نقابة الصحفيين الفلسطينيين تستعرض التقرير السنوي للحريات 2025
أعلنت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، مساء اليوم الإثنين، تفاصيل تقريرها السنوي حول الحريات الإعلامية في فلسطين، والذي أظهر استشهاد 63 زميلًا وزميلة خلال العام المنصرم، ليرتفع عدد الشهداء من الصحفيين منذ بداية العدوان وحتى نهاية العام الماضي إلى 256 شهيدًا، جراء استهداف الاحتلال الإسرائيلي لهم، لا سيما في قطاع غزة.
وبيّن التقرير أن عام 2025 شكّل أحد أكثر الأعوام دموية وخطورة على حرية العمل الصحفي في فلسطين، في ظل تصاعد غير مسبوق لجرائم وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
وأوضح التقرير السنوي الصادر عن لجنة الحريات في النقابة، أنها واصلت خلال العام الماضي عمليات الرصد والتوثيق والمتابعة الميدانية لكافة الاعتداءات التي استهدفت الصحفيين وعائلاتهم ومؤسساتهم الإعلامية، استنادًا إلى إفادات موثّقة ومعايير مهنية معتمدة. وأضاف أن الهدف من التقرير هو تقديم قراءة رقمية وتحليلية شاملة للانتهاكات خلال عام 2025، وإبراز الطابع الممنهج في استهداف الصحفيين الفلسطينيين، وتوفير وثيقة حقوقية يمكن الاستناد إليها في مسار المساءلة الدولية.
وقال نقيب الصحفيين الفلسطينيين ناصر أبو بكر، خلال مؤتمر صحفي عُقد في مقر النقابة بمدينة رام الله، إن النقابة تستعرض تقرير الحريات لعام 2025 بالتوازي مع إجراءات عربية ودولية لملاحقة قتلة الصحفيين الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن النقابة تواصل منذ بداية العدوان العمل على عدة جبهات، من بينها حملات المناصرة مع النقابات ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام في مختلف دول العالم.
وأضاف أبو بكر أن النقابة، بالشراكة مع الاتحاد الدولي للصحفيين، تقدمت بشكاوى إلى المحكمة الجنائية الدولية، مؤكدًا أن الاتحاد الدولي سيتقدم بشكوى شاملة حول جميع الجرائم التي ارتكبها الاحتلال بحق الصحفيين خلال الحرب المتواصلة على قطاع غزة والقدس والضفة الغربية، بما يسهم في محاسبة المسؤولين عنها.
وأشار إلى تقديم شكوى أخرى إلى مجلس حقوق الإنسان، مؤكدًا استمرار العمل من أجل محاسبة قتلة 256 صحفيًا فلسطينيًا استشهدوا خلال العدوان، بالتزامن مع تصاعد الانتهاكات بحق الصحفيين في الضفة الغربية. ووصف ما يجري بأنه أول حرب إبادة جماعية تُشنّ بحق الصحفيين.
كما حذّر أبو بكر من خطورة الوضع الصحي للصحفي علي السمودي المعتقل إداريًا، مشيرًا إلى أنه فقد نحو 40 كيلوغرامًا من وزنه ويعاني من أمراض مزمنة، ما يجعل حياته مهددة بشكل خطير داخل السجون.
وقال رئيس لجنة الحريات في النقابة محمد اللحام، خلال المؤتمر، إن الأرقام قد تكون خادعة، لكن دلالات الوقائع والمعطيات هي الأهم، مؤكدًا أن ما يجري في قطاع غزة ليس اجتهادًا فرديًا من جندي أو ضابط، بل سياسة ممنهجة تستهدف إبادة الحالة الصحفية في القطاع، وصدرت من أعلى المستويات في منظومة الاحتلال الإسرائيلي.
وأكد اللحام أن استشهاد عدد كبير من الصحفيين خلال العام جاء نتيجة القصف المباشر وإطلاق النار والاستهداف أثناء أداء واجبهم المهني، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني الذي يكفل حماية العاملين في الحقل الإعلامي. كما أشار إلى استشهاد العشرات من أفراد عائلات الصحفيين جراء استهداف منازلهم ومناطق نزوحهم، معتبرًا ذلك شكلًا من أشكال العقاب الجماعي ومحاولة لكسر الإرادة النفسية للصحفيين وثنيهم عن مواصلة عملهم.
