المعتدون على الأمن الغذائي!
الكاتب: مهند عبد الحميد
كان لون لحم الدجاج أقرب إلى الزرقة، وبدا طرياً على غير المعتاد، لكن الرائحة دفعتني لإحالته فوراً إلى الحاوية غير مأسوف على خسارته.
الدجاج الفاسد أعادني إلى حكايتي مع الجوز الخربان الذي اشتريته 3 مرات في فترات زمنية متعاقبة، مع أن العلبة الأخيرة التي اشتريتها غير منتهية الصلاحية بحسب ما هو مكتوب عليها. والشيء بالشيء يذكر، كان أصدقاؤنا يقدمون لنا مكسرات الضيافة بطعم الخراب وفي الأغلب منتهية الصلاحية. أكلوا وأكلنا معهم على استحياء ولم نصارحهم باكتشافنا المزعج، وغادروا البلد قبل أن نفعل ذلك، للأسف الشديد.
غير أن البداية المفاجئة كانت عند اكتشافي انتهاء تاريخ الصلاحية على علبة تونة، فسارعت إلى إعادتها إلى صاحب الدكان مبيناً له تاريخ انتهاء الصلاحية، قال لي: أول مرة أسمع فيها عن وجود تاريخ نهاية الاستهلاك!
في الأسبوع الأول من شهر رمضان الفضيل، صادرت الضابطة الجمركية ما يزيد عن 15 طن دجاج فاسد داخل مسلخ في مدينة طولكرم. وضبطت 600 كيلو غرام دجاج فاسد في مدينة نابلس. كما اكتشفت الضابطة الجمركية 10 أطنان من التمر الفاسد في مستودع داخل بلدة حزما شرق القدس. وفي الفترة ذاتها جرى ضبط 586 شتلة ماراجوانا في نابلس. هذه الأفعال المشينة غير منقطعة الصلة عن أفعال سابقة ربما أشد وربما أقل - حسب الموسم - ويبدو أن شهر رمضان المعروف بأنه الأكثر استهلاكاً من بين شهور السنة، هو الموسم الملائم لترويج السلع الفاسدة واقتناص الأرباح.
معرفة تاريخ الحالة ضروري لمعرفة مستوى الوباء ولمعرفة أشكال العلاج التي لم تنجح في الشفاء منه وحسب، بل وساهمت في انتشاره. سأكتفي بذكر عناوين ما زالت ذكراها حاضرة كوصمة بشعة.
أطنان الطحين الفاسد في الضفة والقطاع، أطنان التمور الفاسدة، أطنان الشوكولاتة والسكاكر، الأدوية الفاسدة، السمك الفاسد، عبوات مرق الدجاج الفاسدة، لحوم مجمدة فاسدة، معلبات منتهية الصلاحية، المخابز التي أضافت مادة «الشفارو» المحرمة دوليا للخبز.
كميات كبيرة من المخدرات كالحشيش والماراجوانا والكوكايين والقنب الهندي وحبوب الأكستازي. وإذا تم إتلاف 2029 طناً من المواد الغذائية في العام 2013 وحده، فهذا الرقم وحده يشي بوجود تهديد خطير للأمن الغذائي، فما قولنا إذا افترضنا وجود مواد فاسدة لم تكتشف وجرى استيعابها من قبل المستهلكين، بلا شك سيكون تهديد الأمن الغذائي أشد وأخطر.
ما يمكن قوله، إن ظاهرة الاتجار بالمواد الفاسدة موجودة ومتنامية ومنتشرة، ويتشارك أصحابها مع المستوطنين والمستوطنات الذين يشكلون مصدراً للسلع المنتهية صلاحيتها أو التي شارفت على الانتهاء.
وأبطال الظاهرة الذين يعتدون على الأمن الغذائي للمواطنين، يغفلون حقيقة أنهم يساهمون في إضعاف مناعة وصمود المجتمع في مواجهة الاحتلال والاستيطان. ولا يتوقفون عند هذا الدور الخطير لطالما أن الربح وزيادة الأرباح هو ديدنهم.
