تقرير: تعميق التعاون العسكري والأمني بين تركيا والسعودية يقلق إسرائيل
قال موقع معاريف العبري إن تحسن العلاقات بين واشنطن وأنقرة ، إلى جانب تعميق التعاون العسكري والأمني بين تركيا والمملكة العربية السعودية - بدعم أمريكي - يثير قلقاً بالغاً لدى إسرائيل.
وأضاف الموقع العبري: "وبالتوازي مع توسيع نفوذها في سوريا وتعزيز علاقاتها الأمنية مع العراق والأردن ولبنان، تسعى أنقرة للانضمام إلى اتفاقية الأمن على غرار حلف شمال الأطلسي (الناتو) الموقعة بين السعودية وباكستان، الدولة النووية، في سبتمبر/أيلول 2025".
وأكد أن هذه التحركات ليست وليدة الصدفة، بل هي جزء من سياسة واقعية وعملية يقودها الرئيس رجب طيب أردوغان ، الذي يسعى إلى تشكيل تحالفات إقليمية جديدة، تلعب فيها تركيا دور محوري يربط الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والبحر الأحمر، وذلك بالتنسيق الوثيق مع الرياض وبدعم أمريكي مرن.
وشدد الموقع على أن تعزيز العلاقات مع إدارة ترامب، والذي يشمل، من بين أمور أخرى، استثمارات أمريكية تُقدّر قيمتها بين 3 و5 مليارات دولار في مجالات الطاقة والأمن والتكنولوجيا المتقدمة، إلى جانب التقارب التدريجي لأنقرة مع دول العالم العربي والإسلامي، وإقامة علاقاتها مع السعودية والإمارات وقطر وباكستان ومصر، يتيح مجالاً واسعاً أمامها لتعزيز نفوذها الأمني والعسكري والاقتصادي والأيديولوجي الديني.
تنشط تركيا حاليًا في عدة مناطق نزاع في آن واحد، من الشرق الأوسط وأفريقيا إلى البلقان وآسيا الوسطى والقوقاز، بما في ذلك ناغورنو كاراباخ، وترسّخ مكانتها كقوة إقليمية متعددة التسليح، قوية وفاعلة. في الوقت نفسه، يتشكل محور تركي-سني جديد، يعمل بالتوازي مع الكتلة الإسلامية المناهضة لإسرائيل بقيادة قطر وأنقرة وجماعة الإخوان المسلمين، ويقلص تدريجيًا هامش المناورة الإسرائيلي في قضايا جوهرية: إيران، وغزة، وسوريا، وترتيبات أمن الطاقة الإقليمية.
ويعزز هذا المحور بشكل كبير موقع تركيا الجيوسياسي من خلال إعطاء الأولوية للأمن والاستقرار والتنمية الإقليمية على حساب تعزيز القيم الديمقراطية، ويضع إسرائيل أمام واقع استراتيجي جديد، معقد وديناميكي وأكثر تحديًا بكثير من الواقع الذي عرفته في العقود الأخيرة.
التوجهات الاستراتيجية
في هذا السياق، تُشكل ثلاثة محاور استراتيجية رئيسية - تقليص التدخل الأمريكي المباشر في سوريا والشرق الأوسط عموماً، ونقل مسؤولية الأمن في قطاع غزة إلى جهات دولية فاعلة، والانهيار التدريجي لإيران - حافزاً لتعزيز قدرة تركيا على الردع تجاه إسرائيل. ويرى الرئيس أردوغان أن تركيا، بصفتها عضواً في حلف الناتو وتملك ثاني أكبر جيش في الحلف، فضلاً عن خبرتها العملياتية وتقنياتها المتقدمة وصناعتها الدفاعية المزدهرة، تتناسب تماماً مع التحالف الاستراتيجي الناشئ بين السعودية وباكستان، والذي يُعدّ أداةً لتحقيق طموحاتها في الهيمنة في الشرق الأوسط وخارجه.
