خاص| بين الخيمة والركام.. تيسير عبيد يخترع وسيلة حياة لأسرته في غزة
غزة - أروى عاشور - راية:
في غزة، حيث تحوّلت الخيام إلى بيوت دائمة، والركام إلى مشهد يومي، لم ينتظر تيسير عبيد المساعدة. وسط النزوح المتكرر وفقدان كل شيء، قرر أن يبتكر حلولًا بيديه، فحوّل الخشب المهمل والأدوات البسيطة إلى اختراعات صغيرة خففت عن أسرته قسوة الحياة في الخيمة.
منذ بداية الحرب، نزح تيسير عبيد من شمال قطاع غزة. تنقّل أكثر من إحدى عشرة مرة، من رفح إلى مناطق مختلفة، حتى استقر أخيرًا في دير البلح. لكنه لم يحمل معه من بيته سوى الملابس، تاركًا خلفه حياة كاملة.
الحياة في الخيمة لم تكن سهلة، خصوصًا مع عشرة أفراد يعيشون في مساحة ضيقة، تحت حر الصيف وبرد الشتاء، وسط نقص المياه والاحتياجات الأساسية.
لم يجد تيسير خشبًا أو نيلونًا كافيًا ليبني مأوى يحمي أطفاله، فاكتفى بخشبتين وشادر، وصنع خيمة هرمية بسيطة احتضنت أسرته.
لكن التحدي الأكبر لم يكن المأوى فقط… بل تفاصيل الحياة اليومية.
مع استمرار النزوح لعامين، كانت ابنته تغسل الملابس يدويًا بشكل يومي، ما تسبب بتشققات وجروح في أصابعها بسبب المنظفات والمواد الكيماوية. عندها، قرر تايسير أن يبحث عن حل.
لم تكن هناك أدوات، ولا معدات، ولا إمكانيات. بدأ بمحاولات بدائية، مستخدمًا قطع خشب لتحريك الملابس داخل وعاء الغسيل، في محاولة لتخفيف الاحتكاك عن يدي ابنته. كانت الفكرة بسيطة، لكنها ولدت من الحاجة.
ومع دخول بعض المعدات خلال فترة وقف إطلاق النار، استطاع الحصول على مسامير وبراغي وأدوات بسيطة. هنا تطورت الفكرة. جمع ما توفر لديه من مواد، وصمّم وسيلة بدائية تشبه الغسالة اليدوية، تعتمد على الدوران والحركة الميكانيكية، لتخفف الجهد وتحمي اليدين من الاحتكاك المباشر بالمنظفات.
لم يكن اختراعًا متكاملًا بمقاييس المصانع، لكنه كان اختراعًا بمقاييس المعاناة، هكذا وصف عبيد الأمر لـ"رايـــة".
ويصيف عبيد ان هذه وسيلة صنعت من الخشب والمواد البسيطة، لكنها صنعت أيضًا فارقًا في حياة أسرته.
الأمر لم يتوقف عند حدود عائلته. بدأ جيرانه من النازحين يلاحظون الفكرة، واستفادوا منها، فتحولت المبادرة الفردية إلى نموذج صغير للتكافل داخل المخيم.
يقول عبيدإن الفكرة لم تأتِ من فراغ، بل من إحساس بالمسؤولية: "لما طلعنا من بيوتنا بدون شيء، عرفنا إنو لازم نعتمد على حالنا… بالأشياء البسيطة ممكن نخفف المعاناة."
بين الخيمة والركام، لم ينتظر عبيد حلولًا خارجية، بل صنع حلّه بيديه، وفي مكانٍ يعاني من انقطاع كل سبل الحياة، اختار أن يبتكر… لا أن يستسلم.

