قضايا في المواطنة
الخطاب الديني في فلسطين: الواقع والمأمول
خاص - راية
تناولت حلقة جديدة من برنامج «قضايا في المواطنة»، الذي تبثه شبكة راية الإعلامية، موضوعًا بالغ الحساسية والتأثير في الواقع الفلسطيني، وهو الخطاب الديني في فلسطين بين واقعه الراهن وآفاقه المأمولة، في ظل تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة، أبرزها الاحتلال، والانقسام السياسي، والفقر، والبطالة، والعنف البنيوي اليومي.
وشارك في الحلقة كل من الباحث في الشؤون الدينية موسى معلا، والباحث الشرعي د. محمد ربعي، حيث قدّم كل منهما قراءة مختلفة لكنها متقاطعة حول دور الخطاب الديني، تحدياته، ومسؤولياته في المجتمع الفلسطيني.
"موسى معلا: الخطاب الديني سلوك مجتمعي"
استهل الباحث موسى معلا حديثه بالتأكيد على أن الخطاب الديني لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد خطاب لفظي أو وعظي، بل هو خطاب فكري ينتج سلوكًا اجتماعيًا مباشرًا، موضحًا أن الحديث عن النزوح أو الانقسام أو العنف هو في جوهره حديث عن سلوكيات إنسانية تتأثر بما يُقال على المنابر وفي الفضاء العام.
وأشار معلا إلى أن أهمية الخطاب الديني تنبع من قدرته – أو عجزه – عن تشكيل سلوك الناس في عصر التكنولوجيا وتعدد المنصات، محذرًا من تحميله ما لا يحتمل، لكنه شدد في الوقت ذاته على مسؤوليته في مواجهة الخطابات المشوهة التي تُبث عبر الإعلام التقليدي والحديث.
وأوضح أن الدين في جوهره فعل اجتماعي، وأن المجتمع الفلسطيني، رغم تنوعه الديني، يعيش تحت ضغط الاحتلال، وهو ما يخلق حالة غضب مكبوت وعنف غير مرئي، يتمثل في الحواجز، وتأجيل الحياة، وانعدام الاستقرار.
ومن هنا، يرى معلا أن واجب الخطاب الديني الأساسي هو المساهمة في تفريغ هذا العنف بطريقة صحية، تمنع تحوله إلى عنف داخلي موجّه ضد المجتمع نفسه.
تجديد الخطاب الديني: ما بين الرسمية والاقتناع الحقيقي
وعند حديثه عن آليات تطوير الخطاب الديني، أوضح موسى معلا أن المسار الرسمي، المتمثل بوزارة الأوقاف، لا يجب أن يقتصر على دورات شكلية للخطباء، معتبرًا أن التجديد الحقيقي لا يتم عبر تلقين مفاهيم جاهزة عن التسامح، بل عبر بناء قناعة فكرية داخلية لدى الخطيب بأن المجتمع بحاجة إلى حماية نفسه من العنف والانقسام.
وأكد أن المشكلة ليست تقنية، بل فكرية وأخلاقية، داعيًا إلى خطاب نابع من إرادة حقيقية لحماية المجتمع الفلسطيني من ذاته قبل الآخرين.
د. محمد ربعي: الخطاب الديني حمى الهوية الفلسطينية
من جهته، قدّم الباحث الشرعي د. محمد ربعي قراءة مختلفة، ركّز فيها على الدور التاريخي للخطاب الديني في حماية الهوية الفلسطينية، خاصة في غزة، حيث رأى أن صمود الإنسان الفلسطيني في مواجهة القتل والدمار هو نتاج بنية وعي ديني وقيمي تشكلت عبر سنوات طويلة.
وأوضح ربعي أن الخطاب الديني الذي يعزز الإيمان، والهوية، والتحرر، والعدالة، والصمود، بحاجة إلى رؤية وطنية موحدة، مقترحًا تحويل هذه القيم إلى ميثاق وطني جامع تشارك فيه جميع فئات المجتمع: من رجال الدين، والمعلمين، والمؤسسات، والأسر، والمجتمع المدني.
المسجد منبر وعي… لا مجرد طقس ديني
وشدد د. ربعي على أن الخطاب المسجدي يجب أن يتحول من أداء طقسي إلى مركز وعي مجتمعي، تكون فيه خطبة الجمعة منصة لمعالجة الضغوط الحياتية الحقيقية، وضرب أمثلة من الواقع، وتوجيه الناس لإدارة أزماتهم اليومية.
وأكد الحاجة الماسّة إلى تأهيل الأئمة والخطباء في مجالات متعددة، مثل علم الاجتماع، والإعلام، وتاريخ فلسطين، وحقوق الإنسان، إضافة إلى تأهيل معلمي التربية الإسلامية داخل المدارس، بحيث يصبح الجميع قادرين على تفسير الواقع وتحويل القيم الدينية إلى مهارات واتجاهات عملية.
