"ما تبقى".. فيلم من غزة يفوز بمسابقة الفيلم الوثائقي لطلبة التعليم العالي
حصد الفيلم الوثائقي «ما تبقى»، من إنتاج فريق من طلبة قطاع غزة، المركز الأول في مسابقة الفيلم الوثائقي لطلبة التعليم العالي، في إنجاز جاء رغم الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع واستمرار التحديات التي تواجه العملية التعليمية والإنتاج الفني.
وتروي صانعة الأفلام سارة المشهراوي قصة الفيلم، الذي يتناول الكلية الجامعية في غزة، من خلال الانتقال بين صورتها قبل الحرب وما حل بها من دمار، وبين ذكريات الطلبة والأكاديميين الذين عاشوا فيها مراحل مختلفة من حياتهم العلمية والأكاديمية.
وقالت المشهراوي في حديث عبر شبكة رايـــة الإعلامية، إن حصول الفيلم على المركز الأول شكّل لحظة مهمة للفريق، خصوصًا أن العمل كان ثمرة جهد جماعي خلال فترة صعبة، مؤكدة أن الفيلم لم يتوقف عند تصوير الدمار، وإنما حاول البحث عما بقي من المكان والذاكرة والتعليم والإرادة.
من الدمار إلى الذاكرة والاستمرار
وأوضحت المشهراوي أن الفيلم يبدأ من صورة الكلية بعد تدميرها، ثم يعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، وإلى الحياة الأكاديمية التي احتضنتها والمسارات التي بدأت داخلها وصولًا إلى تخرج الطلبة.
وأضافت أن السرد يعتمد على شهادات طالب وأكاديمي عاشا المكان، لينتقل الفيلم من الذاكرة والعلاقة بالمكان إلى الحرب التي قطعت ذلك الإيقاع، ثم إلى واقع التعليم الذي استمر رغم فقدان المكان.
وقالت إن الكلية استعادت شيئًا من حضورها من خلال أماكن متفرقة، وهو ما دفع الفيلم إلى التحرك في مسار يبدأ من الدمار إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الاستمرار والأمل والحياة.
لماذا «ما تبقى»؟
وحول اختيار اسم الفيلم، أوضحت المشهراوي أن عنوان «ما تبقى» لا يشير فقط إلى ما بقي من مبنى الكلية بعد تدميره، وإنما يحمل دلالة أوسع تتكشف تدريجيًا مع تقدم الفيلم.
وأشارت إلى أن المشاهد قد يفهم العنوان في البداية على أنه يشير إلى ما تبقى من الجامعة ماديًا، لكن السرد يكشف أن الدمار لم يستطع محو كل شيء، إذ بقيت التجربة في ذاكرة الطلبة والأكاديميين.
وأضافت أن «ما تبقى» يشمل المكان والذكريات، لكنه يتجاوزهما أيضًا ليصل إلى الإرادة والأمل والرغبة في الاستمرار.
الكلية.. أكثر من مبنى
وأشارت المشهراوي إلى أن اختيار الكلية موضوعًا للفيلم لم يكن صدفة، بل جاء نتيجة العلاقة الشخصية التي تربط فريق العمل بالمكان، باعتبارهم طلبة عاشوا فيه مراحل مهمة من حياتهم.
وأضافت أن قصة الكلية ترتبط بصورة أوسع بما تعرض له قطاع التعليم في غزة من تدمير واضطراب، ولذلك استطاع الفريق من خلال توثيق تجربته مع الكلية أن يقدم صورة إنسانية عن واقع التعليم خلال الحرب.
وقالت إن الفيلم حاول توثيق ما وصفته بـ**«الإبادة التعليمية»**، من خلال التركيز على تدمير المكان من جهة، وعلى استمرار العملية التعليمية ومحاولات الطلبة والأكاديميين الحفاظ عليها من جهة أخرى.
تصوير المكان كان تجربة نفسية صعبة
وأكدت المشهراوي أن تصوير الفيلم لم يكن مهمة سهلة على المستوى النفسي، خصوصًا أن أعضاء الفريق عاشوا في الكلية قبل الحرب، ولديهم فيها ذكريات شخصية وأكاديمية.
وأوضحت أن رؤية المكان بالشكل الذي ظهر عليه بعد الدمار كانت مؤلمة، لكنها في الوقت ذاته فرضت على فريق العمل مسؤولية الفصل بين المشاعر الشخصية ومتطلبات صناعة الفيلم.
وقالت إن الفريق حاول تجاوز صعوبة التجربة والتركيز على تقديم عمل وثائقي يمتلك رؤية إخراجية متماسكة، رغم الظروف التي رافقت التصوير والإنتاج.