وأضاف أن لجنة الحريات وثّقت عشرات الإصابات الخطيرة في صفوف الصحفيين نتيجة الرصاص والشظايا والقصف، إلى جانب حالات اعتقال إداري وميداني، واستدعاءات وتحقيقات مطوّلة، وهو ما اعتبرته النقابة تجريمًا صريحًا للعمل الصحفي ومحاولة لإخضاع الإعلام الفلسطيني للرقابة القسرية.
وأشار التقرير كذلك إلى تدمير واستهداف مؤسسات ومكاتب إعلامية، ومعدات بث وتصوير، ما أدى إلى شلّ البنية التحتية الإعلامية ومنع استمرار التغطية الميدانية. كما جرى تسجيل مئات حالات الاحتجاز والمنع من التغطية وإطلاق النار بقصد الترهيب، إضافة إلى الاعتداءات اللفظية والتحريض.
وسلّط اللحام الضوء على استمرار جريمة الإخفاء القسري بحق عدد من الصحفيين الذين انقطع الاتصال بهم منذ بداية العدوان على قطاع غزة، محمّلًا سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن مصيرهم، ومطالبًا بالكشف الفوري عن أماكن وجودهم.
وبيّن أن غالبية الصحفيين في قطاع غزة تعرضوا للنزوح القسري وفقدان منازلهم ومعداتهم المهنية، ويعيشون في ظروف إنسانية قاسية داخل المخيمات ومراكز الإيواء، ما انعكس سلبًا على قدرتهم على مواصلة العمل الصحفي.
وختمت نقابة الصحفيين تقريرها بالتأكيد على أن ما وثقته من جرائم وانتهاكات خلال عام 2025 يشكّل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، داعية المؤسسات الدولية والأممية إلى التحرك الفوري لتوفير الحماية للصحفيين الفلسطينيين، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وعدم السماح بالإفلات من العقاب.
للإطلاع على التقرير اضغط هنا
فيما يلي نص التقرير:
يأتي هذا التقرير السنوي في سياق تصاعد كبير لجرائم وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحفيين الفلسطينيين، حيث شكّل عام 2025 أحد أكثر الأعوام دموية وخطورة على حرية العمل الصحفي، وعلى الحق في نقل الحقيقة من الميدان.
وانطلاقًا من مسؤوليتها المهنية النقابة والوطنية، واصلت لجنة الحريات التابعة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين مهام الرصد والتوثيق والمتابعة الميدانية لكافة الاعتداءات التي طالت الصحفيين ومؤسساتهم وعائلاتهم، وفق معايير توثيق معتمدة، وبالاستناد إلى إفادات مباشرة، وشهادات موثقة، وبيانات ميدانية.
يهدف هذا التقرير إلى عرض قراءة رقمية وتحليلية شاملة للانتهاكات، إبراز الأنماط الممنهجة في الاستهداف، وتقديم وثيقة حقوقية تُسهم في مساءلة الاحتلال أمام الأطر الدولية المختصة.
الحصيلة العامة للانتهاكات خلال عام 2025
وثّقت لجنة الحريات في نقابة الصحفيين الفلسطينيين خلال عام 2025 ما مجموعه: 1317 جريمة وانتهاكًا واعتداء بحق الصحفيين الفلسطينيين، توزعت على النحو الآتي:
استشهاد صحفيين (63 شهيدا)
إصابات دامية (104 إصابة)
اعتقالات تعسفي (44 حالة اعتقال)
شهداء من عائلات الصحفيين (69 شهيدا)
تدمير مؤسسات ومكاتب إعلامية (24 مؤسسة إعلامية)
تدمير منازل الصحفيين (57 منزلا)
احتجاز الطواقم ومنعها من العمل (425 حالة)
ترهيب بإطلاق الرصاص اتجاه الصحفيين (94 حالة)
تهديد (13 حالة)
الضرب (72 حالة)
اعتداءات المستوطنين (50 اعتداء)
استدعاء / تحقيق (21 حالة)
استهداف بقنابل الغاز الصوت (102 حالة)
مصادرة وتحطيم معدات عمل (41 حالة)
اقتحام منازل ومؤسسات صحفية (26 اقتحام)
تحريض (13 حالة)
عرض على محكمة عسكرية (33 حالة)
اعتداء لفظي (16 حالة)
دهس / محاولة دهس (6 حالات)
منع من السفر (حالة واحدة)
حذف مواد صحفية (14 حالة)
جدول الجرائم والانتهاكات خلال 2025

تعكس هذه الأرقام سياسة شاملة ومتكاملة تستهدف الصحافة الفلسطينية بوصفها هدفًا مركزيًا، وليس هدفًا جانبيًا
استشهاد الصحفيين
(القتل كأداة لإسكات الحقيقة)
وثّقت لجنة الحريات في النقابة استشهاد 66 صحفيًا فلسطينيًا خلال عام 2025، نتيجة القصف المباشر، وإطلاق النار، والاستهداف أثناء أداء الواجب المهني.
