خاص | بوادر أمل بعودة العمال الفلسطينيين إلى الداخل بعد تجميد استقدام الأجانب
قال المستشار القانوني لنقابة العمال العرب في الناصرة، وهبة بدارنة، إن هناك تطورات وتحركات جديدة بشأن عودة العمال الفلسطينيين إلى سوق العمل داخل إسرائيل، لكنه حذر في الوقت نفسه من المبالغة في الأخبار المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن العودة الشاملة للعمال لم تتحقق حتى الآن.
وأوضح بدارنة، في حديث خاص عبر شبكة رايـــة الإعلامية، أن قضية العمال الفلسطينيين شهدت خلال الفترة الأخيرة تطورات متسارعة، بالتزامن مع تجميد استقدام عمال أجانب، ولا سيما من الهند، مشيرًا إلى أن هذه التطورات قد تفتح المجال أمام عودة أعداد أكبر من العمال الفلسطينيين.
بدارنة يحذر من الشائعات: العمال يتعلقون بأي بارقة أمل
ودعا بدارنة العمال الفلسطينيين إلى التعامل بحذر مع الأخبار التي تتداولها شبكات التواصل الاجتماعي حول فتح سوق العمل أمام الفلسطينيين، مشددًا على ضرورة عدم الترويج لمعلومات غير دقيقة.
وقال إن العمال يعيشون أوضاعًا اقتصادية صعبة، ولذلك فإن أي خبر عن عودتهم إلى العمل داخل إسرائيل يخلق حالة من الأمل، مشيرًا إلى أن العامل، في ظل الظروف الراهنة، قد يتعلق بأي بارقة أمل بحثًا عن مصدر دخل يعيل به أسرته.
وأضاف أن هناك بالفعل تطورات حقيقية في ملف العمال، لكن ذلك لا يعني أن قرارًا نهائيًا صدر بعودة جميع العمال الفلسطينيين.
تجميد استقدام العمال الأجانب من الهند
وكشف بدارنة عن تطور وصفه بالمهم، تمثل في قرار أصدرته وزارة الداخلية الإسرائيلية خلال الأسبوع الماضي، يقضي بتجميد التعامل مع طلبات استقدام العمال الأجانب، وخصوصًا العمال القادمين من الهند.
وأوضح أن القرار، بحسب المعلومات التي أوردها، شمل أيضًا الطلبات التي كانت قد تقدمت بها شركات القوى العاملة الإسرائيلية سابقًا، ما يعني عدم دخول عمال أجانب جدد في المرحلة الحالية، إلى حين صدور قرار جديد من وزارة الداخلية يلغي أو يعدل القرار.
وأشار إلى أن هذا التطور يضع علامات استفهام حول الأنباء التي تحدثت سابقًا عن نية إسرائيل استقدام نحو 50 ألف عامل هندي.
هل يرتبط القرار بالانتخابات الإسرائيلية؟
ورجح بدارنة وجود عاملين أساسيين وراء التغيير في السياسة الإسرائيلية تجاه العمال الأجانب.
وقال إن العامل الأول يرتبط، وفق تقديره، باتصالات وتحركات بين قوى وأحزاب إسرائيلية وأعضاء كنيست عرب، في ظل الحديث عن الائتلاف الحكومي المقبل، واحتمال وضع قضية العمال الأجانب والفلسطينيين ضمن الملفات التي يجري التفاوض بشأنها.
وأكد أن عودة العمال الفلسطينيين يجب أن تكون، من وجهة نظره، قضية أساسية على جدول أعمال الأحزاب العربية في الكنيست، باعتبارها تمس عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين الذين يعانون أوضاعًا اقتصادية صعبة.
«لا بديل عن العامل الفلسطيني»
أما العامل الثاني، فيرى بدارنة أنه أكثر أهمية، ويتمثل في وصول جهات سياسية وأمنية إسرائيلية إلى قناعة بأن العامل الفلسطيني لا يمكن استبداله بسهولة بالعمال الأجانب.
واستند في ذلك إلى حاجة قطاعات واسعة من سوق العمل الإسرائيلي إلى العمال الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن آلاف العمال الفلسطينيين ما زالوا يعملون في المستوطنات.
وقال إن نحو 20 ألف عامل فلسطيني أو أكثر يعملون في المستوطنات، بحسب المعطيات التي أوردها، متسائلًا عن إمكانية تنفيذ أعمال البناء فيها من دون العمال الفلسطينيين.
وأشار إلى أن الاعتماد على العمال الفلسطينيين لا يقتصر على قطاع البناء، وإنما يمتد إلى قطاعات أخرى في سوق العمل الإسرائيلي.