التعليم في غزة.. من القاعات إلى التعليم الإلكتروني
وتحدثت المشهراوي عن التغيرات الكبيرة التي طرأت على التعليم في قطاع غزة خلال الحرب، مشيرة إلى انتقال الطلبة إلى التعليم الإلكتروني خلال فترات طويلة.
وأضافت أن هذه الظروف انعكست أيضًا على صناعة الأفلام، حيث يعمل صناع المحتوى في بيئة إنتاجية غير مستقرة، بالتزامن مع دراستهم في بيئة تعليمية غير مستقرة.
لكنها شددت على أن التحدي لم يعد فقط كيفية إنجاز الفيلم، وإنما أصبح يتمثل في كيفية التعلم والإنتاج والبحث عن البدائل في الوقت نفسه.
وأشارت إلى أن الحرب أضعفت الكثير من المساحات التي يحتاج إليها صانع الفيلم لتطوير نفسه، مثل ورش العمل والمهرجانات وفرص التدريب والتفاعل مع التجارب الأخرى.
مواهب غزة تبحث عن مساحات للاستمرار
وأكدت المشهراوي أن الظروف الصعبة لم تلغِ وجود المواهب والأفكار في غزة، مشيرة إلى أن القطاع لا يزال يضم طاقات شابة تمتلك حسًا بصريًا وقدرة على صناعة الأفلام.
وقالت إن الشباب اضطروا إلى البحث عن بدائل للتعلم والإنتاج في ظل تراجع المساحات المتاحة أمامهم، معتبرة أن استمرارهم في العمل والإبداع يمثل بحد ذاته شكلًا من أشكال المقاومة الثقافية وصناعة الأمل.
«غزة ليست دمارًا فقط»
وأوضحت المشهراوي أن أحد أهم أهداف الفيلم كان إظهار الجانب الآخر من غزة، بعيدًا عن صور الدمار التي تهيمن على التغطية الإعلامية اليومية.
وقالت إن الفريق أراد من خلال الفيلم أن يبين كيف كانت الكلية مكانًا للعلم والحياة والذكريات، وكيف تحولت الحرب صورتها، لكنه في الوقت نفسه أراد التأكيد على أن هذه الصورة ليست كل ما تمثله غزة.
وأضافت أن غزة، رغم الدمار الذي أصابها، ما زالت قادرة على إنتاج الأفكار وصناعة الفرق والخروج من الواقع الصعب بصورة مختلفة، مستعيرة صورة العنقاء التي تنهض من بين الرماد.
تجربة غيّرت مسار صانعة الفيلم
وعن تجربتها الشخصية، قالت المشهراوي إن «ما تبقى» كان محطة مهمة في مسيرتها كصانعة أفلام، لأنه نقلها من التعامل مع الفكرة إلى تحمل مسؤولية إنتاج فيلم كامل.
وأوضحت أن الفيلم يمثل أول تجربة لها بعد الحرب، وهو ما وضعها أمام قرارات ميدانية وإخراجية في ظروف شديدة الصعوبة.
وأضافت أن التجربة علمتها أهمية الصبر والمرونة في صناعة الفيلم الوثائقي، خصوصًا أن الواقع قد يكشف أثناء التصوير تفاصيل لم تكن موجودة في الرؤية الأولية للعمل.
وأكدت أن التجربة عززت رغبتها في الاستمرار في مجال صناعة الأفلام وتطوير لغتها الإخراجية، والعمل على أفلام تمتلك موقفًا ورؤية وتعكس صورة غزة وفلسطين، بدل الاكتفاء بمجرد توثيق الحدث.
الفيلم كأداة لحفظ الذاكرة الفلسطينية
ويقدم «ما تبقى» تجربة تتجاوز حدود توثيق مبنى جامعي تعرض للدمار، إلى محاولة للحفاظ على ذاكرة المكان والأشخاص الذين عاشوا فيه، وربط الماضي بالحاضر والمستقبل.
ويعكس الفيلم، من خلال شهادات الطلبة والأكاديميين وصورة المكان قبل الحرب وبعدها، جانبًا من تأثير الحرب على التعليم والحياة الأكاديمية، لكنه في الوقت نفسه يركز على استمرار الإنسان الفلسطيني في البحث عن سبل للتعلم والإبداع وصناعة الأمل.
وبفوزه بالمركز الأول في مسابقة الفيلم الوثائقي لطلبة التعليم العالي، يضيف «ما تبقى» تجربة جديدة إلى محاولات الشباب الفلسطيني في غزة استخدام السينما والوثائقيات لحفظ الذاكرة والتعبير عن واقعهم ورؤيتهم للمستقبل.