قراءة رقمية:
أعلى نسب الاستشهاد سُجلت في:
شهر أيار: 13 شهيدًا
شهر آب: 15 شهيدًا
بمعدل شهيد واحد تقريبًا كل يومين.
تشير هذه المعطيات إلى أن الاحتلال يتعامل مع الصحفي الفلسطيني كـهدف عسكري مباشر، في انتهاك صارخ للمادة (79) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، التي تكفل حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة.
استهداف عائلات الصحفيين
(العقاب الجماعي والانتقام)
سجّل التقرير استشهاد 66 فردًا من عائلات الصحفيين خلال العام، نتيجة القصف والاستهداف المباشر لمنازلهم ومناطق نزوحهم.
أبرز الأشهر:
أيار: 18 شهيدًا
تموز: 11 شهيدًا
دلالات خطيرة:
نقل الاستهداف من الصحفي إلى محيطه الاجتماعي في محاولة لكسر الإرادة النفسية للصحفي وإرغامه على التوقف عن العمل، ويشكّل ذلك جريمة عقاب جماعي محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني.
الإصابات الدامية
(سياسة الإيذاء المتعمّد)
وثّقت اللجنة 104 إصابات دامية في صفوف الصحفيين، جراء: الرصاص الحي، شظايا الصواريخ، القصف الجوي.
أعلى الأشهر:
آذار: 16 إصابة
حزيران: 16 إصابة
تشرين أول: 10 إصابات
قراءة ميدانية:
تُظهر طبيعة الإصابات (إصابات بليغة، إعاقات دائمة، فقدان أطراف) بهدف تحييد الصحفي مهنيًا وإنسانيًا.
الاعتقالات التعسفية
(قمع حرية الرأي والتعبير)
رصد التقرير 44 حالة اعتقال بحق صحفيين خلال عام 2025، شملت: اعتقالات ميدانية، اعتقال إداري، استدعاءات وتحقيقات مطوّلة.
تمثل هذه الاعتقالات انتهاكًا مباشرًا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتشكل تجريمًا صريحًا للعمل الصحفي ومحاولة لإخضاع الإعلام الفلسطيني للرقابة القسرية.
تدمير المؤسسات والمكاتب الإعلامية
وثّقت لجنة الحريات تدمير واستهداف 24 مؤسسة ومكتبًا إعلاميًا ، شملت:
قصف مقرات
تدمير معدات بث وتصوير
تعطيل عمل مؤسسات إعلامية كاملة
ذروة الاستهداف:
شهر أيلول: 14 مؤسسة (أكثر من 58% من إجمالي الحالات)
هذا الاستهداف لا يطال الأفراد فقط، بل يهدف إلى شلّ البنية التحتية للإعلام الفلسطيني، ومنع استمرار التغطية الميدانية ونقل الحقيقة إلى العالم.
قنابل الغاز المدمع السام
(قمع التغطية في الميدان)
وثّق التقرير 102 حالة إطلاق قنابل غاز مسيل للدموع وقنابل الصوت باتجاه الصحفيين والطواقم الإعلامية.
غالبًا ما استُخدمت قنابل الغاز:
مباشرة نحو الصحفيين
في أماكن مغلقة أو مكتظة
أثناء تغطية المسيرات أو الاقتحامات
تسببت هذه الاعتداءات بحالات اختناق، إغماء، وحالات طبية طويلة الأمد.
واستهداف الصحفيين بقنابل الغاز لا يهدف فقط إلى تفريقهم، بل إلى منعهم من الاستمرار في التغطية، ويشكّل اعتداءً مباشرًا على سلامتهم الجسدية والمهنية.
