ورقة موقف صادرة عن مركز "شمس" : حقوق الشباب الفلسطينيين بين الاحتلال والتهميش:نحو حماية دولية وتمكين اقتصادي ومشاركة سياسية فاعلة
أصدر مركز "شمس" ورقة موقف عن حقوق الشباب الفلسطينيين بين الاحتلال والتهميش:نحو حماية دولية وتمكين اقتصادي ومشاركة سياسية فاعلة
وتناولت هذه الورقة موقف مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس" من أوضاع الشباب والشابات الفلسطينيين بمناسبة اليوم الدولي للشباب لعام 2026، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها رقم (54/120) الصادر عام 1999، باعتبار 12 من آب يوماً دولياً للشباب، تأكيداً على دورهم بوصفهم شركاء أساسيين في التغيير، ولتعزيز الوعي بالتحديات والمشكلات التي تواجههم في مختلف أنحاء العالم.
وتأتي هذه المناسبة في السياق الفلسطيني في ظل واقع بالغ التعقيد، تتداخل فيه انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي مع أزمات داخلية سياسية واقتصادية واجتماعية، بما يضاعف التحديات التي تواجه الشباب ويقيد فرصهم في التعليم والعمل والمشاركة والحياة الكريمة. وتنطلق الورقة من رؤية حقوقية تؤكد أن الشباب الفلسطينيين ليسوا مجرد فئة مستفيدة من السياسات والبرامج العامة، بل هم أصحاب حقوق وشركاء فاعلون في صياغة الحاضر وبناء المستقبل. وعليه، فإن أي مقاربة لا تجمع بين حمايتهم من انتهاكات الاحتلال، وضمان حقوقهم وحرياتهم، وتمكينهم اقتصادياً، وتعزيز مشاركتهم المدنية والسياسية، ستظل مقاربة جزئية وقاصرة عن معالجة واقعهم أو إحداث تغيير حقيقي ومستدام.
وحسب الجهاز المركز للإحصاء الفلسطيني يبلغ عدد الشباب الفلسطيني في الفئة العمرية (18–29 سنة) حوالي 1.2 مليون شاب وشابة، يشكلون نحو 21% من إجمالي السكان في فلسطين، بواقع 22% في الضفة الغربية، و21% في قطاع غزة. وبلغ عددهم في الضفة الغربية 731,764 شاباً وشابة، مقابل نحو 444 ألفاً في قطاع غزة في نهاية العام 2025.وتشير التقديرات السكانية إلى استمرار نمو أعداد الشباب في الضفة الغربية خلال العقود المقبلة، حيث من المتوقع أن يرتفع عددهم من 731,764 شاباً وشابة العام 2025 إلى أكثر من 1,034,209 شباباً وشابات بحلول العام 2050.وتعكس هذه المؤشرات أهمية تبني سياسات وطنية تستثمر في الشباب باعتبارهم القوة المحركة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال توفير بيئة آمنة، وتعزيز فرص التعليم والتدريب، ودعم المبادرات الريادية، وتوسيع فرص المشاركة الاقتصادية والاجتماعية.
ولا تعكس هذه الأرقام أزمة سوق عمل فحسب، بل انهياراً في القدرة على التخطيط والاستقلال وتكوين الأسرة والمشاركة في التنمية.
أولاً: خلفية الورقة وسؤالها الرئيسي
يأتي اليوم الدولي للشباب لعام 2026 تحت شعار "سياقات مختلفة، تطلعات مشتركة"، تأكيداً على اختلاف الظروف الوطنية والمحلية التي تشكل حياة الشباب، مع تشابه تطلعاتهم إلى الكرامة والفرص والعمل اللائق والتعليم الجيد والمشاركة والمستقبل المستدام. وفي فلسطين، لا يمكن قراءة هذه التطلعات بمعزل عن الاحتلال الممتد، والحصار، والاستعمار الاستيطاني، والتهجير القسري، والقيود المفروضة على الحركة والموارد، ولا بمعزل كذلك عن ضعف السياسات الوطنية الموجهة للشباب ومحدودية حضورهم في مواقع اتخاذ القرار.
