طقوس العيد لا تموت: نساء غزة يخبزن الكعك والمعمول بين خيام النازحين
غزة - أماني شحادة
تحاول نساء كثيرات، في مخيمات النزوح المنتشرة في قطاع غزة، حيث تحيط الخيام المتواضعة بذكريات البيوت المدمرة وأصوات الحرب التي لم تغب عن الذاكرة، إعادة إحياء طقوس العيد رغم قسوة الظروف.
مع اقتراب العيد، تجتمع بعض النساء حول أوعية الطحين والسكر، ليصنعن كعك العيد والمعمول بوسائل بسيطة داخل الخيام، وبين رائحة الخَبز التي تتسلل إلى أرجاء المخيم، تختلط مشاعر الحزن بالأمل، في محاولة لإهداء الأطفال لحظات فرح صغيرة وسط واقع مليء بالمأساة.
طقس لا يغيب
تقول أم أحمد جعرور، لـ "شبكة راية الإعلامية"، وهي تعجن الطحين داخل خيمتها: "نصنع الكعك كل عيد، لكن هذا العيد مختلف… نصنعه ونحن نحاول أن نخبئ أوجاعنا وما حدث لنا، فبرغم كل شيء، نريد أن يشعر أطفالنا أن العيد ما زال موجودًا، حتى لو كان بطعم الحزن."
أما جارتها في مخيم الإيواء، أم أحمد، التي فقدت منزلها خلال الحرب، فتقول: "بيتنا ذهب، والفرن الخاص بالمخبوزات ذهب مع البيت، لكن عادة العيد وطقوسه في الكعك والمعمول لا يمكن أن تذهب."
وتتابع بابتسامة متعبة: "نخبز الكعك هنا بين الخيام لنقول لأطفالنا إن الحياة يجب أن تستمر، حتى وسط كل هذا الألم".
الأطفال يشتمون رائحة العيد
تعمل النساء في حلقة كخلية نحل، لكل واحدة منهن مهام، رائحة الكعك تفوح في أرجاء المخيم، ويتجمع الأطفال حول فرن الطينة الذي يُخبز عليه المعمول فرحين بما يرونه لأنه بهجة العيد.
توزع أم مصطفى، قطع المعمول على الأطفال الذين تجمعوا، قائلة: "في كل قطعة كعك نحاول أن نضع شيئًا من الفرح، الأطفال بحاجة أن يشعروا أن العيد ما زال يزورهم، حتى لو جاء هذه المرة إلى خيمة."
يشارك الطفل عمر بهذه الفعالية بطاقة كبيرة، ينادي بصوته العالي على أصدقائه: "كعك العيد جاهز، يلا ناكل"، يساعده الأطفال في تذوق أعمال أمهاتهم بفرحة تغمر المكان وتحوله للحظة.
ذكريات الأعياد في البيوت
تستعيد النساء ذكريات الأعياد الماضية في بيوتهن التي كانت تضج بالحياة والدفء، يلفن الكعك بأيديهن وهن يتحدثن عن مطابخهن الواسعة وعائلاتهن التي كانت تجتمع لإعداد الكعك بفرحة، ودفء العائلة.
واليوم، بين الخيام تبدو الذكريات بعيدة لكنها حاضرة في قلوبهن، تمنحهن لحظة حنين وأمل بأن تعود الأعياد يومًا إلى بيوتهن كما كانت.
تضيف أم مصطفى، التي يملأ الدخان والسواد ثوبها بسبب النار: "كنا نصنع الكعك في مطبخ واسع، واليوم نصنعه فوق موقد صغير بين الخيام، لكن رائحته ما زالت نفسها… تذكرنا بالبيت الذي سنعود إليه يومًا ما."
ورغم قسوة النزوح ومرارة الفقد، تصر نساء غزة على التمسك بطقوس العيد، ولو بأبسط الإمكانات، فبين الدقيق القليل والموقد الصغير، يولد كعك العيد هذه المرة محمّلًا بحكايات الصمود، وبإصرار الأمهات على أن تبقى للعيد نكهته، حتى في قلب المأساة.

