خاص| من تحت الركام: تغريد وإبداعها يعيدان الروح لغزة
أروى عاشور- غزة - راية:
في قلب غزة، حيث دمرت الحرب والمجاعة حياة الكثيرين، وترك الحصار أثره القاسي على كل بيت، برزت قصص إنسانية تعكس صمود الإنسان وإبداعه في أصعب الظروف. واحدة من هذه القصص هي قصة تغريد عبد الله، موظفة بنك، وجدت في المحنة فرصة لإطلاق طاقتها الإبداعية، وتحويل ما هو مكسور ومرمي إلى مصدر أمل وإلهام للآخرين.
تغريد بدأت رحلتها برغبة بسيطة: إرسال كلمة أمل إلى الناس الذين عاشوا ظروف الحصار والمجاعة وفقدوا أبسط مقومات الحياة. لكن مع مرور الأيام، أصبح هدفها أكبر؛ فقد رأت كيف أن الناس ملّوا من الطعم الواحد والصنف الواحد، وكيف أن نقص الموارد دفعها للتفكير خارج الصندوق.
فبدأت بابتكار وصفات غذائية جديدة باستخدام أبسط المكونات المتاحة، مثل العدس، حيث صنعت منه كباب العدس، ولحم العدس، وحتى جبنة العدس.
تقول تغريد لـ"رايــة": «كنت أحاول أن أبدل الطعم وأضفي تنوعًا على الطعام حتى يشعر الناس بالفرق ولو قليلًا».
لكن إبداعها لم يقتصر على الطعام فقط، بل امتد إلى إعادة تدوير كل شيء حولها. فقد حولت تغريد المخلفات المنزلية، والمواد التي لم يعد لها استخدام، إلى أشياء مفيدة وجميلة.
فمن علب الأناناس صنعت فازات رائعة، مستخدمة الجزء الداخلي من الفاكهة ليكون عنصرًا جماليًا يضفي روحًا طبيعية على المكان. ومن كراتين المساعدات، أنشأت خزانة صغيرة وصناديق لعب للبنات، بينما أعادت الحياة إلى فخار مكسور ليصبح زخارف تراثية تضيف لمسة فلسطينية للبيوت والخيم. حتى الملابس التالفة والبطانيات المحروقة لم تهرب من لمستها الإبداعية، إذ حولت بعضها إلى أحذية صغيرة للأطفال وعروسات، كل قطعة تحكي قصة صمود وإبداع تحت أصعب الظروف.
وتكمل تغريد: «رسالتي للناس هي أنه حتى من تحت الركام والدمار، نستطيع أن ننهض ونعيد الروح إلى حياتنا. اللي بيقدر يعيد شكل شيء ميت ومرمي، يقدر يعيد تشكيل ذاته ونفسه».
وبالرغم من أن الكثير من المتابعين على صفحاتها على فيسبوك وإنستجرام يسألون عن كيفية إعادة تصنيع هذه الأشياء أو حتى استغلالها كمصدر رزق، إلا أن تغريد تؤكد أن رسالتها الإنسانية كانت أولوية، خصوصًا في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها سكان غزة.
وكل تعليق شكر من متابع، وكل صورة لأحد ابتكاراتها كانت مصدر فرحة صغيرة، تعيد الثقة بأن الحياة يمكن أن تستمر رغم الخراب.
تقول تغريد بكل افتخار: «كل إنسان لديه قوة داخلية، وعندما نكتشفها ونعمل على تطويرها، نصبح قادرين على مواجهة أصعب الأزمات».
في غزة اليوم، حيث الأمل يبدو أحيانًا بعيدًا، تبرز قصص مثل قصة تغريد لتكون مصدر إلهام للجميع. هي ليست مجرد حيلة للتغلب على شح الموارد، بل درس في الصبر، والابتكار، والقدرة على تحويل الألم والمعاناة إلى طاقة إيجابية.