تتمثل الإشكالية لهذه الورقة في التناقض بين الثقل الديموغرافي والاجتماعي للشباب الفلسطينيين وبين محدودية قدرتهم الفعلية على التمتع بالحقوق والتأثير في السياسات. فهم يشكلون غالبية المجتمع وقوته الأكثر قدرة على التجدد. ومن هذا المنطلق، تطرح الورقة تساؤلاً رئيسياً حول الالتزامات القانونية والسياسية الواجب اتخاذها لضمان انتقال الشباب من موقع التأثر بالقرارات والسياسات العامة إلى موقع الشراكة الفاعلة في صياغتها وتنفيذها ومراقبتها.
ثانياً: واقع الشباب الفلسطينيين
1. تحت الاحتلال: استهداف الحاضر والمستقبل
يرى مركز "شمس" أن الاحتلال الإسرائيلي يشكل العامل البنيوي الأشد تأثيراً في حقوق الشباب الفلسطينيين. فالقتل والإصابة والاعتقال التعسفي والمحاكمات العسكرية وهدم المنازل ومصادرة الأراضي والحواجز وعنف المستوطنين لا تنتهك حقوقاً فردية معزولة، بل تعيد تشكيل مسار حياة جيل كامل، وتحد من وصوله إلى التعليم والعمل والصحة والثقافة والمشاركة العامة. ويؤدي استمرار الإفلات من العقاب إلى تطبيع الانتهاك وإضعاف الثقة بجدوى منظومة الحماية الدولية.
وعلى الرغم من أن فئة الشباب تمثل أحد أهم مقومات التنمية الفلسطينية، فإنها كانت من أكثر الفئات تضرراً جراء العدوان الإسرائيلي المستمر منذ السابع من أكتوبر 2023.وذلك حسب إحصاءات المؤسسات الرسمية الفلسطينية ، ففي قطاع غزة، استشهد أكثر من 73,386 فلسطينياً حتى تاريخ 2026/08/11، وتشير البيانات إلى أن الشباب يشكلون نحو 24% من إجمالي الشهداء، بواقع 26% من الذكور، و22% من الإناث. كما بلغ عدد الشهداء في الضفة الغربية 1,183 شهيداً، منهم 71% دون سن الثلاثين.ولم تقتصر آثار العدوان على الخسائر البشرية، بل امتدت لتشمل النزوح القسري، وفقدان المساكن، وتعطل التعليم، وانخفاض فرص العمل، وارتفاع مستويات الضغوط النفسية والاجتماعية، الأمر الذي جعل الشباب الفلسطيني يواجه تحديات غير مسبوقة تمس حقه في الحياة والكرامة والأمن.
في قطاع غزة، دُمرت أو تعطلت مقومات واسعة من الحياة المدنية، بما فيها المساكن والمؤسسات التعليمية والصحية والمنشآت الاقتصادية. ويواجه الشباب النزوح المتكرر وفقدان مصادر الدخل وانقطاع المسارات التعليمية والمهنية وتراجع الخدمات الأساسية. ولا يجوز اختزال ذلك في خطاب الإغاثة، لأن الاحتياجات الإنسانية ناتجة عن أفعال وسياسات تستدعي الوقف والمساءلة وجبر الضرر، لا إدارة آثارها فقط.
وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس ، تعرقل الاقتحامات والإغلاقات والحواجز والاستيطان وعنف المستوطنين وصول الشباب إلى الجامعات وأماكن العمل ومؤسسات المجتمع. كما يهدد الاعتقال الإداري وتجريم النشاط الطلابي والسياسي والحقوقي السلمي الحق في الحرية والمحاكمة العادلة وحرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات والمشاركة في الشأن العام.
