الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:02 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:16 PM
المغرب 7:41 PM
العشاء 9:10 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

في فلسطين: احتلالٌ اسمه التعليم

الكاتب: عباس مسالمة

عندما قررت أن اكتب، لم أرغب بمراجعة بعض ما كُتب آنفاً بهذا الشأن، بقدر ما فضّلت أن أعصِف ذهني مسترجعاً تجاربَ تعليمية سابقة عشتها واقعاً ملموساً ولربما ما زلت أعيش بعضها يوماً تلو الآخر.

علمونا سابقاً أن "العلم يبني بيوتاً لا عماد لها"، لكنهم لم يخبرونا عن أي علم يتحدثون؟ هرمنا في سنوات عِجاف أمضيناها في التعليم وما زال ذلك البيت قيد الإنشاء. كثيراً ما سمعنا من معظمهم، أنّ المدرسة منبعُ المعرفة التي تنتجُ الثقافة مولدةً القيم التي تنتج السلوك المعتدل والذي يعكس حضارةَ الدولة والشعب، ولكن ما زلنا واقفين حائرين لا نرى معرفة ولا ثقافة ولا قيم ولا سلوك، وهذا هو ما يعنيه المفكرون عندما يقولون "انحطاط أمة".

عندما يقول الإمام الخميني: "إن شاء الله سيأتي يوم ويأتون من خارج إيران من أجل الدراسة"، هو يدرك بأن المنظومة التعليمية التي تتبناها دولته "ايران" هي سر وجودها بين الشعوب، بل هي النور الذي يستخدمه الشعب ليضيء طريقه لأي وجهة يرنوها في هذا الوجود. من جهة أخرى، لا يراودني أدنى شك بأن الامبراطورية الأمريكية بكينونتها منظومة تعليمية، منظومة حاربت نهج الكبت العلمي، وتغلبت على ثقل المعرفة التي يعاني منه الفرد، لتصبح الأولى عالمياً، رائدةً في صناعة المعرفة، حاملةً راية البحث. وهو ذات النهج الذي انتهجته اسرائيل في انتاج بنيتها التحتية لتحافظ على دعائم الدولة قوية متماسكة بدءاً من الفرد المنفتح إلى المؤسسة المتينة ذات المعايير الأولى عالمياً.

مع إيماني المطلق وانتمائي الخالص للعلم والمعرفة، إلا أنني من أشد المعارضين للمنظومة التعليمية التي تتبناها مدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية، اذ فشلت جامعاتنا في تربية الإنسان وصقل الفرد، لأن وجبات التعليم وجرعات المعرفة في مؤسساتنا التعليمية تفسد الطلاب والجيل والمجتمع، لأنها تبث فيهم قيم اجتماعية وأسس نهضوية زائفة قائمة على الوهم لا تشكل في معظمها نقاء الحياة وصفاء الطبيعة وتقدم المجتمع ورقي الحياة كما يعتقد المفكر الشهير جان جاك روسو.   

كراهية المطالعة والقراءة، وثقل المعرفة الذي يعاني منه الفرد العربي عامة والفرد في مجتمعنا الفلسطيني بشكل خاص، هو ليس بسبب الفرد نفسه، فالفرد مادة خامة للمصنع التعليمي، إنما بسبب هالة منظومة التعليم التي تحيط به مقيدةً حريته وهاضمةً حقة في المعرفة، ترى الطالب يدرس اللغة الإنجليزية من الصف الأول، ليتخرج من الجامعة بعد أن بلعت أهم سنوات عمره لا يعرف التحدث باللغة الإنجليزية أو حتى أسس العربية ! أي مصيبة بعد هذه؟ هنا أقف حائراً قاطباً حاجبي متسائلاً عن السبب الذي ينخر عظم التعليم؟

إذا تغلب الجمود على النظام التعليمي، تُصاب الشعوب بمرض الجدب العلمي والشلل الفكري، عندها تدخل الشعوب مرحلة الموت السريري أو بمعنى نهضوي "الانحطاط"، وهذا مع حدث تماماً مع الإمبراطورية العثمانية. فمنظومة لا تكتشف شخصية الطالب ولا توفر بيئة لعقله ولا تؤهله للحياة ولا تضع قدمَه على الدرجة الأولى للانطلاق نحو الابداع، هي منظومة هدم لا بناء، ومنظومة أضاعت العلم ودفنت قيمة المعرفة بين مجتمع يقيمك على ورقة هو يعلم أنها لا تساوي الكثير سوى بروازاً تعلقه على الحائط لتزينه، وأهل يريدون أن يفخروا بأبنائهم بمجرد حصولهم على علامات عالية لا يدركون عواقبها وآثارها الجانبية إنما فقط ليبرهنوا أنهم أحسنوا التربية، هي حقاً منظومة تجهيل لا تعليم. 

نعم، ماذا نقول في مؤسسة تعليمية يختبىء خلف كواليسها فساد مالي، تتصف وكأنها بنك لسلب ونهب الطالب؟ تنزع حب العلم وعشق المعرفة من نفس الفرد، تدمر قيمة الانتماء للكتاب والمطالعة والقراءة، تقيد الطالب بين فكي كماشة الحفظ والتلقين، وتحبسه أسيراً لورقة امتحان يقف على رأسه حارساً مراقباً ليمنعه من الغش، لا أدري ما هذا التناقض؟ علِّمني قيمة الأمانة ولا تحرُسني أن أغش!! لذلك إن سألتني عن آلية تقييم الطالب في تلك المنظومة، أقول لك هو تماماً كذلك التقييم الذي تم عند عقد مسابقة لاختيار أقرب شبيه للمثل الكوميدي الشهير شارلي تشابلن، فكان التقييم المفاجيء أن شارلي شابلن بنفسه دخل المسابقة وحصل فيها على المركز الثالث.

إن من الجرائم التي ترتكبها المنظومة التعليمية في مجتمعنا هي عدم تحقيق الانتماء للعلم والمعرفة والتأقلم معهما وتقمصهما، بل نجحت في تحقيق الانتماء لـِ "اللقب" والمادية والأُبَّهَة الاجتماعية. فمؤسسة تعليمية تلغي دوامها لأمر بسيط حدث في بلدها، لتُفرِح ويفرحُ طلابها بإجازة جاءت على حين غفلة، متناسين أن اليابان أقامت صفوفها ومدارسها على الأنقاض التي دمرتها القنبلة النووية في هيروشيما وناغازاكي، هي دون أدنى شك مؤسسة حَضيضيّة الوَسْم. في بلدنا طلاب المدرسة يخرجون من صفهم فرحين مصفقين ليسوا أدنى فرحة من أسرى خرجوا من سجنٍ هضم أعمارَهم. ومن جهة أخرى لا أريد أن أتطرق للضعف العلمي الذي يعاني منه أبناء تلك المنظومة التدميرية التي تأكل وجودنا.

خلاصة الأمر، أؤكد أن هذا غيض من فيض، وهناك الكثير مما لا نعرفه عن أسرار منظومة فاسدة فتكت بتقدمنا وأعمارنا، أو ربما يدركه مفكرو وباحثو مجتمعنا، ولكني أريدك عزيزي القاريء أن تعلم يقيناً أن التعليم في فلسطين هو بمثابة "احتلال" ليس إلا.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...