الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:06 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:16 PM
المغرب 7:37 PM
العشاء 9:05 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

يوم بلغ البخل العربي قمته

الكاتب: عطا الله منصور

اسعدني الحظ يوم قررت صحيفة "هارتس" نقلي من الجليل الى القدس الشرقية بعد أيام معدودة من وقف نار حرب الأيام السوداء في حزيران ١٩٦٧. هذا القرار منحني شرف التعرف على الكثير من عامة أبناء شعبنا الفلسطيني في غالبية المدن والقرى من الفئة الناشطة في صفوف أهلنا في الضفة الغربية والاستماع لمختلف الآراء من الشباب والشيوخ في مختلف الفئات والأحزاب.

وكان أول من التقيت بهم من القادة المرحوم أنور نسيبه، وكان ذلك قبل ان اجد منزلا لعائلتي وحين كنت ادخل فندق «الاميركان كولوني» أشار الي مرافقي – الذي عرف انني اكتب في الصحف – ان الرجل الذي غادر سيارته امامنا ودخل المنزل المحاذي لبوابة مندلبوم المشهورة هو أنور بك نسيبه، سفير المملكة الاردنية الهاشمية السابق في بريطانيا .

تركت سيارتي ولحقت بالسفير السابق (وكنت في اليوم السابق قد قرأت في رائعة المرحوم عارف العارف عن ظروف انشاء حكومة عموم فلسطين التي اعلنت في غزة وكان أنور نسيبه سكرتيرها).

رحب بي صاحب الدار بعد ان القيت عليه التحية دون انتظار تعريفي بنفسي وبعد ذلك لاحظت انفراجا على ملامح وجهه وخصوصا حين رضيت أن أعطيه وعدا بأن لا أنشر ما يقوله لي وان لا انسب له تصريحا حتى يقره شخصيا. وعدته بأنني في هذه المرحلة اتلمس في ظلمة الجهل طريقي في منطقة لا اعرف فيها احدا.

وتحدثت طيلة اشهر طويلة مع عشرات الشخصيات دون ان انسب لأحدهم صفة او عبارة. ولكنني لم استطع ان احتفظ بما قاله لي حمدي كنعان, رئيس بلدية نابلس في زيارتي الاولى لعاصمة"جبل النار": في ساحة الساعة تركت سيارتي وسألت الحاج رحمة طوقان - لم اكن قد تعرفت عليه بعد- عن البلدية فارشدني اليها. وحين دخلت مكاتب البلدية رأيت يافطة تشير الى ديوان الرئيس وقرعت الجرس ففتح الباب وٍسألني عن غايتي وقصدي فحاولت تعريف نفسي فلم يسمع السائل الا بعض مما قلت وتركني فسمعته يقول: انه صحفي، سمعت صوتاً يرحب بي. وقبل ان اسمع جملة مفيدة قال رئيس بلدية نابلس.: يا عمي "الجماعة" تقول من جلالة الملك اخذتم الضفة ومعه تجرون المفاوضات !! قلت : انا صحفي عربي من الناصرة ,اعمل لصالح " هارتس" ولوكالة "أي بي" وانا في نابلس لأول مرة!.

اعتذر ودعاني للجلوس واخبرني ان مجموعة من "اليهود" زاروه قبل يومين وعرضوا عليه ان ينظم وفدا فلسطينيا لاجراء المفاوضات مع اسرائيل فوعدتهم باستطلاع رأي " الاخوان" وهذا ما فعلته وكان الرد ان الضفة الغربية هي جزء من المملكة الأردنية الهاشمية وعلى إسرائيل اعادتها للملك !.

وسألت : وهل سمعت منهم عن المرجعية للمفاوضات المقترحة من قبل الوفد الإسرائيلي ؟ قال : قرارات الأمم المتحدة حول تقسيم فلسطين لدولتين واعادة اللاجئين الى بيوتهم بعد اعلانهم الاستعداد للعيش بسلام في دولة اسرائيل!.