2. الفقر والبطالة والعمل اللائق
يؤكد مركز "شمس" أن البطالة والفقر في فلسطين لا ينفصلان عن القيود التي يفرضها الاحتلال على الأرض والموارد والمعابر والحركة والإنتاج، لكن ذلك لا يعفي المؤسسات الفلسطينية من مسؤولية بناء سياسات عادلة وشفافة للحماية الاجتماعية والتشغيل. وتشير بيانات نهاية عام 2025 إلى وصول البطالة إلى مستويات كارثية، ولا سيما في غزة، بما يضع الشباب والخريجين والشابات أمام انسداد اقتصادي غير مسبوق.
وحسب الإحصاء الفلسطيني ، فقد بلغ معدل البطالة بين الشباب المشاركين في القوى العاملة (15–29 سنة) خلال العام 2025 نحو 85.5% في قطاع غزة، مقابل 37.3% في الضفة الغربية، بما يعكس التأثير الكبير للظروف الاقتصادية والإنسانية على فرص التشغيل، وبخاصة في قطاع غزة.كما سجلت الشابات أعلى معدلات البطالة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث بلغت 46.5% في الضفة الغربية، و94.0% في قطاع غزة، مقارنة بـ 34.8% بين الذكور في الضفة الغربية، و81.3% في قطاع غزة. وتبرز هذه المؤشرات استمرار الفجوة بين الجنسين، حيث تواجه الشابات تحديات أكبر في الوصول إلى فرص العمل.وعلى مستوى المؤهل العلمي، بلغ معدل البطالة بين الشباب الخريجين من التخصصات الأكاديمية 42.5%، مقابل 29.8% بين خريجي التدريب المهني، وهو ما يشير إلى أن خريجي التعليم والتدريب المهني يتمتعون بفرص أفضل نسبياً للاندماج في سوق العمل.كما سجلت الإناث أعلى معدلات البطالة بين خريجي التخصصات الأكاديمية، حيث بلغت 52.7% مقارنة بـ 30.2% بين الذكور، فيما بلغت نسبة البطالة بين خريجات التدريب المهني 35.0%، مقابل 28.9% بين الذكور.
إن البطالة الممتدة ليست فقداناً للدخل وحده، بل مساساً بالكرامة والاستقلال، وتأخير للانتقال إلى حياة مستقرة، ودافع لهجرة الكفاءات، وعامل يوسع التفاوت ويقوض المشاركة المجتمعية. كما أن فرص العمل الهشة أو غير المحمية لا تحقق الحق في العمل اللائق كما تقرره المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومعايير منظمة العمل الدولية.
3. التعليم وبناء القدرات
يعتبر مركز "شمس" التعليم حقاً وتمكيناً وأداة حماية في آن واحد. وقد أدى تدمير المؤسسات التعليمية وتعطيل الدراسة في غزة، إلى جانب الحواجز والاقتحامات والقيود في الضفة الغربية، إلى تقويض استمرارية التعليم. ويتزامن ذلك مع فجوة مزمنة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد، وضعف التدريب العملي والمهني، ومحدودية التمويل للمبادرات والمشروعات الشبابية. وعليه، يجب أن تجمع الاستجابة بين حماية التعليم وإعادة بنائه وتطوير نوعيته وربطه بالاقتصاد المنتج دون إخضاعه لمنطق السوق وحده.
وتشير البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للعام 2025 إلى أنه من بين كل 100 شاب وشابة في الفئة العمرية (18–29 سنة) في الضفة الغربية، هناك 19 شاباً وشابة حاصلون على درجة البكالوريوس فأعلى، مع استمرار تفوق الشابات في التحصيل العلمي، حيث بلغت النسبة 25 شابة من كل 100 شابة، مقارنة بـ 14 شاباً من كل 100 شاب من الذكور.
إلا أن العدوان الإسرائيلي ألقى بظلاله الثقيلة على قطاع التعليم، حيث استشهد، منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى السابع من تموز 2026 من الطلبة الملتحقين في مؤسسات التعليم العالي في فلسطين، 1,422 طالباً وطالبة، بواقع 1,383 طالباً وطالبة في قطاع غزة، و39 طالباً وطالبة في الضفة الغربية. فيما بلغ عدد الجرحى من الطلبة الملتحقين في مؤسسات التعليم العالي في فلسطين 3,350 جريحاً وجريحة بواقع 3,067 جريحاً وجريحة في قطاع غزة، و283 جريحاً وجريحة في الضفة الغربية. كما تم اعتقال ما يزيد على 492 طالباً وطالبة ملتحقين في جامعات الضفة الغربية.
