من يصلح حالنا ؟ أين سقراط فلسطين ؟!
الكاتب: د.دلال عريقات
هذا المقال هو الأخير في هذا الشهر الفضيل من هذه السنة، شهدنا في رمضان أحداث ظننت بداية أنها لا تمت للخير بصلة؛ فقدت رصدت بعضا من المشاهدات السلبية ابتداء من السائقين ممن يصرخون ويشتمون ويسلكون طرقا مغلقة باتجاه واحد مسببين أزمات خانقة وحوادث ذهب ضحيتها العشرات. ومن مر من منطقة قلنديا ولو مرة واحدة خلال هذا الشهر يفهم ما أعنيه.
ثاني مشاهداتي خلال الشهر هي الزكاة وعمل الخير! فقد شهد الشهر أعمال خير لا ندري بها ولكن السؤال الذي حيرني إذا كانت الأعمال الصالحة تخرج من القلوب فلماذا ننشرها ونتغنى بها، أوَليست الزكاة وعمل الخير واجب على كل إنسان بينه وبين خالقه؟ لماذا أصبحنا نرى دعايات شكر وتقدير لفاعل الخير؟ كيف وصلنا لهذه المرحلة من القشور ومن التباهي بشيء بديهي اجباري على الجميع؟
وما زال في قلبي غصة على المسجد الأقصى فقد كان للصلاة بالقدس نصيب من هذه المشاهدات فترى مجموعة من السيدات اللواتي سمحن لأنفسهن بالصراخ والتنظير لدعوة المصليات للوقوف في صف واحد أو لمنعهن من التواجد بزاوية معينة من قبة الصخرة مع العلم أن هناك متطوعات لحفظ النظام! عداك عن النظافة والرائحة والترتيب الذي لا يليق ببيت الله وهذا كله بفعل المصلين اللذين يتوافدون لان ثواب الصلاة بالمساجد بأضعاف أمثالها!
كل هذه اللقطات من رمضان غابت عن ذهني عند سماع خبر التفجيرات في مطار اتاتورك في إسطانبول مودية بحياة ٤٤ شخص. أستهجن الجميع هذا العمل الإرهابي البعيد كل البعد عن الإنسانية وبدأ الكتاب يحللون دور الأكراد أو اتفاقية تركيا مع اسرائيل في هذا الحادث ورجح كثيرون أن تكون داعش وراء هذه المأساة!
تفجيرات تركيا أثارت اشمئزازي و هزت مشاعري وحركت أفكاري إلى أن قرأت في اليوم التالي خبر يعبد في جنين وبعده بساعات نابلس ! لم تتحرك مشاعري فحسب ولكن وددت لو أتبرأ من هوية هؤلاء! فأهل فلسطين هم أهلي ولا يمكن أن نكون قد وصلنا لهذه الدرجة من الجهل والقسوة والحقد والكراهية والفلتان وقلة الأخلاق.
كل المشاهدات الرمضانية السالفة الذِّكْر بدت سخيفة في مساء الاربعاء اليوم ٢٤ من رمضان!
الصوم والتعب ليس مبررا لهذه السلوكيات الخارجة عن الانسانية والاخلاق ! ما حدث من قتل مواطن لجاره المواطن بغض النظر عن الدوافع دعاني للتساؤل اذا كنّا في شهر رمضان شهر العبادة والإيمان والخشوع والحسنات ولم يردعنا ذلك عن الشر فما الكفيل بردع المواطن عن فعل الشر ؟
للأسف أيضا هذا ليس من فعل الاحتلال، الشماعة التي نعلق عليها مصائبنا. هذه الجرائم الاجتماعية تمثل مرحلة خطيرة لنا كفلسطينين ونحن في أمس حاجتنا للتآخي والتعاضد المجتمعي في مواجهة احتلال مؤلم.
ببساطة أود التذكير أنه من أمن العقاب، ساء الأدب !
فهل من المعقول أن يخرج المواطن الكندي أو السويسري أو الدنماركي من رحم أمه مزودا بأساسيات الأخلاق منزّها عن الخطأ ؟ أم أن صرامة القانون المنبثق من حقوق الانسان هي الأساس والطريق للعدالة والاستقرار والعيش بكرامة.
استذكر هنا فلاسفة علم الأخلاق من اليونانيين ابتداء من سقراط الى أفلاطون إلى أرسطو، لقد اختلف الفلاسفة بنظرتهم للمذهب الأخلاقي سواء أكان عقلانيا مبني على المنطق والفكر أو وجدانيا مبني على المشاعر والفطرة ؟ بغض النظر عن هذه الخلافات، يمكننا أيضا أن نختلف على حقيقة أن الانسان كما عرفه بعض فلاسفة الإغريق هو حيوان عقلاني: فالإنسان يشارك الحيوان برغبات الجسد وحاجات الغريزة ويسعى دوما للبحث عن مأكل ومأوى ورفيق وعائلة لكي تستمر الحياة. ولكن ما نتفق عليه جميعا هو أن الانسان متميز عن الحيوان بخاصية التأمل العقلي فباستطاعة الانسان أن يتجرد من شهواته ليفكر ويتأمل ويضبط نفسه ويتحكم بسلوكياته فالإنسان هو الكائن الأخلاقي العقلاني الوحيد.
ما تحتاجه فلسطين الان هو حكم وسيادة للقانون. العائلة والعشيرة "على راسي" ولكن أثبتت التجارب أن القانون هو ما يردع المواطن والمطلوب تطبيق القانون كما هو بغض النظر عن هوية المتورط أو انتماءه الحزبي أو العقيدي أو الجغرافي أو العائلي!
علمتنا كتب تربية الأطفال إعطاء "Time Out" كعقاب لأطفالنا إذا أساءوا التصرف فما بالكم بالقتلة وسارقي النفوس والروح البشرية؟
فالقانون هو سيد الموقف الان، وسقراط اليوم إذن موجود عند النيابة والقضاء وَنَحْن كلنا ثقة بأصحاب العقول من رجالات الدولة و الأمن للقيام بتنفيذ القانون لكي يعتبر الجميع وتنتشر الفضيلة.