الإعلام والفضاء الرقمي: معركة الوعي الجديدة
وفي سياق متصل، دعا د. ربعي إلى تفعيل الدور الإعلامي، معتبرًا أن الخطاب الديني لا بد أن يكون حاضرًا بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي، لمخاطبة الشباب الذين هم في أمسّ الحاجة إلى خطاب يمنحهم المعنى والهوية، ويحميهم من خطاب الاحتلال وذوبان الهوية.
هل تحديث الخطاب الديني تدخل سياسي؟
وعند طرح الإشكالية المتعلقة بالخوف من تسييس الخطاب الديني، أكد د. محمد ربعي أن الحل يكمن في الفصل بين الإدارة والمضمون. فالمؤسسات الرسمية، بحسب رأيه، يجب أن يقتصر دورها على التنظيم، والتمكين، والتأهيل، وتوفير البيئة الداعمة، دون التدخل في صياغة المضامين العقدية أو الفقهية، التي يجب أن تبقى من اختصاص العلماء وهيئات الإفتاء.
واقترح إنشاء هيئة وطنية ذات مصداقية مجتمعية، تضم علماء دين، وخبراء تربية، واجتماع، وإعلام، وممثلين عن المجتمع المدني، تتولى وضع المعايير، وتقييم الأداء، وضمان الجودة الأخلاقية، بما يمنع تحويل الخطاب الديني إلى أداة سياسية.
موسى معلا: تحديات الخطاب الديني تبدأ من غياب المرجعية
وفي عودته للحديث، أشار موسى معلا إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه الخطاب الديني في فلسطين تعدد المرجعيات الدينية في الفضاء المفتوح، ما يضعف الثقة بالمرجعية الفلسطينية نتيجة عقود من الشتات وغياب الدولة.
وأوضح أن الفلسطينيين في الداخل، والضفة، وغزة، والشتات، يعيشون سياقات مختلفة، ولا يمكن مخاطبتهم بخطاب واحد جامد، داعيًا إلى تعدد داخل الخطاب الديني يعكس تعددية المجتمع، ضمن إطار قيمي جامع.
كما اعتبر أن تسييس الخطاب الديني نتيجة الانقسام بين فتح وحماس ترك أثرًا عميقًا على المنابر، وأضعف قدرتها على لعب دور جامع، بل وأسهم أحيانًا في تعميق الاستقطاب.
الحرية شرط الخطاب الديني المسؤول
وأكد معلا أن أي إصلاح حقيقي يبدأ من منح الخطباء والفقهاء حرية مسؤولة، مشددًا على أن الخطاب الديني تحت الخوف لا ينتج إلا النفاق الاجتماعي، وأن الحرية – رغم ما قد تفرزه من أخطاء أولية – هي الطريق الوحيد لإنتاج خطاب ناضج ومسؤول.
ميثاق وطني قيمي: رؤية د. ربعي للمستقبل
وفي ختام النقاش، عاد د. محمد ربعي لتفصيل رؤيته حول الميثاق الوطني القيمي، موضحًا أنه ليس وثيقة فقهية ولا أداة سياسية، بل إطار توجيهي للسلوك، يعالج قيمًا أساسية مثل: الكرامة الإنسانية، العدالة، الحرية، عدم التمييز، الهوية الوطنية، حماية الأرض واللغة والتاريخ.
واقترح أن تُدمج هذه القيم في المناهج التعليمية، والتدريب المستمر، والإعلام، مع إنشاء مرصد قيمي لقياس أثر الخطاب الديني والبرامج التربوية على المجتمع.
بين الترهيب والترغيب: لماذا ينفّر بعض الخطاب الديني؟
وحول لجوء بعض الخطباء إلى أسلوب التخويف، رأى د. ربعي أن ذلك ناتج عن فهم تقليدي للتدين، يغفل جوهر الرسالة القائمة على الرحمة، مستشهدًا بالخطاب القرآني الذي دعا إلى اللين، معتبرًا أن الخطاب المنفّر لا يمكن أن يكون منهج حياة.
وأجمعت مداخلات الضيفين على أن الخطاب الديني في فلسطين يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يبقى أسير الانقسام والخوف والتسييس، أو أن يتحول إلى رافعة وعي، وأداة حماية مجتمعية، وجسر حوار يعزز السلم الأهلي والهوية الوطنية.
تجدر الإشارة إلى أن "قضايا في المواطنة" هو برنامج اجتماعي تُنتجه مؤسسة REFORM ويبث عبر شبكة راية الإعلامية؛ للإسهام في الوصول إلى نظام حكم إدماجي تعددي مستجيب لاحتياجات المواطنين ومستند إلى قيم المواطنة.
فيما يلي الحلقة كاملة: اضغط هنا

