حاضر يا بيه
الكاتب: زياد خدّاش
عنتر الصف
هو زميلي في الصف الخامس، ضخم الجثة، كان لقبه عنتر الصف، لا أحد كان يجرؤ على مجرد التفكير بمصارعته، الصف كله أعلن الولاء له، حتى المعلمين تجنبوا الاحتكاك به. ثلاثة عقود مرّت ، كبرنا جميعاً، مات نصف معلمينا، صرت أنا كاتباً، صار هو فدائياً، البارحة مررت عنه، ابتسم، مادّاً يده ليصافحني، فوجئ بي أرفع يدي على وجهي بشكل آلي تجنباً لضربته. كان يظنني أمزح، لمحت في عينيه لمعان دموع، لكني لم أصدّقها، واصلت طريقي مبتعداً عنه، متعثراً بالذكريات وبالمارة.
شوارع المجاز
ألقمت هذا الشارع آلاف الخطوات، من مكتبة الجعبة حتى مطعم الناصرة، مسافة طويلة جداً من الكتب والجوع والحكايات وتعب العقل، سلت من نساء متخيلات كثيرات وكتب لم أقرأها، ذلك السيلان الذي يشبه ولادة. حملت جرحى وشهداء إلى سيارات إسعاف. كتبت على الجدار: عاشت أمطارنا النقية، فاحتج رفيقي المباشر وأرادها فلسطين النقية، فرميت علبة الدهان في وجهه وهربت إلى مدن اللامعقول وشوارع المجاز. حملت كراتين البيض وهرولت بها إلى الدكاكين أمام غضب أبي المستطير. فعلت كل شيء في هذا الشارع. أفشيت له أسرار الأصدقاء. أرسلت رسائل لم تصل لنور الشريف وماركيز، وفيليب روث. حشرت امرأة في كتاب متوسط الجودة بمكتبة الجعبة وطرت إلى طرقي المجنونة التي لا تحدها نساء أو مؤلفون، وقالت لي الريح: إياك أن تعتذر. فعلت كل شيء في هذا الشارع، على مداخله المعتمة عصرت نهداً ضخماً، وفي مسائه الممطر والمظلم رشقت زجاج باص "إيغد" الإسرائيلي بحجر ضخم. فعلت كل شيء في هذا الشارع. على مقعد بجانب النافذة المطلة بيأس على مطار اللد في مقهى زرياب انتظرت بيأس هبوط طائرة امرأة أحببتها بيأس لأنها كانت تغويني بطريقة نداء خرافي: يا وحش، يا وحش.
ميت أم حي؟
كيف أعرف أني حزين أم سعيد في القاهرة؟ يضحك السائقون المرحون كثيراً في سيارات الأجرة. من خلال شقوق الضحكات البيضاء في المرايا أستطيع أن ألمح (ببصر وبصيرة ابن المخيم)، مدينة هائلة من أسنان الألم الصفراء.
كيف أعرف أني ميت أم حي في القاهرة؟ داخل المقاهي، حي جداً، غارق في عسل: (حاضر يا بيه). في قعر بحر العسل أستطيع أن أرى بوضوح (بعين جثة الفلسطيني الخبير القتيل) جثث آلاف النادلين وحطام ملايين كاسات الشاي.