نحو 10 آلاف تصريح جديد.. لكن العودة ليست شاملة
وأوضح بدارنة أن إسرائيل منحت خلال الأشهر الستة الأخيرة نحو 10 آلاف تصريح لعمال فلسطينيين، وخصوصًا من شمال الضفة الغربية.
وأشار إلى أن حركة العمال يمكن ملاحظتها عند بعض الحواجز، ومنها حاجز برطعة، حيث يدخل العمال إلى أماكن عملهم ويعودون لاحقًا بتصاريح، في مؤشر على وجود عودة جزئية ومحدودة إلى سوق العمل.
لكنه شدد على أن ذلك لا يمثل الحل المطلوب بالنسبة للعمال الفلسطينيين، مؤكدًا أن الهدف يجب أن يكون عودة جميع العمال الفلسطينيين إلى مواقع العمل ضمن ترتيبات واضحة وآمنة.
الحاجة الإسرائيلية للعمال تصطدم بالقيود السياسية
وقال بدارنة إن الحاجة الإسرائيلية إلى العمال الفلسطينيين تبدو واضحة رغم استمرار القيود السياسية والأمنية، مشيرًا إلى أن ظروف العمال الفلسطينيين لم تتحسن بالضرورة، وأن مظاهر العنصرية والاعتداءات ضد الفلسطينيين ما زالت قائمة، بل إنها، وفق وصفه، ازدادت خلال الفترة الأخيرة.
وأضاف أن وجود عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين في سوق العمل الإسرائيلي، بصورة رسمية أو غير رسمية، يكشف حجم الحاجة إليهم، رغم الخطاب السياسي الإسرائيلي المتشدد.
30 ألف عامل يعملون دون تصاريح
ونقل بدارنة عن اتحاد أرباب العمل في قطاع الترميمات والبناء الإسرائيلي معطيات تشير إلى ارتفاع عدد العمال الفلسطينيين الذين يعملون دون تصاريح من نحو 8 آلاف عامل إلى قرابة 30 ألف عامل.
وقال إن هذه الظاهرة أصبحت ملموسة في عدد من البلدات العربية داخل إسرائيل، ومنها الناصرة ومناطق أخرى، مشيرًا إلى أن العمال يبحثون عن أي طريقة للوصول إلى أماكن العمل بسبب حاجتهم إلى مصدر دخل.
وأضاف أن عمالًا فلسطينيين يدخلون عبر الحواجز أو يتجاوزون الجدار، رغم المخاطر الأمنية والقانونية، لأن الحاجة إلى العمل تدفعهم إلى ذلك.
توقف جزء كبير من أعمال البناء والترميم
وأشار بدارنة إلى أن قطاع البناء والترميم الإسرائيلي يعاني بدوره من نقص العمال الفلسطينيين، مؤكدًا أن جزءًا كبيرًا من مواقع العمل توقف بسبب غياب العمال.
وبحسب المعطيات التي نقلها عن اتحاد أرباب العمل في قطاع الترميمات، فإن نحو 50% من مواقع العمل في بعض قطاعات البناء والترميم توقفت بصورة كاملة نتيجة نقص العمال.
وأضاف أن مقاولين وشركات إسرائيلية، بمن فيهم مقاولون عرب داخل إسرائيل، باتوا يواجهون صعوبة كبيرة في مواصلة أعمالهم في ظل غياب العمال الفلسطينيين.
تجميد مشروع استقدام 50 ألف عامل
وأوضح بدارنة أن الخطة الإسرائيلية السابقة لاستقدام نحو 50 ألف عامل أجنبي كانت مرتبطة، من بين أمور أخرى، بأعمال البنية التحتية ومشاريع النقل في منطقة تل أبيب، ومنها مشروع شبكة قطارات تمتد عبر عشرات البلدات في منطقة غوش دان.
وأشار إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه المشاريع كان يحتاج إلى عشرات الآلاف من العمال، لكن خطة استقدام العمال الأجانب جرى تجميدها في الوقت الراهن.
واعتبر أن هذا التطور، إلى جانب الحاجة الفعلية في سوق العمل، قد يشكل عامل ضغط باتجاه إعادة فتح المجال أمام العمال الفلسطينيين.
العمال الفلسطينيون يتقدمون رغم المخاطر
وقال بدارنة إن العمال الفلسطينيين يواصلون البحث عن فرص العمل حتى في ظل المخاطر، لأن الأولوية بالنسبة لهم هي تأمين لقمة العيش.
وأشار إلى أن عددًا كبيرًا من العمال يعملون بصورة غير رسمية، رغم احتمالات الاعتقال والملاحقة، معتبرًا أن ذلك يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي يعيشها العمال وعائلاتهم.
