الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:04 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:16 PM
المغرب 7:39 PM
العشاء 9:07 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

نفسي ألمس البحر

الكاتب: زياد خداش

على جبل عالٍ جداً وجدنا أنفسنا قريبين جداً من الغيوم، ستة مدرسين وسبعون طالباً متفوقاً من مدرستنا. كان من المقرر أن تكون الرحلة إلى أريحا، لكن السائق المقدسي بحافلته التي تحمل لوحة صفراء صرخ في وجوهنا محبة: سآخذكم إلى البحر. إلى عين جدي، فتجمّد الدم في عروقي ذهولاً من الفكرة، هل يتجمد الدم في العروق ذهولاً؟؟ نعم، فأن أزورَ عين جدي التي تحتفظ لي في أغصان أشجارها وسعف نخيلها وبوصها بأكثر من شهقة أو رقصة أو عتاب أو غضب أو فرح أو صدمة لأكثر من امرأة، فهذا أمر مذهل ولا أعرف كيف سأتصرف تجاهه، هل أحزن أم أفرح أم أحزن وأفرح معاً؟ هل أخاف؟ هل أبكي؟

 

«أستاز، اطلع هناك في إشي أزرق اكبير واسع». قطع تلميذ يجلس بجانبي حبل أفكاري بصرخته التي هزت فضائي. نظرت حيث يشير فإذا بالوحش الحبيب يجلس بحنكته الوجودية الزرقاء كعادته صابراً وملوّحاً بحب لكل ناظر. «أستاز، نفسي ألمس البحر، عمري ما لمسته في حياتي»، «أستاز، انت بتعرف تسبح؟ أنا بخاف». «أستاز، يلا ننزل على البحر إحنا وين رايحين؟» «أستاز، البحر شكله ما بخلص يا الله ما أطوله». «أستاز سيدي حكالي إنه كان زمان يسبح في بحر يافا، وستي كانت اتخاف واضلّها قاعدة على الشط، وين يافا أستاز؟ يلا انروح عليها». كانوا يصرخون حولي بينما كنت أنا أتذكر، فقط أتذكر.

قبل النزول للبحر، اقترح أحد المعلمين أن نصعد إلى جبل قريب يدعى محمية عين جدي، صعدنا مشياً، سمعت أصواتاً هامسة: «أستاز، احنا جايين نمشي؟! يا الله، نفسي ألمس البحر خلينا انروح نلمسه». ساعات من الصعود المتقطع، طلاب المدارس اليهود يمرون عنا أو نمر عنهم، نظرات خائفة وتشكيك ومخيلات مزروعة بالقنابل والموت، نواصل الصعود ونحن المدرسين نجر أجسادنا القديمة لاهثين خلف التلاميذ الخفيفين، وأخيراً نصل إلى قمة الجبل بعد أن سبقنا التلاميذ ركضاً إلى هناك، غير مدركين ما ينتظرنا من مفاجآت، وفجأة أدركنا متأخرين أننا وقعنا في مصيدة جبل عال بلا إمكانية للعودة منه إلى البحر إلا عبر طريق الصعود نفسها، وطريق الصعود مخيفة، فقد تنزلق أجساد التلاميذ والمدرسين وتهوي إلى قاع الوادي، جلسنا على القمة الواسعة والطيور الغريبة تحلّق خلفنا، كان المدير مرتعباً أما التلاميذ فكانوا يضحكون فرحين، المدرسون كانوا مشغولين بالتقاط أنفاسهم، ولم يقرروا بعد الهلع أو الذهول.

«أستاز، يلا نرقص رقصة الخوف من الجبل». نهر المدير الطالب المجنون: «إحنا في إيش وإنت في إيش». وأمام ذهول المدير والمدرسين أشرت لأصدقائي في نادي أصدقاء الجسد للاستعداد، أشعلت الموسيقى من هاتفي الخلوي. انتحينا جانباً ورحنا نرقص خوفنا وحنيننا إلى الوادي، إلى البحر، إلى البيوت. المدير ضحك. الطلاب الآخرون كانوا يصفقون. المدرسون كانوا محتارين.

«أستاز، يلا ننزل على البحر، نفسي ألمسه، يلا مشان الله».

 

نقلا عن صحفية "الأيام" الفلسطينية
 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...