وفي الوقت نفسه، فإن ترشح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي ومنتدى البريكس، إلى جانب تعزيز علاقاتها مع روسيا والصين - والذي ينعكس، من بين أمور أخرى، في حجم التجارة الذي نما من 6.7 مليار دولار في عام 2002 إلى 101 مليار دولار في عام 2024 - يعكس اتجاهاً واضحاً نحو النأي بنفسها عن الحلفاء الغربيين وتقليل الاعتماد عليهم.
تُعدّ هذه التحركات جزءًا من سياسة خارجية استراتيجية وتوسعية، في إطار التحول نحو عالم متعدد الأقطاب، تتنافس فيه مراكز القوى الإقليمية الجديدة، مدفوعةً بمصالح نفعية لا بولاءات تاريخية، بل وتتعاون أحيانًا. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الصراعات على النفوذ بين السعودية والإمارات العربية المتحدة في اليمن.
تعزيز العلاقات بين أنقرة والرياض
من منظور استراتيجي واسع، يُعدّ تعزيز العلاقات بين تركيا والمملكة العربية السعودية محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي التركي، الذي يشهد انتعاشاً معتدلاً، ولتحقيق رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان 2030. ورغم، وربما بسبب، الوضع الاقتصادي الصعب الذي تواجهه تركيا، والذي يشمل استمرار انخفاض قيمة العملة، وارتفاع معدل البطالة إلى 8.6%، وتضخماً بنحو 25%، ونقصاً في المواد الخام والطاقة، فإن أنقرة تُحسن استغلال علاقتها مع الرياض لتوسيع التعاون الأمني الصناعي، وزيادة حجم التبادل التجاري (الذي بلغ 7.9 مليار دولار أمريكي في عام 2025)، وتسريع التكامل الاقتصادي بين البلدين. ويمنح هذا المزيج من الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا المحور التركي السعودي عمقاً استراتيجياً ومرونة وقدرة على ممارسة نفوذ إقليمي دائم، ما يُمثل تحدياً مباشراً لإسرائيل، لا سيما في سعيها لقيادة محور الطاقة والاقتصاد، ولتتبوأ مكانة الشريك الأمني والتكنولوجي المُفضّل في منطقة الخليج.
يُعزز نقل التقنيات التركية المتقدمة إلى الرياض، مقابل استثمارات سعودية في مشاريع البنية التحتية في مجالات الطاقة المتجددة والمعادن الحيوية والتعدين الأخضر، الترابط بين الطرفين.
وفي الوقت نفسه، تُسهم صفقات ضخمة لشراء طائرات بدون طيار ودبابات وسفن بمليارات الدولارات في جعل السعودية السوق الرئيسية لصادرات تركيا الدفاعية.
تُساهم هذه الخطوات في تنويع مصادر النقد الأجنبي لأنقرة، وتقليل اعتمادها على رؤوس الأموال الغربية أو القطرية، وتعميق التبادل الثنائي للتقنيات، مع تعزيز مكانة تركيا كمورد دفاعي مفضل لدى شركائها الغربيين (حيث بلغ حجم تجارتها مع الاتحاد الأوروبي 168.3 مليار دولار في عام 2025) وفي الساحة الروسية.
التداعيات على إسرائيل
إن تعميق تركيا لعلاقاتها مع السعودية وقطر وإمارات خليجية أخرى، بما في ذلك استثماراتها في تطوير البنية التحتية للغاز عبر سوريا، يعزز نموذج "الممر التركي" - وهو طريق للغاز والكهرباء والبضائع يربط الخليج بأوروبا. ويمكن لمشاريع مثل خط الغاز القطري التركي عبر سوريا، والربط بـ"الممر العربي للغاز"، أن توفر لأوروبا بديلاً مباشراً وأرخص وأقصر من الطرق عبر إسرائيل واليونان وقبرص، مما يقوض الشراكات التي بنتها إسرائيل مع هذه الدول، فضلاً عن الأردن ومصر، ويطغى على مكانتها كمركز إقليمي للطاقة والعبور.
