"الفقر يفرض "الزيوت المهدرجة" على الموائد"
أرقام رسمية صادمة: استهلاك الفلسطيني لزيت الزيتون يتراجع إلى الثلث
كشف مدير عام مجلس الزيتون الفلسطيني، فياض فياض، عن تراجع حاد وصادم في حصة استهلاك الفرد الفلسطيني السنوية من زيت الزيتون، مؤكداً أن الاستهلاك انخفض إلى نحو ثلث الكمية المفترض تناولها صحياً، وسط تفاوت كبير بين الريف والمدن والمخيمات ناتج عن الظروف الاقتصادية الصعبة والارتفاع الجنوني للأسعار.
وأوضح فياض، في حديثه الإذاعي الأسبوعي عبر "راية"، أن الهرم الغذائي العالمي يوصي باستهلاك 25 غراماً من زيت الزيتون يومياً (ما يعادل ملعقة طعام كبيرة أو ملعقة ونصف ملعقة صغيرة)، وهو ما يعني ضرورة استهلاك كل فرد قرابة 9 كيلوغرامات (أو ما يقارب 3 إلى 4 لترات) سنوياً لضمان الاستفادة من خواصه الغذائية والعلاجية كـ "دواء وغذاء".
وأشار مدير عام مجلس الزيتون إلى أن الإحصائيات الرسمية تعكس واقعاً متدنياً للغاية في معدلات الاستهلاك المحلية؛ حيث يبلغ متوسط استهلاك الفرد العام في فلسطين حالياً 3.5 كيلوغرام فقط سنوياً.
وتتوزع هذه النسبة بشكل متباين تِبعاً للطبيعة الجغرافية والمعيشية، إذ يسجل الريف الفلسطيني المعدل الأعلى بواقع 7 كيلوغرامات للفرد سنوياً، وهو رقم يظل أقل من الحد الصحي المطلوب، والمدن الفلسطينية ينخفض فيها الاستهلاك بشكل حاد ليصل إلى كيلوغرامين اثنين فقط للفرد، فيما المخيمات الفلسطينية وصفت المؤشرات الوضع فيها بـ "السيئ للغاية"، حيث لا يتجاوز استهلاك الفرد نصف كيلوغرام على مدار العام كاملًا.
ونوه فياض إلى أن احتساب هذه الأرقام يعتمد على بواقي الإنتاج المحلي بعد التصدير مقسوماً على عدد السكان، مستدركاً بأن الأرقام الإحصائية الصادرة عن المعاصر غالباً ما تكون غير دقيقة نتيجة تخوف أصحاب المعاصر من الملاحقات الضريبية، مما يجعل بعض التقديرات مبنية على حسابات تقريبية.
وقارن فياض هذا الواقع بدول أخرى كاليونان التي يتصدر مواطنوها العالم باستهلاك 27 كيلوغراماً للفرد سنوياً، وسوريا التي تصدرت العالم العربي لاعتماد مواطنيها عليه كمادة غذائية استراتيجية كاملة تدعم الصمود والتغلب على الأزمات المعيشية.
وعزا فياض أسباب هذا التراجع التاريخي — حيث كان الفلاح الفلسطيني قبل 40 إلى 50 عاماً يستهلك قرابة 17 كيلوغراماً سنوياً (بمعدل تنكة زيت لكل فرد في الأسرة بالإضافة لتنكة إضافية مخصصة للضيوف والطوارئ) — إلى محورين رئيسيين، أولهما، الوضع الاقتصادي والقدرة الشرائية، إذ تعد الحالة الاقتصادية المحرك الأساسي لحجم الاستهلاك؛ فالارتفاع الجنوني في الأسعار خلال المواسم الأخيرة أجبر العائلات التي كانت تشتري 6 تنكات على الاكتفاء بتنكة واحدة فقط.
والمحور الثاني، وفق فياض، الاعتماد على البدائل الرخيصة (ظاهرة كسر الزيت)، حيث يلجأ المواطنون إلى الزيوت النباتية كزيت الذرة وزيت عباد الشمس لرخص ثمنها.
وكشف فياض عن رصده ظاهرة خطيرة في قطاع غزة خلال عمله لسنوات في تسويق الزيتون، حيث تضطر العائلات نتيجة العوز إلى "كسر" تنكة زيت الزيتون بتنكة من زيت الذرة الخفيف لمضاعفة الكمية وتغطية الاحتياج.
وحذر فياض من العواقب الصحية الوخيمة التي تدفعها الأسر الفلسطينية نتيجة استبدال زيت الزيتون البكر بالزيوت المهدرجة والزبدة الصناعية (التي يصل استهلاك الفرد المحلي منها إلى 9 كيلوغرامات سنوياً).
وتتمثل أبرز العواقب في تفشي الأمراض المزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم، والكوليسترول، والسمنة المفرطة، وأمراض القلب والشرايين، واختلاف جودة وصحة الأجيال الحالية مقارنة بالأجداد، وكذلك استنزاف جيوب المواطنين والموازنات الحكومية في العلاج وفواتير التأمين الصحي.
وضرب فياض مثلاً بالتجربة الأمريكية؛ حيث تسببت حملات مضللة في الثمانينات لصالح صناعات الذرة في محاربة زيت الزيتون، قبل أن تستفيق الدراسات الحديثة على فوائده، وتستهلك أمريكا اليوم 475 ألف طن سنوياً، مما وفر على خزينة التأمين الصحي الأمريكية قرابة 700 مليار دولار نتيجة انخفاض أمراض القلب.
ووجه فياض نداء عاجلًا لكافة أرباب الأسر لاعتبار شراء زيت الزيتون الأصلي بمثابة "استثمار حقيقي في صحة أبنائهم"، داعياً إلى ضرورة الالتفات لهذه الشجرة المباركة والمقدسة المرتبطة بالهوية الفلسطينية لدق ناقوس الخطر وحماية المجتمع من الأوبئة الصحية المرتبطة بالأنماط الغذائية الدخيلة.

