجموعة 5+1 سوف يحدث مهما كانت التحفظات عليه، وأنه لن يوجد ما يوقفه سواء كان من الكونغرس أو إسرائيل. والتأكيد في نفس الوقت على أن مثل هذا الاتفاق لا يعني بالضرورة إطلاق العنان للمطامع الإيرانية، وأن الولايات المتحدة سوف تبقي على علاقاتها الوثيقة مع الدول العربية في الخليج. وكل ذلك تحت الحدود التي حددها أوباما لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة، والقائمة على استخدام مكثف للدبلوماسية، مع الاستخدام المحدود للقوة العسكرية، بحيث تستبعد في كل الأحوال وضع قوات على الأرض. ولعل السياسة الأميركية في اليمن توضح المسألة، فهي معارضة لفعل الحوثيين، وبالتالي لحلفائهم الإيرانيين، ويحدث ذلك من خلال حدود القوة البحرية والاستخبارات العسكرية والجوية وربما الفضائية أيضا المؤيدة لعاصفة الحزم وعودة الأمل معا ودعمهما بمزيد من القدرة العسكرية تسليحيا وفنيا. كل ذلك لا يبدو عليه احتمالات للتغيير، على الأقل حتى تجري الانتخابات الرئاسية في العام القادم، ومن ثم فإن ما لدينا الآن سوف يبقى معنا في المستقبل القريب أو لعام ونصف على أقل تقدير، وبعد انتخاب الرئيس الجديد سوف يكون لكل حادث حديث.
ضمن هذا الإطار فإن الدول العربية خاصة الخليجية منها باتت، وقد أدركت حدود الاقتراب والعون الأميركي وهو ليس بالقليل، تواجه ثلاث مهام عظمى هي: استعادة الدولة العربية من حالة الانهيار الذي وصلت إليه في بعض الدول، والتهديد الذي تتعرض له في دول عربية أخرى؛ واستعادة الدين الإسلامي من يد الذين يحاولون اختطافه من قوى متطرفة ومتعصبة وراديكالية؛ واستعادة الأمن الإقليمي الذي يتعرض للتهديد من قبل دول إقليمية مثل إيران، أو جماعات ليست دولا، وإنما عابرة للدول والقوميات مثل «داعش».
التعامل مع هذه المهام له منطلقان: الأول أن التقلص في حجم الفاعلية الأميركية في المنطقة رغم ما يؤدي إليه من خلل؛ فإنه من ناحية أخرى يعطي الدول العربية مرونة في الحركة في التعامل مع الأوضاع المتردية في المنطقة وهو ما تبدى على أي حال في «عاصفة الحزم» لإنقاذ اليمن من المصير المظلم الذي وصل إليه، مع كل ما كان يعنيه ذلك من آثار على شبه الجزيرة العربية كلها كمنطقة استراتيجية. هنا فإن قلب المبادأة والفعل جاء من المملكة العربية السعودية ومعها حلفاؤها من الدول العربية. المنطلق الثاني أن توازن القوى الحالي في المنطقة، عسكريا، وبالتأكيد اقتصاديا، وأكثر من ذلك سياسيا، هو في صالح التحالف العربي. وما يحتاجه هذا التحالف هو المزيد من التنسيق الاستراتيجي على المستويين الفكري والعملياتي، واستغلال الإمكانات المتاحة بالفعل لأطرافه.
استعادة الدولة العربية مرة أخرى تبدأ بالحفاظ على الدول القائمة وحمايتها من الوقوع في الفشل؛ ولعل تجربة الوقوف إلى جانب مصر تثبت أن العزم في القرار والحزم في تنفيذه قد أدى ليس فقط إلى إنقاذ دولة عربية مهمة، ولكن إعطاء مزيد من الفاعلية والأوراق للتحالف العربي من بينها إنشاء القوة العربية العسكرية المشتركة. المحاولة سوف تكون أصعب في الدول العربية الأخرى وهي بادية في اليمن وسوريا وليبيا وإلى حد كبير العراق. هناك حاجة ماسة لتقييم الأوضاع القائمة في هذه البلدان، وتكثيف التعاون المعلوماتي حول الأطراف الموجودة في كل بلد، وفي كل الأحوال فإن استعادة الدولة تعني عملية سياسية تساندها القدرة على استخدام أدوات عسكرية خاصة عندما تدخل قوى مثل «داعش» أو أخرى تحارب بالوكالة مثل حزب الله والحوثيين. في كل الأحوال لا بد من أن تبقى الأبواب مفتوحة للجميع للتراجع، والاكتفاء من النصيب الشرعي للمواطنة في الدولة، لا أكثر، ولا أقل.
