على هامش مصطلح "الدعشنة" الذي أزعج البعض
الكاتب: ادهم مناصرة
على سبيل مواصلتي الحديث عن "الدعشنة العائلية" التي باتت تغزو مناطقنا من اقصى جنوبها الى اقصى شمالها كجزء من مشهد عربي يزداد تعقيداً بعموميته وشموليته، سأتطرق لمحطات عدة، بينها دور الوجهاء وكبار العائلة والذي عهدناه بقوة حتى تاريخ نشوء السلطة الفلسطينية عام ١٩٩٤ (ليتلاشى هذا الدور القوي بعد ذلك تدريجياً لعوامل موضوعية يطول الحديث عنها)، حيث كانت تلك الشخصيات تمتلك قرار الهدنة والعطوة في الوقت المناسب، ومنع "الشيب والشباب" من الذهاب نحو الدم وتفاقمه مهما عظم موضوع الخلاف أو صغر.
نعم سأقولها "دعشنة" مهما ازعجت وآلمت بعض الزملاء او المثقفين او الاوساط وجعلتهم يعتبرون كاتبها او مروجها "غبياً" أو "بعيداً عن تشريح الواقع"، حسب اعتقادهم، لانه حان قرع جدار الخزان بقوة، والحديث بشجاعة عما يواجه مجتمعنا ووطننا دون "طبطبة" ودون "تغني وتمجيد" لهذه البلدة او تلك، او هذه العائلة و العشيرة او تلك، فكل بلداننا خرَّجت وافرزت العلماء والمتعلمين والمبدعين والمثقفين وما زالت، ولكنها الآن باتت تدق ناقوس خطر تراجع القيم ومعها المعنى العميق للرادع والوازع الديني والاجتماعي والثقافي والانساني، فالحديث مثلاً عن ارقام قياسية لضحايا الشجارات الدموية في محافظاتنا الجنوبية والشمالية وفي اوقات زمنية متقاربة مقارنة بحجم مجتمعنا الصغير المُثقل كاهله بفعل الاحتلالات المتعددة على مر التاريخ والانقسام الذي بدأ سياسيا ثم تطور اجتماعيا ومناطقيا، يستدعي منا الحديث بصوت عالٍ ودون عزل الأمر عن ازمات المحيط العربي وتراجع منظومة القيم والخطوط الحمر وتعاظم ثقافة العنف والتشدد حتى تُرجمت بركاً من الدماء وتقسيماً للجغرافيا مهما كان عنوانه (سياسي او امني او شللي او طائفي او قومي او اثني او جماعي او عائلي)، فنحن نتقاطع بالثقافة والدين والقومية والانسانية.
وللعلم عندما نرى عناصر او قيادات بداعش جاءت من ثوب العلمانية او القومية او جاءت من خلفيات عشائرية متشددة او من شلل وعصابات ولم تتربَ اصلاً على الاسلام منذ الصغر، فإنني لا اتردد في وصف "اللؤم" و"الحقد" الذي يتعاظم في الشجارات العائلية الدموية ب"دعشنة" ايضاً كجزء من كل.
وانتقالاً من المنطلق الاجتماعي والفكري سأنوه الى تعريف فلسفي لمصطلح آخر هو (الجزمية أو دوغماتية أو دوغمائية) والتي تعني "التعصب لفكرة معينة من قبل مجموعة دون قبول النقاش فيها أو الإتيان بأي دليل ينقضها لمناقشته أو كما هي لدى الإغريق الجمود الفكري. وهي التشدد في الاعتقاد الديني أو المبدأ الأيديولوجي، أو موضوع غير مفتوح للنقاش أو للشك".
وما اكثر الذين ينطبق عليهم هذا التعريف في مجتمعاتنا قولاً وفعلاً وضِمْناً، ولأن التعصب للفكرة او الرأي دون قبول النقاش أسس للفكر الداعشي في بلادنا تراكمياً وليس فجأة وعبر السنين الخوالي وكرد فعل لدعشنات تارة بلون قومي وآخر ليبرالي ثم لاحقاً اسلاموياً، فاني لا اتردد ايضاً في استخدام "الدعشنة" كمصطح مرادف ل"الدوغماتية"، كونه لا فرق بين الأول والثاني الا لَفظاً.
ولذلك، لا تقتصر "الدعشنة" اي (الدوغماتية) على اصحاب الافكار الاسلاموية بل ايضاً بين من يدَّعون ليبراليتَهم وعلمانيتَهم وحداثتَهم في بلادنا فيما هم يعانون من الشيزوفرينيا (الانفصام) اللامتناهية، ونراها جلية على العالمَينْ الافتراضي (فيسبوك كمثال)، والواقعي.
واستطرد الحديث هنا، لاستذكر نقاشاً دار بيني عندما كنت طالبا بجامعة النجاح وبين احد اساتذتي الذي كان يحاضر بنا ذات يوم بعد احداث الانقسام المؤسفة في حزيران ٢٠٠٧، فقلتُ له: "ارى ان الصراع فيما بين العلمانيين والاسلاميين في بلادنا العربية سيتحول الى صراع اكثر دموية بين احزاب اسلامية في السنوات القادمة، وسيكون اشد خطورة من الصراع بشكله الذي كان حينها بين علمانيين واسلاميين".
في الحقيقة، خالفني المحاضر في رأيي هذا، ثم قلتُ له: "خلينا ننتظر ونشوف!".
وبالفعل جاء "الربيع العربي" وتعاظمت ازماته معها الصراع بين الاطياف الاسلامية المختلفة وكان دموياً، وأظن انه سيستمر ايضا ويتفاقم حيناً ويخف حيناً آخر. وهنا لم يهمني ابدا ان يتحقق ما كنت اتوقعه بناء على ادراكي لمستوى "الداعشية التي لم تولد بعد، في ذلك الحين" بقدر ما كنت اتمنى مئة مرة أن افشل بتوقعي وتكون مجتمعاتنا افضل حالا مما هي عليه الآن، ليتني فشلتُ في توقعي هذا.
ووسط المفاهيم والتعريفات، وجدليات المصطلحات، تئن مجتماعتنا من الاصولية والتشدد للجماعة والعائلة والفكر ليُراق مزيد من الدماء ما لم نتفق على تشريح الواقع وتحليله علمياً وبحثياً قبل البدء بالعلاج التراكمي والتدرجي والذي يجب ان يتشارك به الجميع، فحذاري!