كما وتشير البيانات إلى انخفاض نسبة الشباب (15–29 سنة) غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب في الضفة الغربية من 39.4% العام 2024 إلى 37.1% العام 2025. وعلى الرغم من هذا التحسن، لا تزال الشابات أكثر عرضة للبقاء خارج العمل أو التعليم أو التدريب، حيث بلغت النسبة 44.6% مقارنة بـ 29.9% بين الذكور.كما انخفضت النسبة بين الذكور من 32.6%إلى29.9%، وبين الإناث من 46.5% إلى 44.6% خلال الفترة نفسها.
وبالتالي ما زالت هذه الظاهرة واسعة وتعكس استمرار عجز السياسات القائمة عن دمج الشباب في مسارات التعليم والتدريب والعمل. كما تكشف الفجوة الواضحة بين الذكور والإناث أن الشابات يتحملن العبء الأكبر من الإقصاء الاقتصادي والتعليمي، وأن فرص وصولهن إلى سوق العمل والتدريب ما تزال أكثر محدودية. ويشير استمرار هذه الفجوة إلى أن التدخلات العامة لم تنجح بعد في معالجة العوائق الخاصة التي تواجه الشابات، الأمر الذي يستدعي سياسات عملية وموجهة تضمن انتقال الشباب، ولا سيما الشابات، من حالة الانتظار والتهميش إلى المشاركة الاقتصادية والاجتماعية الفاعلة.
4. الشابات والفئات الأكثر عرضة للإقصاء
يشدد مركز "شمس" على أن آثار الاحتلال والأزمات الاقتصادية والاجتماعية لا تتوزع بالتساوي بين الشباب، بل تتحمل الشابات والفئات المهمشة العبء الأكبر منها. فالشابات يواجهن عوائق مركبة تتداخل فيها انتهاكات الاحتلال وقيود الحركة والوصول مع التمييز الاجتماعي، وضعف الاستقلال الاقتصادي، ومحدودية فرص العمل والتدريب، وانخفاض مستوى التمثيل في مواقع القيادة وصنع القرار. ولا يقتصر هذا الإقصاء على حرمانهن من الفرص الاقتصادية، بل يمتد إلى إضعاف قدرتهن على التعبير عن احتياجاتهن والتأثير في السياسات والقرارات التي تمس حياتهن ومستقبلهن.
كما يواجه الشباب ذوو الإعاقة عقبات إضافية تتعلق بإمكانية الوصول إلى المؤسسات التعليمية وأماكن العمل والخدمات العامة والمعلومات والتكنولوجيا وفضاءات المشاركة المدنية والسياسية. وفي كثير من الأحيان، يجري التعامل معهم باعتبارهم متلقين للرعاية، بدلاً من الاعتراف بهم أصحاب حقوق وشركاء قادرين على الإسهام في الحياة العامة. كذلك يعاني شباب المخيمات والتجمعات البدوية والمناطق الريفية والمهمشة من تفاوت واضح في توافر الخدمات والفرص والبرامج التنموية، إلى جانب محدودية الوصول إلى التعليم النوعي والتدريب المهني وفرص التشغيل والحماية الاجتماعية.
ويؤدي تداخل النوع الاجتماعي أو الإعاقة أو الفقر مع الموقع الجغرافي والوضع الاجتماعي إلى مضاعفة الإقصاء وتعميق اللامساواة، بحيث يصبح بعض الشباب معرضين لأكثر من شكل من أشكال الحرمان في الوقت نفسه. لذلك، فإن اعتماد سياسات عامة محايدة ظاهرياً لا يكفي لتحقيق العدالة، لأنها قد تساوي شكلياً بين فئات تختلف جذرياً في احتياجاتها والعوائق التي تواجهها. ومن هنا، يطالب مركز "شمس" باعتماد تدابير إيجابية وبرامج موجهة وموازنات حساسة للنوع الاجتماعي والإعاقة والموقع الجغرافي، مع وضع مؤشرات واضحة لقياس مدى وصول الفئات المهمشة إلى الخدمات والفرص.
