المنهج الخفي..وعلم النفس الاجتماعي التربوي
الكاتب: حسني عايش
المنهج الخفي (Hidden curriculum)، أحد موضوعات علم النفس الاجتماعي التربوي، أو علم الاجتماع النفسي التربوي، وأحد عناصر نظرية التفاعل الاجتماعي في التعلم والتعليم. ويقصد به ما يبدوعليه المعلّم حين يدخل غرفة الصف، من زي وشكل وهيئة، وما يقوله وما يفعله فيها بعد إغلاق الباب عليه.
فقد يأتي المعلم/ المعلمة متأخراً عن موعد الحصة، فيشكل ذلك رسالة للزطفال، أن التأخر عن الموعد مقبول. وقد يأتي إلى الصف والسيجارة في فمه، فيشكل ذلك رسالة لهم، أن التدخين مقبول. وقد يكون موضوع الدرس هو الديمقراطية أو حقوق الانسان فيقول لهم: إن الديمقراطية نظام غربي، وإنها كفر، وإنها لا تصلح لنا، وإن لدينا نظاماً أفضل وهو الشورى وحقوق الإنسان في الإسلام.
وهكذا لا يتشكل الطفل حسب المنهج الرسمي الذي يحتوي على القيم والمبادئ النبيلة، التي ينبغي ترسيخها في الأطفال بل حسب المنهج الخفي المعادي له.
ولمقاومة المنهج الخفي يلجأ بعض الإدارات المدرسية إلى التجسس على المعلمين والمعلمات، المشكوك في أمرهم نحو فلسفتها، أو إلى تركيب كاميرات وسماعات في غرف الصفوف، للتنصت عليهم وهو تبرير خاطئ.
وإذا كان الأمر كذلك، أي إذا كان المنهج الخفي معادياً للمنهج الرسمي، فلا يكفي تغيير المناهج أو تعديلها لإصلاح التعليم والتعلم، بل يجب إصلاح المعلم/ المعلمة اولاً ودائماً، وبحيث يلتزمون بالمنهاج المقرر -فلسفة وقيماً- في دولة ديمقراطية وحسب قاعدة: أرسل معلماً حكيماً ولا توصه.
والمنهج الخفي غير مقصور على المدرسة أو الجامعة. إنه موجود في القطاعات كافة، ففي قطاع الطب يوجد منهج خفي، وفي قطاع الهندسة أيضاً، وفي غرفة الصناعة وغرفة التجارة والنقابات والأحزاب وهكذا. وهو موجود كذلك في حديث الدواوين أو الصالونات، حيث الحديث في الصالون يختلف عن الحديث في الميكرفونات، أو الإذاعة أو التلفزيون أو الصحف. من هو في هذا العالم العربي والإسلامي البوليسي غالبا، الذي يعبر ظاهره عن باطنه؟ إننا جميعاً نمثل فيه على بعضنا بعضا، ولهذا التمثيل أسبابه وعوامله، وكل منا قادر على معرفتها لأنه يخضع لها.
في المجتمعات والأنظمة العرفية، تعجز الحكومات عن معرفة الحقيقة، فتبني سياستها على المنهج الرسمي، وكأنه موافق عليه من الشعب، مع أن المنهج الخفي يعطله. وتصدّق أيضاً نتائج المسوحات والاستبانات، مع ان كثيرا من المشاركين فيها قد لا يكونون صادقين في إجاباتهم عنها، لاعتقادهم بالتنصت عليهم، أو بإمكانية التعرف عليهم ومساءلتهم، فيجيبون عن الاسئلة حسب ما يرون أنه مرغوب فيه اجتماعياً أو رسمياً.
لعل أقوى العوامل المؤدية إلى لجوء الناس إلى المنهج الخفي، هو الاستبداد، وما ينتج عنه من قمع لحرية التعبير، أو تزمت المجتمع وغلبة النص أو الجواب الجاهز عليه، ولجوئه إلى التكفير: تكفير المخالف أو المختلف. في مجتمع كهذا يتظاهر كل الناس بالإيمان ويتظاهر كل الناس بالتصديق، وعندئذ لا ينفع تغيير المناهج نحو الأفضل في شيء.
أما أخطر أشكال المنهج الخفي، فهو المنهج الخفي العكسي، الذي يتظاهر أصحابه بالصلاح والتمسك الشديد جداً بالطقوس الدينية وبالقيم والمبادئ النبيلة، كالتبرع للأعمال الخيرية، وتصرفهم بالعكس في الخفاء، ثم صدمة الأسرة أو المدرسة أو الجامعة أو الدائرة أو الوزارة أو الحكومة أو المجتمع، باكتشاف ذلك فيما بعد، أي كأن يُكتشف أن أحدهم يتاجر بالمخدرات، أو بالدعارة، أو ان يكون جاسوسا.
نقلا عن "الغد الأردني"

