بعد ضجة ترامب.. هل لا يزال تناول الأسبرين يوميا آمنا؟
لطالما ارتبط الأسبرين في الوعي الطبي والشعبي بالوقاية من النوبات القلبية والسكتات الدماغية، غير أن التوصيات بشأن استخدامه اليومي شهدت تحولات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد الأدلة التي تحذر من مخاطره لدى فئات واسعة من الناس.
ويعود الجدل مجدداً إلى الواجهة بعد الكشف عن أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتناول جرعة مرتفعة من الأسبرين يومياً منذ أكثر من 20 عاماً، رغم نصائح أطبائه بالتحول إلى جرعة أقل، أو التوقف عنه تماماً، بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.
وتوصي الهيئات الطبية الكبرى، مثل الهيئة الأميركية للخدمات الوقائية، والكلية الأميركية لأمراض القلب، وجمعية القلب الأميركية، بعدم البدء بتناول الأسبرين بشكل روتيني للوقاية من أمراض القلب لدى الأشخاص الذين لم يسبق لهم التعرض لنوبة قلبية أو سكتة دماغية، خصوصاً من تجاوزوا سن 60 أو 70 عاماً.
وبحسب الأطباء، فإن الفئة الوحيدة التي يُنصح لها بشكل واضح بتناول الأسبرين يومياً هي من لديهم تاريخ مرضي مثبت لأمراض القلب والأوعية الدموية، مثل النوبات القلبية، أو السكتات الدماغية غير النزفية، أو مرض الشرايين الطرفية. ففي هذه الحالات، تفوق الفوائد المحتملة مخاطر النزيف.
أما الجرعة القياسية في هذه الحالات، فهي عادة الجرعة المنخفضة (81 ملغ)، والمعروفة شعبيا على نطاق واسع بـ"أسبرين الأطفال".
لماذا تغيرت التوصيات؟
قبل نحو عقد من الزمن، كانت الأدلة تشير إلى أن الأسبرين قد يساعد في الوقاية الأولية من الجلطات لدى الأصحاء. غير أن ثلاث دراسات كبرى نُشرت عام 2018 قلبت هذه القناعة، إذ أظهرت أن الأسبرين لا يقدم فائدة واضحة للأشخاص من دون تاريخ مرضي قلبي، بل يزيد من خطر النزيف، وقد يرتبط بزيادة الوفيات الناجمة عن النزيف وأمراض الجهاز الهضمي.
ويؤكد خبراء الطب الوقائي أن طريقة التفكير في وصف الأسبرين "تغيرت جذرياً"، بعد أن اتضح أن مخاطره، خصوصاً مع التقدم في العمر، قد تفوق فوائده المحتملة.
ويعمل الأسبرين عبر تثبيط الصفائح الدموية، ما يقلل من تكوّن الجلطات، لكنه في المقابل يرفع خطر النزيف. وأكثر ما يثير قلق الأطباء هو النزيف الداخلي الحاد، مثل نزيف الجهاز الهضمي أو النزيف الدماغي المفاجئ، وهي مضاعفات قد تكون قاتلة.
ويزداد هذا الخطر مع التقدم في العمر، أو عند استخدام جرعات مرتفعة، أو لدى من يعانون مشكلات صحية أخرى.
كما تشير الدراسات إلى أن الجرعات المرتفعة من الأسبرين لا توفر حماية إضافية مقارنة بالجرعات المنخفضة، لكنها تزيد من احتمالات النزيف والمضاعفات. فقد أظهرت تجربة سريرية واسعة أن تناول 325 ملغ يومياً لا يمنح فائدة إضافية مقارنة بـ81 ملغ، مع ارتفاع المخاطر الصحية.
من جهة أخرى، ورغم وجود أبحاث تشير إلى أن الأسبرين قد يقلل من خطر سرطان القولون، فإن الأدلة الحالية غير كافية للتوصية بتناوله لهذا الغرض وحده، وفق ما يؤكد الأطباء.
وفي الخلاصة، لم يعد تناول الأسبرين يومياً خياراً آمناً أو مناسباً للجميع، كما كان يُعتقد سابقاً. فباستثناء المرضى الذين لديهم تاريخ واضح لأمراض القلب والأوعية الدموية، ينبغي اتخاذ قرار استخدام الأسبرين بناءً على تقييم فردي دقيق للمخاطر والفوائد، وتحت إشراف طبي مباشر.
ويحذر المختصون من تناول جرعات مرتفعة من تلقاء النفس، مؤكدين أن الوقاية الحقيقية تبدأ بضبط ضغط الدم، ومستويات الكوليسترول والسكر، والابتعاد عن التدخين، وليس بحبة دواء واحدة.