استعادة الدين الإسلامي مرة أخرى لأصحابه في أصوله السمحة، هي مهمة لا تقل صعوبة خاصة أن عملية الاختطاف جرت تحت السمع والبصر لسنوات طويلة. وفي وقت من الأوقات كانت جماعة الإخوان المسلمين ترتع في كل الدول العربية تقريبا، بل إن فروعها وصلت حتى كل الدول الإسلامية، بل والدول الغربية أيضا. هذه الجماعة الأم هي التي أفرزت باقي الجماعات، ونما بعضها في ظلها، وبعدها تجاوزها إلى مزيد من العنف والتطرف. تقليص هذا التوسع الهائل لن يكون سهلا وسوف يحتاج إلى خطوات محسوبة ولكنها حاسمة، ولن يفيد فيه كثيرا أنواع من «الأصولية العلمانية» الشائعة الآن، التي نتج عنها في تركيا ردود فعل ذات طابع إخواني. ما سوف يفيد هو التمييز الدقيق بين «الفكر والتفكير الإسلامي» وفي هذا فإن حق الاجتهاد واجب؛ والدين الإسلامي والامتثال لتعاليمه فريضة. وربما كان علينا أن نعترف أننا خلطنا كثيرا، أو سمحنا بالخلط بين الجهاد من ناحية، والاستباحة للنفس من ناحية أخرى لتحقيق أغراض أخرى. الأمور كلها في النهاية بينها خيوط دقيقة، وتحتاج فكرا خلاقا أصيلا، ودعوة صريحة تضع الإسلام في مكانه الصحيح الذي يحمي الإنسانية وتضعه على الطريق القويم، حيث لا يسعى لإخضاع البشر والتمثيل بهم. فحرية الاعتقاد، وحق الاختيار، هما حقان أصيلان في الدين لا يقبلان مساومة أو ترددا. الأمر كله هنا ليس مجرد اجتماعات أو محاضرات، أو حتى إلقاءات تلفزيونية فقط، وإنما هو استجابة لدواعي العصر وأدواته التكنولوجية ويجب أن نعترف أن سارقي الدين قد امتازوا في استغلالها. ببساطة فإن المهمة هي الوصول الفكري إلى الأجيال العربية الجديدة لكي تعيش عصرها، وتكون في خدمة الوطن والمسلمين لا أن تكون أداة قاتلة لهم.
استعادة الأمن الإقليمي لن تكون سهلة هي الأخرى، ومن يظن أنه يمكن العودة إلى ما كنا عليه قبل هبوب «الربيع العربي» فهو واهم. لقد تغيرت المنطقة، وآن أوان التعامل مع المتغيرات التي جرت عليها، ولا يمكن أن تعود سوريا والعراق وليبيا واليمن إلى ما كانت عليه مرة أخرى دون تغيير في طبيعة السلطة وأدوات الحكم. ولذلك فإن التحالف العربي لا بد له من قلب صلب يكون له من الاحترام والهيبة ما يكفي لكي يكون التعامل مع التغيير، والحفاظ على توازن القوى في المنطقة، ممكن من ناحية، وبتكاليف غير دامية من ناحية أخرى. والأمر كله فيه تفاصيل كثيرة حول المهام الثلاث، ولكن المهم أن نكون على يقين من سلامة التوجه، وعظمة القصد.
* نقلا عن "الشرق الأوسط"