كما يؤكد المركز ضرورة إشراك الشابات والشباب ذوي الإعاقة وشباب المخيمات والتجمعات المهمشة بصورة مباشرة وفاعلة في تصميم السياسات والبرامج وتنفيذها ومتابعتها وتقييم أثرها. فالإدماج الحقيقي لا يتحقق بمجرد التمثيل الشكلي أو الدعوة إلى المشاركة، بل بضمان المساواة الفعلية في الوصول والتمثيل والتأثير والانتفاع العادل من الموارد والفرص، وإزالة الحواجز القانونية والمؤسسية والاجتماعية التي تحول دون ممارسة الشباب حقوقهم كاملة.
ثالثاً: المشاركة السياسية والانتخابات التشريعية
يؤكد مركز "شمس" أن مشاركة الشباب والشابات في الانتخابات التشريعية القادمة، ترشحاً واقتراعاً، هي حق دستوري وأحد المداخل الضرورية لتجديد النظام السياسي، وتعزيز شرعية المؤسسات، وإعادة الاعتبار لمبادئ الرقابة والمساءلة والتداول الديمقراطي. كما تمثل الانتخابات فرصة حقيقية لتمكين جيل واسع من الشباب من الانتقال من موقع المتلقي للقرارات إلى موقع الشريك في صياغتها ومراقبة تنفيذها.
ولا ينبغي اختزال مشاركة الشباب في الإدلاء بأصواتهم يوم الاقتراع، أو التعامل معهم بوصفهم مجرد كتلة انتخابية تستهدفها الحملات والشعارات. فالمشاركة السياسية الحقيقية يجب أن تشمل الترشح، وصياغة البرامج الانتخابية، والمشاركة في النقاش العام والمناظرات، والرقابة المدنية على العملية الانتخابية، إلى جانب الانخراط الفاعل في الأحزاب والنقابات والمجالس الطلابية والمؤسسات المجتمعية. كما يجب توفير مساحات آمنة تتيح للشباب التعبير عن مواقفهم السياسية بحرية، بعيداً عن التخويف أو الوصم أو الملاحقة بسبب الرأي أو الانتماء.
ويرفض مركز "شمس" توظيف الشباب والشابات كقوة انتخابية ، دون منحهم مواقع حقيقية ومتقدمة داخل القوائم الانتخابية وهياكل الأحزاب ودوائر صنع القرار. ويطالب الأحزاب والقوائم باعتماد إجراءات معلنة وقابلة للقياس تضمن تمثيلاً فاعلاً للشباب والشابات، وتمنع وضعهم في مواقع رمزية أو غير قابلة للفوز. كما يدعو إلى إتاحة التنافس الداخلي الديمقراطي، وتوفير الدعم المالي والتدريبي والإعلامي العادل للمرشحين الشباب، بما يمكّنهم من خوض الانتخابات على أساس الكفاءة والبرامج، لا على أساس النفوذ المالي أو العائلي أو التنظيمي.
كما يتعين إزالة العوائق القانونية والاقتصادية لتي تحد من قدرة الشباب على الترشح والمشاركة، وضمان عدم تحول شروط الترشح أو تكاليف الحملات أو ضعف الموارد إلى أدوات لإقصائهم. ويجب كذلك ضمان حرية النشاط السياسي والدعاية الانتخابية والتجمع السلمي والوصول إلى وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، ومنع جميع أشكال الترهيب والضغط والتمييز على أساس الرأي السياسي. وينبغي اتخاذ تدابير خاصة تضمن وصول الشابات والشباب ذوي الإعاقة والفئات المهمشة إلى العملية الانتخابية على قدم المساواة.