استهداف الطواقم بقنابل الصوت
(إرهاب نفسي وترويع ميداني)
إلى جانب الغاز، وثّقت اللجنة استخدام قنابل الصوت ضد الصحفيين خلال التغطيات الميدانية.
قنابل الصوت تُستخدم لإحداث:
صدمة سمعية
فقدان توازن
حالات هلع مفاجئة
في عدة حالات، أُطلقت القنابل الصوتية قرب الصحفيين بشكل مباشر، ما تسبب بإصابات سمعية وحالات إغماء.
يمثّل هذا الشكل من الانتهاك إرهابًا نفسيًا منظمًا، ويهدف إلى كسر تركيز الصحفي ومنعه من أداء عمله بأمان.
استهداف الطواقم الصحفية بالرصاص الحي للترهيب
وثّقت لجنة الحريات، تعرض 94 من الصحفيين لحالات إطلاق نار حي باتجاههم بقصد الترهيب، دون أن تؤدي بالضرورة إلى إصابة مباشرة.
إطلاق النار غالبًا ما تم:
*بالقرب من مواقع تمركز الصحفيين
*أثناء ارتدائهم الزي الصحفي الواضح
*في مناطق مفتوحة لا تشكّل خطرًا أمنيًا
هذا النمط يؤكد أن الهدف ليس “تفريق” الصحفيين، بل بث الخوف وتعطيل التغطية الميدانية.
هذه الوقائع تُضاف إلى سجل الإصابات الدامية (104 إصابات)، ما يعني أن الترهيب بالرصاص يشكّل سياسة قائمة بذاتها، وليس حوادث فردية.
استخدام الذخيرة الحية ضد صحفيين يُعد انتهاكًا جسيمًا لقواعد استخدام القوة، وقد يرقى إلى محاولة قتل.
الاعتداءات اللفظية والتهديد والتحريض: بيئة عدائية ممنهجة ضد العمل الصحفي
يُظهر الرصد والتوثيق عشرات حالات الاعتداء اللفظي والتهديد والتحريض بحق الصحفيين الفلسطينيين خلال عام 2025، سواء في الميدان أو عبر وسائل الإعلام العبرية ومنصات التواصل الاجتماعي.
تشكّل الاعتداءات اللفظية والتهديدات المرحلة الأولى من سلّم الانتهاكات، وغالبًا ما تسبق الاعتقال أو الاستهداف الجسدي.
التحريض العلني على الصحفيين، ووصمهم بصفات تحريضية، يوفّر غطاءً سياسيًا وأمنيًا لارتكاب جرائم أشد خطورة بحقهم. هذه الممارسات تخلق مناخًا دائمًا من الخوف والترهيب، وتدفع بعض الصحفيين إلى ممارسة الرقابة الذاتية، وهو ما يعد انتهاكًا غير مباشر لحرية الصحافة.
التحريض والتهديد، ثم الاعتداء اللفظي، ثم إطلاق النار للترهيب، ثم استخدام الغاز وقنابل الصوت، لتنتهي في كثير من الحالات بـالإصابة أو الاعتقال أو الاستشهاد، وهو ما يؤكد أن الانتهاكات لم تكن عشوائية، بل سياسة ممنهجة متعددة المستويات لإسكات الصحافة الفلسطينية.
وهنا تؤكد لجنة الحريات أن الاعتداءات اللفظية، والتهديد، والتحريض، وإطلاق النار للترهيب، واستخدام الغاز وقنابل الصوت، تشكّل العمود الفقري لسياسة القمع اليومي ضد الصحفيين الفلسطينيين، وتُعد انتهاكات خطيرة بحد ذاتها، حتى في غياب إصابة مباشرة. وتشدد اللجنة على أن توثيق هذه الوقائع لا يقل أهمية عن توثيق جرائم القتل، كونها تهيّئ البيئة لارتكاب الجرائم الكبرى، وتستهدف جوهر حرية الصحافة.
احتجاز الطواقم ومنعها من التغطية
استهداف 425 صحفيًا فلسطينيًا ليس رقمًا عابرًا، بل مؤشر خطير على قمع ممنهج لحرية الصحافة، ومحاولة لإسكات الشهود، وإعادة تشكيل الوعي العام عبر التحكم فيما يُرى وما لا يُرى.