ولفت إلى حادثة إصابة عامل فلسطيني على جدار الروم، قبل نقله إلى الهلال الأحمر ثم إلى أحد المستشفيات الفلسطينية، باعتبارها مثالًا على المخاطر التي يواجهها العمال خلال محاولات الوصول إلى أماكن العمل.
لماذا فشل استقدام العمال الهنود في سد الفراغ؟
وفي تقييمه لتجربة العمال الأجانب، قال بدارنة إن العامل الأجنبي أثبت أنه ليس بديلًا حقيقيًا للعامل الفلسطيني، ليس فقط في قطاع البناء والترميم، وإنما في مجالات مختلفة داخل سوق العمل الإسرائيلي.
وأشار إلى أن العمال الأجانب، ومن بينهم الهنود، جرى تشغيل عدد كبير منهم في قطاع النظافة داخل المصانع وورش العمل، وليس في الوظائف التي كان يُفترض أن تسد النقص في قطاع البناء والبنية التحتية.
كما تحدث عن صعوبات تتعلق باللغة والخبرة بطبيعة سوق العمل، مشيرًا إلى أن العمال الفلسطينيين يمتلكون خبرة طويلة، ويتحدثون العربية والعبرية، ولديهم معرفة ببيئة العمل الإسرائيلية.
«العامل الفلسطيني يعلّم العامل الأجنبي»
وضرب بدارنة مثالًا على ذلك بقصة شاهدها في إحدى ورش العمل قرب تل أبيب، حيث كان عامل فلسطيني من طولكرم يقدم تعليمات وإرشادات لعمال أجانب، بينهم هنود وتايلنديون، حول طبيعة العمل وإجراءات السلامة المهنية.
وقال إن هذه الواقعة تعكس، بحسب رأيه، حجم الخبرة التي يمتلكها العامل الفلسطيني، متسائلًا عن جدوى استقدام العمال الأجانب في الوقت الذي يعتمد فيه أصحاب العمل على العمال الفلسطينيين لتدريبهم وتوجيههم.
أموال ومستحقات العمال.. دعوة إلى عدم التسرع
وتطرق بدارنة إلى ملف مستحقات العمال الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن عددًا من العمال يسألون عن إمكانية سحب الأموال والمستحقات المالية المتراكمة لهم.
ودعا العمال إلى عدم التسرع في اتخاذ قرارات بشأن هذه الأموال، مشيرًا إلى أنه ظل طوال السنوات الثلاث الماضية يحث العمال على الانتظار، رغم صعوبة الظروف، لأنه كان يرى إمكانية حدوث تغيير في ملف العمل.
وقال إن التطورات الأخيرة، رغم محدوديتها، تمثل بالنسبة له أول بوادر أمل حقيقية منذ بداية الحرب على قطاع غزة، مع التأكيد على أن ترجمة هذه المؤشرات إلى عودة فعلية وشاملة لا تزال بحاجة إلى خطوات سياسية وإدارية واضحة.
العمال العرب يطالبون بوضع عودة الفلسطينيين على جدول الأعمال السياسي
وأكد بدارنة أن قضية العمال الفلسطينيين يجب ألا تبقى ملفًا اقتصاديًا منفصلًا عن القضايا الفلسطينية الأخرى، مشددًا على ضرورة أن تضع الأحزاب العربية في الكنيست عودة العمال على جدول أعمالها في أي نقاش يتعلق بالحكومة الإسرائيلية المقبلة.
وأضاف أن القضية يجب أن تُطرح ضمن رؤية أشمل تتناول قضايا الفلسطينيين، بما فيها الاستيطان والأرض والهوية وما يجري في الضفة الغربية، إلى جانب قضية العمال.
«نريد عودة العمال جميعًا»
وخلص بدارنة إلى أن المؤشرات الحالية لا تسمح بالقول إن عودة العمال الفلسطينيين أصبحت وشيكة أو مؤكدة، لكنها في الوقت ذاته تشير إلى وجود تحركات وضغوط داخل إسرائيل لإعادة فتح سوق العمل أمام الفلسطينيين.
وقال إن تجميد استقدام العمال الأجانب، والحاجة المتزايدة إلى العمال الفلسطينيين، والضغط الذي تمارسه قطاعات اقتصادية وأحزاب وأعضاء كنيست، كلها عوامل قد تدفع باتجاه توسيع عودة العمال.
وأكد أن المطلوب بالنسبة للعمال الفلسطينيين ليس عودة محدودة لعشرات الآلاف بشكل جزئي، وإنما عودة شاملة ومنظمة إلى مواقع العمل، بما يضمن لهم مصدر رزق ويعيد إلى سوق العمل الإسرائيلي جزءًا أساسيًا من قوته العاملة الفلسطينية.



