من رحم خيمة النزوح بغزة
الطالبة ملاك أبو دية تتحدى الحرب وتنتزع نجاحاً بطعم المعجزة في التوجيهي
في ظل عدوانٍ مستمر لأكثر من 1000 يوم نهش الأرواح واستنزف الطاقات، وفي قطاعٍ حُرم طلبته من مقاعد الدراسة لأكثر من ثلاث سنوات متتالية وانعدمت فيه أدنى مقومات التعليم البشري والافتراضي، انبعث الأمل مجدداً من بين ركام المعاناة ليعلن انتصار الإرادة الفلسطينية.
بطلة هذه الحكاية هي الطالبة ملاك خضر أبو دية، التي انتزعت معدل 87.6% في الفرع الأدبي بـ الثانوية العامة (التوجيهي) متخذةً من خيمتها في منطقة "الزوايدة" منطلقاً لتحدي المستحيل.
وفي حديث خاص عبر أثير "راية"، روت ملاك تفاصيل رحلتها الاستثنائية التي تحولت فيها إلى "المعلم والطالب في آنٍ واحد"، لتقدم نموذجاً حياً لإصرار الشباب الغزي على التمسك بالحياة والتعليم كخيار وحيد وأمل متبقٍ لبناء المستقبل.
رحلة الكيلومترات بحثاً عن "الإنترنت" والمعرفة
تصف ملاك ظروف دراستها التي افتقرت لأبسط البديهيات؛ إذ تقيم في منطقة زراعية نائية بالزوايدة، تعج بالنازحين وتفتقر تماماً لشبكات الكهرباء والإنترنت.
ولتخطي عقبة المواد الصعبة التي تحتاج لشرح مباشر -كاللغة الإنجليزية- كانت ملاك تسير مسافة 2 كيلومتر مشياً على الأقدام للوصول إلى أي نقطة اتصال بالإنترنت، بهدف تحميل الدروس والفيديوهات التعليمية على هاتفها المحمول، لتستمع إليها لاحقاً داخل خيمتها دون اتصال.
ولم تقتصر المعاناة على ذلك، وإنما التحقت ملاك بمركز تعليمي في مخيم المغازي المجاوز لبلدتها، مما كان يضطرها لقطع مسافة 2.5 كيلومتر أخرى مشياً في رحلة يومية مهلكة تستغرق قرابة الساعة قبيل موعد الحصة، متحديةً حرارة الصيف ومخاطر الأوضاع الميدانية.

الدراسة بعد الفجر.. حين تتحول الخيمة إلى "فرن"
تحدثت ملاك بمرارة ممزوجة بالفخر عن الفارق الشاسع بين ظروفها وظروف أشقائها الذين قدموا الامتحانات قبل الحرب في أجواء من الهدوء والاستقرار والمنازل الآمنة.
وقالت: "الجميع يعلم ماذا يعني أن يعيش الإنسان في خيمة، فكيف إذا كان طالباً؟ كنت أضطر للاستيقاظ والدراسة بعد الفجر مباشرة، فهو الوقت الوحيد الذي يسود فيه الهدوء قبل أن تبدأ المعاناة اليومية مع توفير المياه الحلوة والمالحة. أما في فترة الظهيرة، فتحول حرارة الشمس الخيمة إلى ما يشبه الفرن المحمى الذي لا يطاق، ورغم ذلك كنت أحاول التركيز واستذكار واستيعاب المواد من جديد".
وعن تنظيم وقتها، أشارت إلى أنها اعتمدت نظام تقسيم المواد إلى أجزاء مرنة دون التقيد بجدول زمني صارم، نظراً للمفاجآت والظروف الطارئة التي قد تحدث في أي لحظة داخل القطاع، سواء كان ذلك انقطاعاً مفاجئاً للخدمات، أو انشغالاً بالواجبات اليومية للمخيم، أو القصف المستمر الذي يغير ملامح المنطقة بين حين وآخر.

الدراسة هي الأمل الوحيد للتغيير
أكدت ملاك خلال اللقاء أن الدافع وراء هذا الصمود الأسطوري لطلبة غزة هو الإيمان بأن التعليم هو السلاح والأمل الوحيد المتبقي أمامهم لإعانة أنفسهم وعائلاتهم، وبناء غزة من جديد، مشيرةً إلى أن القطاع كان دائماً يسجل أعلى نسب للمتعلمين والناجحين قبل الحرب، وأن آلة الدمار -وإن أحبطت الطلبة قليلاً- لم ولن توقف شغفهم بالتعليم.
وعن طموحها القادم، أعلنت ملاك عن رغبتها في الالتحاق بالجامعة الإسلامية لدراسة تخصص "ترجمة لغة إنجليزية"، وهو الحلم الذي رافقها منذ الصغر وتراه تخصصاً مناسباً يبشر بفرص إبداعية تتلاءم مع الواقع الجغرافي والظروف الحالية التي يمر بها القطاع.

