الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:04 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:16 PM
المغرب 7:39 PM
العشاء 9:07 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

أحمد دحبور... سلامات

الكاتب: معن البياري

ضجّ قلقٌ كثيرٌ بين أهل الكتابة والثقافة، في فلسطين وغير بلد عربي، ما أنْ شاع نبأ رقدة الشاعر الفلسطيني، أحمد دحبور (70 عاماً)، على سرير الشفاء في مستشفىً في رام الله. وتقاطَر إلى زيارته، للاطمئنان عليه، كثيرون من أدباء فلسطين وكتّابها ومبدعيها، ودارت اتصالاتٌ هاتفيةٌ معهم من الخارج، لسماع أخبار طيبةٍ عن صحّته. ومبعث الغبطة في هذا كله، ليس فقط لأن الدنيا ما زالت بخير، بل أيضاً لأن أحمد دحبور قيمةٌ خاصّةٌ في المدوّنة الشعرية والفاعلية الثقافية الفلسطينيتين. ولأن المحبّة عنوانٌ أوّل في كتابة الأدب وإنتاج الإبداع، أو هكذا يجدر أن تكون، فإذا المشتغلون في المعرفة والثقافة والفنون لا يحرصون على رشقِ أحمد دحبور بأُضمومةٍ من مشاعر المحبّة له، في نازلة مرضِه، العابرة إنْ شاء الله، فإنهم لن يستحقّوا صفتهم مبدعين وأدباءَ وشعراء. وفيما الحال الفلسطيني على ما نعرفُ من خراب، فإن العبء ثقيلٌ على ناس الكتابة والثقافة الفلسطينيين، في وجوب حمايتهم قيمة الوفاء تجاه من أنفقوا عمرهم في التعبير عن فلسطين، وطناً ووجداناً، من قماشة أحمد دحبور.

جاء النبأ متبوعاً بخبر نيّة وزارة الثقافة الفلسطينية إصدار كتابٍ يضم مقالاتٍ مختارةً من أُسبوعيات شاعرنا في "الحياة الجديدة". وهذا مصدر سرورٍ مضاعف، ذلك أن مقالة أحمد دحبور، كما يعرفها صاحب هذه الكلمات منذ سنوات بعيدة، تتوفر على عتادٍ غزيرٍ من المعرفة، في الآداب والفنون والثقافة الشعبية. ولا غلوّ في التأكيد، هنا، أن دحبور من أكثر شعراء فلسطين درايةً بالقديم والجديد في هذا كله وغيره، كما أنه في حافظِته في الشعر (وغيره ربما) يتقدّمهم جميعاً، فذاكرتُه مدهشة وشديدة الاستثنائية، أما أناقة جُملته، ولطافة لغته، فأمران ظاهران. وهنا مناسبةٌ لمطالبة أحمد دحبور نفسه بأن يجمع قديم مقالاته طوال عقود، وينشر مختاراتٍ كثيرةً منها، إذ سيتعرّف فيها جيلٌ من القرّاء على واحدةٍ أخرى من كفاءاتِه، كاتبَ مقالةٍ رائقةٍ وناقداً عتيداً. ويضم أرشيف دحبور، أيضاً، كتابتَه مسلسلاً تلفزيونياً عن عز الدين القسام، ولا يُنسى أنه صاحب أغنياتٍ باقيةٍ في مسار الأغنية الوطنية الفلسطينية، سمعناها، وما زلنا، بأداءِ فرقة العاشقين التي كان أحد مؤسّسيها في سورية، مع صديقه حسين نازك. وفي الشعر، ثمّة تجريبُه اللافت في القصيدة المغامرة في استخدام بحور الشعر بكيفيّاتٍ مركّبة، خصوصاً منذ مجموعته "واحد وعشرون بحراً" (1980). ولا مجازفة في التخمين، هنا، أن دحبور هو الشاعر الفلسطيني الوحيد، في جيله، ربما، الذي ينشر شعره نظيفاً تماماً من أي كسورٍ إيقاعية، والذي يبدو حنبلياً في وفائه للوزن، من دون موقفٍ رافضٍ لقصيدة النثر التي كَتب قليلاً نادراً منها.

على ما في تجربته الشعريّة من تنوّع، وتطوّر مضطرد، منذ "حكاية الولد الفلسطيني" (مجموعته الثانية، 1971)، وعلى ثراء استخدامه الموروثات، المسيحية والشعبية الحكائية وغيرها، إلا أن هذه التجربة، في مستوياتها الفنية خصوصاً، لم تحظ بالدرس النقدي اللازم. وإنْ كثيراً ما جيء عليها، في استعراض الهم الفلسطيني، بتفاصيله الوفيرة، لدى شعراء جيله (محمد القيسي، عز الدين المناصرة، خالد أبو خالد، مريد البرغوثي، فواز عيد، مثلاً). وحسناً أن مؤسساتٍ فلسطينية، رسمية وأهلية، التفتت، أخيراً، إلى تقدير هذه التجربة وصاحبها، لكن ذلك يجدُر أن يظلّ معطوفاً بواجب التنويه الدائم بالانتساب إلى فلسطين، ذاكرةً وأفقاً إنسانياً، الذي ظلَّ أحمد دحبور مقيماً عليه، وقد تهجّى فلسطين في طفولته ويفاعته في مخيمٍ للاجئين منها في حمص، وبقيت حيفا في جوانحه أينما ارتحل وأقام، وهي ليست مدينة وإنما الجنة، على ما يقول، ومن لا يصدّق، فليسأل أم أحمد دحبور، على ما قالَ وكتب مرّات.

تعصى سيرة (أبو يسار) على عدّ محطاتها، منذ نكبه الهجرة، مروراً بحمص وتونس وغزة، ثم عودة طفيفة إلى سورية، تلتها أوبةٌ إلى رام الله. وفي هذه العقود، كانت فلسطين في القصيدة والأغنية والمقالة. واحتفالاً بموفور الصحة لشاعرنا، نرمي له، من هنا، أضمومةً من ورد المحبّة، تصل إليه وهو معافىً مشافى، أطال الله عمره. 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...