لم اضحك ولم ابك ولكنني لم اصدق ما اسمعه! سألت رئيس بلدية نابلس ان كان قد صدّق ضيوفه" اليهود". سألني بلهجة المستنكر: ولماذا جاء هؤلاء للكذب علينا ؟ قلت: لا لم يكن هدفهم مجرد الكذب! ان كان هؤلاء يمثلون حكومة إسرائيل فانهم جاءوا لمجرد التعرف عليكم, وقد يكونون جنوداً من الاحتياط يبحثون عن تسلية! قال : وما هو رأيك ؟

قلت : يؤلمني ان أقول بأن حكومة إسرائيل التي رفضت عودة بعض اللاجئين قبل الحرب لن تقبل بعودة الجميع بعد انتصارها العسكري الأخير .

قمت للخروج و"اعتذرت"- فلم اسمع منه ردا .

وفي الشارع كادت احدى السيارات تدهسني. ولولا رحمة الله لكنت قد قضيت امام بلدية نابلس في مطلع تموز ١٩٦٧. واشعر منذ تلك التجربة بضرورة ملحة ان لا اتساهل مع قادة السياسة من أبناء شعبنا وتقييمهم لذواتهم. صحيح ان قصة الوفد التي اكتشفتها "بفضل" سوء الفهم الذي وقع لي اثناء زيارتي للمرحوم حمدي كنعان – هو ان نظام الحكم العسكري الذي بحث عن مصادر القيادات السياسية "المعتدلة" في المناطق المحتلة لتنظيم "برلمان" فلسطيني مؤقت للضفة والقطاع لتشجيع فكرة انشاء كيان فلسطيني يتعايش مع الاحتلال حتى يوم توقيع اتفاقية السلام النهائي. ولكن الحكومة الرسمية رفضت الفكرة خشية من «زعل» أصدقاء النظام الهاشمي في الوايتهول والبيت الأبيض وسوء فهمهم لهذه المناورة التي تهدف الى التلميح والتشجيع للبلاط الهاشمي وحثه على امل ان يترك الصف العربي الموحد ويقبل بصلح منفرد واقتسام الأرض والسلطة في الضفة الغربية مع إسرائيل.

وكان طبيعيا ان اتعرف على المرحوم محمود أبو الزلف اول من حاول منح القراء في الضفة والقطاع هذه المنصة الوطنية للتعرف على كل ما يدور بينهم وحولهم ومن الشباب تعرفت على مروان العسلي وعلى فئة شبابية طموحة ومهتمة بأمور شعبها ومستقبله وبين هؤلاء كان صديقي إبراهيم دعيبس الذي فرقت الشيخوخة (وهمومها) بيننا ولكنني اقرأ ما يكتبه بمتعة وحيرة .المتعة لانعاش ذاكرتي والحيرة لانني لا افهم موقفه من " أوسلو".

انا سعدت بأوسلو لانها قدمت الندى لأبناء الشعب الفلسطيني بعد عقود من التلظي في التيه العربي. وأود ان اذكره بأن نيران الانتفاضة الأولى لم تلتهب لمجرد حادث الطرق الذي أدى لمقتل أربعة من العمال الذين انتظروا سيارة المشغل الى مكان العمل – كما قالت الشرطة الإسرائيلية حينها - وكانت مستعدة لدفع التعويضات وتقديم السائق المتهم للمحاكمة . وأؤكد لكل مهتم بالتاريخ انني اعتقد بأن الانتفاضة الأولى هي المعركة الأولى في تاريخ الصراع الفلسطيني التي انتصر فيها شعبنا الفلسطيني – ولولاها لما بقي لنا الا الذكريات وتلحق إسرائيل بالاندلس.

ولكن تلك الانتفاضة كما اذكرها هبت لعدة أسباب منها مقتل العمال ولكن الأهم منها هو القمة العربية التي سبقت الانتفاضة وللمرة الأولى في تاريخ القمم العربية اهمل فيها الموضوع الفلسطيني !

وأذكر الكثير – رغم ضعف في ذاكرتي !كيف كان الناس في القدس يرددون عبارة : لقد وصل انحطاط الموقف العربي الى انهم بخلوا علينا حتى بكذبهم التقليدي!!

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...