هذا العدد الكبير المستهدف يشير إلى محاولة ممنهجة للتحكم في السرد الإعلامي، خصوصًا في سياقات الصراع. الصحفي هو شاهد وناقل، وغيابه يعني تقليص وصول التغطية الفلسطينية إلى الرأي العام المحلي والدولي، وترك المجال لرواية أحادية موجهة.
الاحتجاز والمنع من التغطية يعكسان تعاملًا أمنيًا مع الصحافة بدل التعامل معها كعمل مدني محمي. هذا يعني تحويل الكاميرا والقلم إلى “تهديد”، وهو مؤشر على تضييق متعمد على الحريات الأساسية.
الاحتجاز التعسفي والمنع من العمل يشكلان انتهاكًا لحرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات
الرقم المرتفع (425) يوحي بأن الانتهاكات ليست حالات فردية بل سياسة أو نمط متكرر، إخفاء الوقائع على الأرض بمنع التغطية لا يستهدف الصحفيين فقط، بل يستهدف الجمهور نفسه عبر حجب توثيق الانتهاكات ، تقليل الأدلة البصرية والشهادات، إضعاف المساءلة لاحقًا
جريمة الإخفاء القسري بحق الصحفيين
مصير مجهول وجريمة مستمرة
تسلّط لجنة الحريات الضوء على جريمة الإخفاء القسري بوصفها أحد أخطر الانتهاكات التي طالت الصحفيين الفلسطينيين منذ الأيام الأولى للعدوان على قطاع غزة، حيث لا يزال مصير عدد من الزملاء الصحفيين مجهولًا حتى تاريخه، وفي مقدمتهم الصحفيان نضال لوحيدي وهيثم عبد الواحد، اللذان فُقد الاتصال بهما في بدايات العدوان دون أي معلومات رسمية حول مكان احتجازهما أو وضعهما القانوني أو الصحي.
وتؤكد اللجنة أن هذا النمط من الانتهاك لا يندرج ضمن الاعتقال التعسفي المعلن، بل يرقى إلى جريمة إخفاء قسري مكتملة الأركان، تتمثل في:
حرمان الضحية من حريته، إنكار وجوده أو مصيره، وحرمان عائلته ونقابته من أي معلومات أو ضمانات قانونية.
وتشير لجنة الحريات إلى أن الإخفاء القسري يُعد جريمة مستمرة بموجب القانون الدولي، ولا تسقط بالتقادم، وتشكل انتهاكًا جسيمًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.
وترى اللجنة أن استمرار تغييب الصحفيين قسرًا، في ظل الصمت وغياب أي معلومات، يشكّل أداة ترهيب قصوى تستهدف الجسم الصحفي بأكمله، ورسالة تهديد لكل من يحاول نقل الحقيقة من قطاع غزة، كما يضاعف من معاناة عائلات المفقودين التي تعيش حالة قلق دائم وانتظار قاسٍ.
وعليه، تحمّل لجنة الحريات الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن مصير الزملاء الصحفيين المفقودين، وتطالب بالكشف الفوري عن أماكن وجودهم، وضمان سلامتهم، وتمكين الجهات الحقوقية الدولية من متابعتهم، معتبرة أن استمرار هذه الجريمة يضاف إلى سجل الانتهاكات الجسيمة التي تستوجب المساءلة الدولية وعدم الإفلات من العقاب.
واقع النزوح والتشريد للصحفيين الفلسطينيين
بحسب تقارير ودراسات موثّقة، قرابة 96% من الصحفيين الفلسطينيين في غزة قد نزحوا عن منازلهم نتيجة القصف والعمليات العسكرية، وبيّن مسح أن 88% من منازلهم دُمّرت بالكامل أو جزئيًا ، بينما يعيش معظمهم في أماكن غير مستقرة مثل الخيام أو مع الأقارب أو في مساكن مؤجرة أو مخيمات .
أماكن السكن الحالية:
نحو 60% يعيشون في خيام نزوح.
90% في مخيمات للاجئين.
11% مع الأقارب أو الأصدقاء.
10% في إيجار مؤقت.
نتج عن النزوح ظروف صعبة مهنيا وانسانيا:
فقدان المعدات الصحفية الضرورية.. عدم وجود وسائل حماية كالسُترات الواقية أو الخوذ.. انقطاع الكهرباء والإنترنت الذي يُعيق إرسال التقارير والصور.. التنقل على أقدام لمسافات طويلة أحيانًا بسبب عدم توفر النقل الآمن.. تخلي بعض المؤسسات الاعلامية عن صحفيها وعن واجباتها.. ضغوط نفسية واجتماعية.