ويؤكد المركز أن الانتخابات ليست غاية منفصلة أو حدثاً مؤقتاً، بل جزء من مسار أوسع لإعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات العامة، وتجديد الحياة السياسية، وإتاحة المشاركة الشعبية في إدارة الشأن العام. ويتطلب ذلك انتظام الانتخابات وعدم تعطيلها، واحترام نتائجها، وصون استقلال لجنة الانتخابات المركزية، وضمان النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص بين القوائم والمرشحين، وتمكين مؤسسات المجتمع المدني من الرقابة المستقلة وتنفيذ برامج التوعية والتثقيف الانتخابي.
رابعاً: الإطار القانوني الناظم
تستند هذه الورقة إلى تكامل القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وتلزم اتفاقية جنيف الرابعة قوة الاحتلال بحماية السكان المدنيين وتحظر العقاب الجماعي والنقل القسري والمساس غير المشروع بالأشخاص والممتلكات. ويكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في الحياة والحرية والأمان والمحاكمة العادلة وحرية الرأي والتعبير والتجمع وتكوين الجمعيات والمشاركة في إدارة الشؤون العامة والانتخابات الدورية النزيهة. كما يكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حقوق العمل والتعليم والصحة والمستوى المعيشي الملائم.
كما توفر اتفاقية حقوق الطفل حماية خاصة للشباب الذين تقل أعمارهم عن ثمانية عشر عاماً، وتؤكد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وجوب إزالة العوائق أمام المشاركة المتكافئة للشابات. وتلتزم دولة فلسطين، بصفتها طرفاً في هذه الاتفاقيات، باحترام الحقوق وحمايتها وإعمالها، واتخاذ تدابير تشريعية وإدارية ومالية فعالة، وعدم استخدام الاحتلال ذريعة لتعطيل الالتزامات التي يمكن الوفاء بها ضمن نطاق الولاية والقدرة المتاحة.
خامساً: مرتكزات الحماية والتمكين والمشاركة الشبابية
• لا يمكن تحقيق تنمية شبابية مستدامة في ظل الاحتلال والحصار والاستيطان والإفلات من العقاب، وإن إنهاء الاحتلال وتمكين تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير يشكلان أساساً لا غنى عنه لحماية حقوق الشباب.
• الشباب أصحاب حقوق وشركاء في صنع السياسات، وليسوا فئة موسمية تُستدعى في المناسبات أو أداة لتجميل المؤسسات والبرامج.
• مشاركة الشباب والشابات في الانتخابات ترشيحاً وانتخاباً، وفي الأحزاب والنقابات والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني، ضرورة ديمقراطية ووطنية وليست منحة.
• التمكين الاقتصادي لا يتحقق ببرامج قصيرة ومؤقتة وحدها، بل بسياسات إنتاج وتشغيل وحماية اجتماعية وتمويل عادل ومساءلة عن التمييز والمحسوبية.
• ينبغي إعطاء الأولوية لشباب غزة في الحماية والتعافي وإعادة الإعمار، مع مشاركتهم الفعلية في تحديد الاحتياجات وتصميم التدخلات ومراقبتها.
• يجب اعتماد مقاربة تقاطعّية تضمن وصول الشابات والشباب ذوي الإعاقة وسكان المخيمات والتجمعات البدوية والمناطق المهمشة إلى الحقوق والفرص ومواقع القرار.
سادساً: التوصيات
1. إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة
• التحرك الفوري والفعال لوقف الانتهاكات بحق المدنيين في غزة والضفة الغربية، وضمان الحماية والمساعدات دون عوائق وإنهاء الحصار والتهجير القسري والعقاب الجماعي والاستيطان وعنف المستوطنين.
• تفعيل آليات المساءلة والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وآليات الأمم المتحدة، وعدم توفير السلاح أو الدعم الذي قد يسهم في ارتكاب انتهاكات جسيمة.
• تمويل برامج شبابية طويلة الأجل قائمة على الحقوق والملكية المحلية، وربط الإغاثة بالتعافي والتعليم والعمل وإعادة بناء المؤسسات العامة والاقتصادية.