المكتشفات الفاسدة الأخيرة أطاحت بثقة المواطن في مأكولات أخرى، وأوجدت حالة من الشك في العروض الموجودة في السوق الفلسطيني، لكنها طرحت أسئلة قديمة جديدة أهمها. ما هي السلع والمأكولات الفاسدة التي لم تكتشف بعد وموجوده في الأسواق ووجدت طريقها إلى بيوت المواطنين؟ كم هو حجم الأذي الذي لحق بصحة المواطنين؟ أنا شخصيا يستوقفني الخس ذو الحجم الكبير والنعنع المتضخم. هل ارتوى هذا النوع من الخضار بمياه عادية أم ملوثة؟ وما هي نسبة الأسمدة الكيماوية التي استخدمت لتكبيرها على هذا النحو؟ هل تتعرض الخضروات لفحوصات دورية؟ وما هي نتائج الفحوصات؟ وهل يلتزم المزارع بالمعايير المسموح بها غير الضارة؟
أسئلة كثيرة لا حصر لها نابعة من الافتقاد إلى الأمن الغذائي، ذلك الذي يتعرض لاستباحة، مترافقة مع استباحة الأمن الشخصي والجمعي والأمن الاقتصادي والأمن السياسي. وإذا كان بوسع المواطن معرفة المعتدين على كل أنواع الأمن الأخرى، يعرفهم معرفة صريحة إلى حد الملل، فما زال لا يعرف المعتدين الأشاوس على الأمن الغذائي من أبناء جلدتنا. فقط نعرف كل يوم تقريبا اعتداءاتهم وتهديداتهم وأساليبهم وأرباحهم ولا نعرفهم شخصياً بالصورة والاسم والعنوان. ولا شك، أن التحفظ على أسمائهم وعلى محاكماتهم وعقوباتهم والتسويات التي تبرم معهم غير مفهوم. وغير معروفة «الحكمة» من وراء ذلك؟
هل أدى إخفاء الأسماء والمحاكمات والعقوبات والتسويات إلى الحد من الظاهرة؟ لا يوجد دليل على تراجع الظاهرة. بل توجد أدلة على التمادي في تهديد الأمن الغذائي، فيكفي دخول المجتمع في حالة من الارتياب والشك.
إن مستوى دفاع السلطة عن المجتمع ومستوى تصديها للذين يعتدون على الأمن الغذائي ويهددون مناعته في مواجهة الأخطار، لم يكن بالمستوى المطلوب. وذلك يعود إلى تعدد المرجعية القانونية لمصلحة قانون العقوبات الأردني القديم جدا والذي ينص على عقوبات مخففة وغير كافية لردع المعتدين على الأمن الغذائي.
إن عدم الأخذ بقانوني حماية المستهلك والصحة العامة المستحدثين والملائمين لمحاسبة المتهمين بالاتجار بالمواد الفاسدة بأحكام جدية رادعة، غير مبرر ويتناقض مع القانون الأساسي، ويشكل أحد الأسباب المسؤولة عن استمرار الظاهرة وتفاقمها، كما أن عدم تحويل الاعتداءات على الأمن الغذائي إلى قضية رأي عام، من خلال الكشف عن الأسماء والتهم الموجهة اليهم والأحكام التي تصدر بحقهم بشفافية ، كل ذلك يساهم في مواصلة الاعتداءات. صحيح أن الإعلان عن الأسماء يضعف هذه الفئة من المتلاعبين بالأمن الغذائي، ويقوي المجتمع ويدعم مناعته وقوته في مواجهة التحديات.
وإذا كنا بين مفاضلة إضعاف التجار المعتدين وبين إضعاف المجتمع َفلِم لا يتم الانحياز للمجتمع ومعاقبة وإضعاف وردع المعتدين على أمنه الغذائي؟
لا بد من تغيير السياسات التي ثبت أنها لم تساعد في ردع المعتدين، واعتماد سياسة بديلة، تبدأ باعتماد قانوني الصحة العامة وحماية المستهلك كمرجعية وحيدة في التعامل مع الظاهرة الخطرة. وإنشاء هيئة مستقلة للأمن الغذائي والدوائي، ينبثق عنها هيئة رقابة مستقلة. وتحويل قضايا الاتجار بالمواد الفاسدة إلى قضية رأي عام.
نقلا عن "الأيام" الفلسطينية