وقد رصدت لجنة الحريات نحو 44 صحفيا استشهدوا في خيام ومراكز النزوح منذ بداية العدوان على قطاع غزة وبذلك أصبح الصحفي الفلسطيني في قطاع غزة يعيش المأساة ولا ينقلها فحسب.
منع واستهداف الصحفيين الأجانب
تؤكد لجنة الحريات أن سياسة منع الصحفيين الأجانب من التغطية في قطاع غزة، إلى جانب استهداف بعضهم في القدس والضفة الغربية، شكّلت عاملًا مركزيًا في تصاعد حجم الجرائم والانتهاكات بحق الصحفيين الفلسطينيين خلال عام 2025، وأسهمت بشكل مباشر في رفع كلفة العمل الصحفي المحلي، كما انعكس ذلك بوضوح في الأرقام الواردة في هذا التقرير.
أولًا: منع الصحفيين الأجانب من دخول قطاع غزة تصاعد استهداف الصحفيين الفلسطينيين
منع الاحتلال الصحفيين الأجانب من دخول قطاع غزة بشكل شبه كامل، وحصر التغطية الأجنبية بمرافقات عسكرية انتقائية، ما أدى عمليًا إلى:
الاعتماد شبه الكامل للمؤسسات الدولية على الصحفيين الفلسطينيين داخل القطاع،
تحميلهم عبء التغطية الميدانية الحصرية في أخطر بيئة صحفية في العالم.
الربط الرقمي:
66 صحفيًا فلسطينيًا شهيدًا خلال عام 2025،
104 إصابات دامية.
94 حالات إطلاق نار حي للترهيب.
تركز معظم هذه الجرائم في قطاع غزة خلال فترات الإغلاق الإعلامي الكامل.
كلما اشتد منع الصحفيين الأجانب، ارتفع مستوى الاستهداف المباشر للصحفيين الفلسطينيين، الذين أصبحوا الناقل الوحيد للوقائع، ما حوّلهم إلى أهداف مركزية في معركة السيطرة على الرواية.
العزل الإعلامي الدولي
الحاجة إلى إسكات الشهود المحليين
أدّى منع الصحافة الدولية إلى خلق فراغ رقابي دولي، لم يملأه سوى الصحفي الفلسطيني.
الربط الرقمي:
1317 انتهاكات موثقة خلال العام، بينها أعلى معدلات الانتهاكات في تاريخ الرصد السنوي للجنة.
غياب الصحفي الأجنبي المستقل خفّف من مستوى الرقابة الدولية الفورية، ما شجّع الاحتلال على التوسع في استخدام القوة ضد الصحفيين المحليين، ضمن بيئة أقرب إلى الإفلات من العقاب.
استهداف الصحفيين الأجانب في القدس والضفة الغربية منع التغطية خارج غزة، بالتوازي مع إغلاق غزة إعلاميًا، وثّقت اللجنة وقائع استهداف وتضييق على صحفيين أجانب خلال تغطيتهم في القدس والضفة الغربية.
أشكال الاستهداف:
إطلاق قنابل الغاز والصوت، الاعتداء الجسدي، مصادرة المعدات، الإبعاد ومنع التغطية.
الربط مع الأرقام العامة:
102 حالة إطلاق قنابل غاز وصوت موثقة ضد صحفيين.
عدد من هذه الحالات طال صحفيين أجانب أو وقعت أثناء وجودهم في الميدان.
هذا النمط يؤكد أن سياسة القمع لم تقتصر على غزة، بل امتدت لمنع أي نقل دولي مستقل للانتهاكات في القدس والضفة الغربية، خصوصًا في الأحداث ذات الحساسية السياسية والدينية.
ازدواجية المعايير نفي الذريعة الأمنية بالأرقام
يحاول الاحتلال تبرير منع الصحفيين الأجانب من دخول غزة بذرائع أمنية، إلا أن: استهداف صحفيين أجانب في القدس والضفة (مناطق غير مصنفة مناطق حرب)، واستخدام أدوات القمع ذاتها (غاز، صوت، اعتداءات)، يفضح أن الدافع الحقيقي هو التحكم بالرواية وليس الأمن.