2. إلى الحكومة الفلسطينية
• اعتماد سياسة وطنية متكاملة للشباب تتضمن أهدافاً ومؤشرات وموازنة معلنة، تتضمن التشغيل والحماية الاجتماعية والتعليم والصحة والمشاركة السياسية.
• إنشاء آلية وطنية دائمة ومستقلة لمشاركة الشباب في مراجعة التشريعات والسياسات والموازنات، مع تمثيل جغرافي واجتماعي متوازن.
• ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص في التوظيف والتمويل العام، ومواجهة الواسطة والمحسوبية والتمييز، وتوسيع التدريب المهني والتقني وبرامج التشغيل اللائق.
3. إلى الأحزاب
• وضع الشباب والشابات في مواقع متقدمة وقابلة للفوز داخل القوائم، وتجاوز التمثيل الرمزي أو الشكلي.
• إعلان معايير ديمقراطية وشفافة لاختيار المرشحين، وتوفير الموارد والتدريب والدعم المتكافئ للمرشحين الشباب.
• إشراك الشباب في صياغة البرامج الانتخابية، ولا سيما السياسات المتعلقة بالعمل والتعليم والحريات العامة والعدالة الاجتماعية.
4. إلى القطاع الخاص والجامعات والمجتمع المدني
• توفير برامج تدريب مدفوعة وفرص عمل لائقة، ودعم المشروعات الصغيرة والتعاونية والابتكار والاقتصاد الأخضر والرقمي.
• تعزيز التربية المدنية والتثقيف الانتخابي المستقل، وتوفير منصات آمنة للحوار والمبادرة والمساءلة الشبابية.
• إدماج الشباب في مجالس الإدارة والهيئات الاستشارية وتصميم البرامج وتقييمها، ونشر بيانات دورية مصنفة حسب الجنس والعمر والإعاقة والموقع.
الخاتمة
تكشف هذه الورقة أن قضية الشباب الفلسطيني لا يمكن مقاربتها بوصفها ملفاً قطاعياً منفصلاً عن بنية النظامين السياسي والقانوني والواقع الاستعماري القائم.فالتحديات التي تواجههم تعكس اختلالاً عميقاً في العلاقة بين الحق والقدرة الفعلية على ممارسته، وبين الوزن الديموغرافي والتمثيل المؤسسي.ومن منظور حقوقي، تقتضي معالجة هذا الاختلال الانتقال من التدخلات المؤقتة إلى نهج قائم على الحقوق والالتزامات القانونية والمساءلة.كما تستوجب السياسات العامة الاعتراف بالشباب أصحابَ حقوق وفاعلين مستقلين، لا مجرد فئة عمرية متلقية للخدمات أو موضوعاً للخطاب التنموي.ويُعد إدماج منظور العدالة بين الأجيال شرطاً لضمان توزيع منصف للموارد والفرص والأعباء، وحماية مصالح الأجيال الحالية والمقبلة.
كذلك، ينبغي إخضاع البرامج الموجهة للشباب لمؤشرات قابلة للقياس، تقيس الأثر الفعلي في حياتهم، لا عدد الأنشطة أو المستفيدين منها فقط.وتتطلب فاعلية هذه السياسات إنتاج بيانات دورية مصنفة تتيح كشف أنماط التفاوت والتمييز وتوجيه الموارد وفقاً للاحتياجات الحقيقية.
كما يرتبط استقرار المجتمع الفلسطيني بقدرته على صون استقلالية الشباب الفكرية والسياسية وإتاحة المجال أمامهم للنقد والمبادرة والتنظيم.
إن ضمان حقوق الشباب يمثل اختباراً لمدى التزام المؤسسات بمبادئ سيادة القانون والمساواة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.وعليه، فإن مستقبل القضية الفلسطينية يتوقف بدرجة جوهرية على تحويل طاقات الشباب من قوة معطلة بفعل الإقصاء إلى فاعلية حقوقية ووطنية مؤثرة.