علاوة على ذلك، إذا فضلت الرياض الاستثمار في البنية التحتية التي تمر عبر تركيا وسوريا على المشاريع التي تعتمد على إسرائيل، فقد يضر ذلك بالمكانة الاستراتيجية لتل أبيب في مواجهة أوروبا ودول الخليج، ويضعف إمكانات التنمية لمشروع IMEC، ويقوض الإنجازات الجيواقتصادية لاتفاقيات أبراهام.
مع ازدياد حجم الاستثمارات السعودية في تركيا والطرق التجارية المرتبطة بها، سيزداد خطر توجيه رأس المال السعودي إلى أطر إقليمية لا تكون إسرائيل شريكة فيها، مما يقلل من فرصة بناء تعاون أمني وتكنولوجي عميق مع الرياض.
على المدى المتوسط إلى الطويل، قد تشكل الشراكة التركية السعودية عائقًا أمام دخول بعض منتجات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية إلى الأسواق الإسلامية في آسيا وأفريقيا. وقد تحرم إسرائيل من الوصول إلى رأس المال السعودي المباشر، ومن مراكز النمو في سلاسل القيمة الجديدة في مجالات الطاقة النظيفة والخدمات اللوجستية والتقنيات المتقدمة، وهي مجالات تسعى تركيا جاهدةً لترسيخ مكانتها كلاعب رئيسي فيها.
الفرصة الاستراتيجية
في ظل هذه التوجهات والسيناريوهات، يتمثل التحدي الرئيسي الذي يواجه إسرائيل في "قراءة الخريطة الجيوسياسية قراءةً صحيحة"، وإعادة حساب مسارها، وتبني نهج استراتيجي استباقي ومرن. ويجب عليها تعميق شراكاتها مع اليونان وقبرص ، وترسيخ محورها معهما كركيزة مستقرة في البحر الأبيض المتوسط تُكمّل الممر التركي، وكبديل موثوق للمستثمرين الاستراتيجيين في أوروبا والولايات المتحدة.
في الوقت نفسه، ثمة حاجة إلى توسيع وتنويع ممرات التجارة والطاقة - مع مصر والأردن، وفي منطقة البحر الأحمر، وفي الربط البري والبحري مع الهند وأفريقيا - لتعزيز القدرة الوطنية على الصمود والحد من التعرض للمخاطر الجيوسياسية.
وعلى الصعيد الأمني الاستراتيجي، فإن توطيد العلاقة بين المحور التركي السعودي، لا سيما في ظل عدم الاستقرار في سوريا وتصاعد التوتر في إيران، يستلزم تحديثًا مفاهيميًا للمحور الاقتصادي-الطاقي الإسرائيلي: مزيج ذكي يجمع بين الحفاظ على حرية العمل العسكري وبناء منظومة إقليمية متكاملة للبنية التحتية والتكنولوجيا وأمن الطاقة، تتبوأ فيها إسرائيل مكانة الشريك الحيوي الذي لا غنى عنه.
قد يكون تعزيز المحور التركي السعودي بمثابة حافز لتسريع التكامل الإقليمي البديل وتعميق العلاقات مع شراكة اتفاقيات إبراهيم - بما في ذلك الجهات الفاعلة البراغماتية في آسيا الوسطى والجنوبية مثل كازاخستان وأذربيجان - بل وقد يفتح الباب أمام تجديد العلاقات في مجال الطاقة مع تركيا في إطار متعدد الأطراف ومتوازن وتكاملي مع الدول العربية والخليجية.
في ظل الواقع الفوضوي وفي عالم متعدد الأقطاب ناشئ، ومع تمتع إسرائيل بميزة واضحة في الابتكار التكنولوجي والاستخبارات والقدرات العسكرية، ودبلوماسية اقتصادية متطورة منسقة مع واشنطن، يمكنها بل يجب عليها تحويل الأزمة إلى فرصة: ليس فقط لتجنب الانجرار إلى تصريحات الرئيس أردوغان المعادية للسامية وتحركاته الاستفزازية، بل للمشاركة الفعالة في تشكيل نظام جيواقتصادي إقليمي جديد، لا تكتفي فيه إسرائيل بالاستجابة لقواعد اللعبة، بل تمليها أيضاً.