القراءة الرقمية:
تطابق أدوات القمع المستخدمة ضد: الصحفي الفلسطيني في غزة، والصحفي الأجنبي في القدس والضفة، يعكس سياسة موحّدة لا تميّز بين جنسية الصحفي بقدر ما تستهدف وظيفته.
منع الصحفي الأجنبي رفع كلفة الحقيقة على الصحفي الفلسطيني
تشير لجنة الحريات إلى أن منع الصحفيين الأجانب لم يُخفف التغطية، بل:
نقل المخاطر بالكامل إلى الصحفي الفلسطيني،
فارتفعت أعداد الشهداء والإصابات والاعتقالات.
الربط الرقمي المباشر:
66 شهيدًا + 104 إصابات دامية + 67 شهيدًا من عائلات الصحفيين
تشكل بمجملها الثمن الذي دفعه الصحفي الفلسطيني نتيجة العزل الإعلامي الدولي المفروض على غزة.
تؤكد لجنة الحريات أن منع الصحفيين الأجانب من التغطية في قطاع غزة، واستهداف بعضهم في القدس والضفة الغربية، لم يكن إجراءً منفصلًا، بل: جزءًا من منظومة متكاملة لعزل الجرائم عن الرقابة الدولية، عاملًا مباشرًا في تصاعد الانتهاكات الرقمية بحق الصحفيين الفلسطينيين، ودليلًا إضافيًا على سعي الاحتلال لاحتكار السرد الإعلامي وإدارة الصراع بعيدًا عن أعين العالم.
وتشدد اللجنة على أن كسر هذا العزل الإعلامي بات ضرورة قانونية وأخلاقية، لحماية الصحفيين، وضمان حق الشعوب في المعرفة، ووضع حد لسياسة الإفلات من العقاب.
دوافع الاحتلال في استهداف الصحفيين الفلسطينيين
تؤكد لجنة الحريات أن الجرائم والانتهاكات الموثقة بحق الصحفيين الفلسطينيين خلال عام 2025، والتي بلغ مجموعها 1317 انتهاكا وجريمة، لا يمكن التعامل معها بوصفها حوادث منفصلة أو ردود فعل ميدانية عشوائية، بل تعبّر عن سياسة ممنهجة ذات دوافع واضحة، يمكن استخلاصها بقراءة تحليلية مترابطة للأرقام الواردة في هذا التقرير.
السيطرة على التغطية الإعلامية واحتكار السرد
تشير الأرقام إلى أن الاحتلال جعل من الصحفي الفلسطيني هدفًا مباشرًا في سياق معركته الاعلامية، حيث وثّقت اللجنة:
استشهاد 66 صحفيًا خلال عام واحد.
تدمير 24 مؤسسة ومكتبًا إعلاميًا.
مع ذروة واضحة في أشهر التغطية الميدانية المكثفة (أيار–أيلول)
وتعكس هذه المعطيات سعي الاحتلال إلى إسكات الشهود الأساسيين على جرائمه، ومنع نقل الحقيقة إلى الرأي العام الدولي، عبر القتل والتدمير المتعمد للبنية الإعلامية.
منع التوثيق وإنتاج الأدلة القانونية
يُظهر التقرير أن الاحتلال استهدف الصحفيين بوصفهم منتجي أدلة إدانة، لا مجرد ناقلي أخبار، وهو ما تؤكده الأرقام التالية:
94 حالات إطلاق نار حي للترهيب.
104 إصابات دامية بالرصاص وشظايا الصواريخ.
وتشير هذه الأرقام إلى اعتماد سياسة تقوم على تعطيل الكاميرا والصحفي في آن واحد، ومنع توثيق الجرائم التي يمكن استخدامها لاحقًا أمام آليات المساءلة الدولية، وعلى رأسها المحكمة الجنائية الدولية.
الردع والترهيب وكسر الإرادة المهنية
تكشف البيانات الموثقة عن اعتماد الاحتلال أدوات ترهيب ممنهجة تهدف إلى خلق بيئة عمل طاردة وخطرة، من خلال:
102 حالة استهداف بقنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت.
الاعتداءات اللفظية والتهديد والتحريض.
وتعكس هذه الممارسات دافعًا واضحًا لكسر الإرادة المهنية للصحفيين، ودفعهم نحو الرقابة الذاتية أو الانسحاب من التغطية الميدانية، حتى دون الحاجة إلى إيقاع إصابة مباشرة.
العقاب الجماعي واستهداف البيئة الاجتماعية للصحفي
من أخطر ما وثّقه التقرير هو استشهاد 67 فردًا من عائلات الصحفيين خلال عام 2025، وهو رقم يعبّر بوضوح عن نقل الاستهداف من الصحفي إلى محيطه الأسري.
وتؤكد اللجنة أن هذا النمط يعكس دافعًا قائمًا على العقاب الجماعي والانتقام غير المباشر، في محاولة لكسر الصحفي نفسيًا، وتحويل مهنته إلى تهديد وجودي لعائلته، في انتهاك جسيم لمبدأ شخصية العقوبة.
تجريم العمل الصحفي وإخضاعه للأدوات الأمنية
وثّق التقرير 44 حالة اعتقال بحق صحفيين فلسطينيين بينهم 8 زميلات صحفيات، شملت الاعتقال الميداني والإداري والاستدعاءات، ما يعكس دافع الاحتلال إلى:
نزع الصفة المدنية والمهنية عن الصحفي.
التعامل معه كهدف أمني.
توفير غطاء لاحق لاستهدافه جسديًا.
وتُظهر هذه الأرقام محاولة ممنهجة لتجريم الصحافة الفلسطينية وإخضاعها لمنطق القوة.
تفريغ المشهد الإعلامي الفلسطيني وإضعاف بنيته: التدمير المركّز للمؤسسات الإعلامية
يُظهر التدمير المركّز للمؤسسات الإعلامية، خاصة في شهر أيلول الذي شهد تدمير 24 مؤسسة إعلامية، دافعًا استراتيجيًا يتمثل في:
تفكيك البنية التحتية للإعلام الفلسطيني
إنهاك المؤسسات ماديًا ومهنيًا
تقليص قدرتها على الاستمرار طويل الأمد.
ترسيخ سياسة الإفلات من العقاب
تعكس الزيادة التصاعدية في أعداد القتل والإصابات والانتهاكات، رغم الإدانات الدولية، دافعًا قائمًا على فرض منطق القوة فوق القانون، واختبار حدود الصمت الدولي.
تؤكد اللجنة أن استمرار هذه الجرائم دون مساءلة شكّل عامل تشجيع رئيسي للاحتلال على توسيع نطاق الاستهداف بدل تقليصه، وأن الربط بين الأرقام الواردة في هذا التقرير ودوافع الاحتلال يثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن استهداف الصحفيين الفلسطينيين خلال عام 2025 كان سياسة دولة ممنهجة، متعددة الأدوات والدوافع، ومرتبطة بشكل مباشر بمعركة السيطرة على الحقيقة والوعي. وهو ما يرقى إلى نمط ثابت من الجرائم الجسيمة التي تستوجب المساءلة الدولية وعدم الإفلات من العقاب. لذلك، يستهدف الصحفي بوصفه منتج الدليل قبل أن يستهدفه بوصفه ناقلًا للخبر.
الخاتمة والتوصيات
تؤكد لجنة الحريات في نقابة الصحفيين الفلسطينيين، أن مجمل الجرائم والانتهاكات الموثقة خلال عام 2025:
ترقى إلى جرائم حرب مكتملة الأركان.
تشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني.
اعتداءً مباشرًا على حرية الصحافة وحق الشعوب في المعرفة.
تؤكد لجنة الحريات التابعة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين أن استمرار إفلات الاحتلال من العقاب شجّعه على تصعيد جرائمه بحق الصحفيين.
وعليه، توصي اللجنة بما يلي:
1. توفير حماية دولية فورية للصحفيين الفلسطينيين
2. فتح تحقيقات دولية مستقلة في جرائم قتل واستهداف الصحفيين.
3. محاسبة قادة الاحتلال أمام المحاكم الدولية.
4. إلزام الاحتلال باحترام التزاماته القانونية تجاه المؤسسات الإعلامية.
تجدد اللجنة عهدها بمواصلة الرصد والتوثيق، دفاعًا عن الصحافة الفلسطينية، وعن الحق في الحقيقة، مهما بلغت التضحيات.
لجنة الحريات
نقابة الصحفيين الفلسطينيين
التقرير السنوي – 2025






