خاص | أعياد الاحتلال في أيلول.. الأقصى يرزح تحت خطر تفجير جديد!
قال الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص، إن المسجد الأقصى المبارك يدخل مرحلة جديدة من التصعيد، مع انتقال الاحتلال الإسرائيلي والجماعات الاستيطانية من التركيز على زيادة أعداد المقتحمين إلى محاولة تكريس طقوس دينية يهودية داخل المسجد، وفرض تغييرات على أوقات الاقتحامات وطبيعة الحضور فيه.
وأوضح ابحيص، في حديث لشبكة رايـــة الإعلامية، أن موسم الأعياد اليهودية، الذي يبدأ برأس السنة العبرية ويمتد لنحو 20 يوماً، لطالما شكل ذروة للتصعيد والاعتداءات على المسجد الأقصى، مشيراً إلى أن منظمات «الهيكل» تحاول، بدعم من الحكومة الإسرائيلية، استغلال هذا الموسم لتغيير هوية المسجد ونقله من كونه مقدساً إسلامياً إلى ما وصفه بـ«المقدس المشترك»، تمهيداً لمشروع تهويده.
بن غفير يعلن السعي لتغيير هوية الأقصى
وأشار ابحيص إلى أن تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير خلال اقتحامه المسجد الأقصى تمثل، بحسب تقديره، إعلاناً واضحاً عن نوايا الحكومة الإسرائيلية، لافتاً إلى تعهده بمواصلة العمل التدريجي لتغيير هوية المسجد وصولاً إلى إقامة «الهيكل».
وأضاف أن السماح بنفخ البوق داخل المسجد الأقصى خلال رأس السنة العبرية، أو مشاركة بن غفير نفسه في هذه الطقوس، من شأنه أن يشكل سابقة خطيرة في مسار التعامل مع المسجد كمكان عبادة مشترك، ويكرس ادعاء المستوطنين بوجود حق ديني لهم داخله.
وقال إن منظمات «الهيكل» تنظر إلى فرض الطقوس التوراتية داخل الأقصى باعتباره خطوة معنوية نحو إقامة الهيكل، من خلال التعامل مع المسجد على أنه أصبح مقدساً مشتركاً، بما يمهد لاحقاً لخطوات أكثر خطورة على المستوى الميداني.
محاولات لتغيير أوقات الاقتحام
ولفت الباحث إلى أن محاولات تغيير واقع المسجد لا تقتصر على الطقوس، بل تشمل أيضاً السعي إلى تغيير أوقات الدخول والاقتحام.
وأوضح أن منظمات «الهيكل» أطلقت منذ 23 تموز/يوليو الماضي، بالتزامن مع اقتحام المسجد في ذكرى ما يسمى «خراب الهيكل»، حملة للمطالبة بفتح المسجد أمام المستوطنين يوم السبت.
وبحسب ابحيص، فإن هذه المطالب تستهدف تحويل يوم السبت إلى يوم مخصص لليهود داخل المسجد الأقصى، على غرار تخصيص يوم الجمعة للمسلمين، بما يعني فرض واقع جديد على أوقات الصلاة والدخول إلى المسجد.
كما أشار إلى وجود مطالب بفتح المسجد أمام المقتحمين خلال ساعات المساء، وإضافة فترة ثالثة للاقتحامات بعد صلاة العشاء، إلى جانب الفترتين الصباحية وما بعد الظهر، بما يؤدي إلى زيادة ساعات وجود المستوطنين داخل المسجد.
مظلة في الساحة الشرقية.. خطوة نحو واقع دائم
وحذر ابحيص من احتمال تكرار ما جرى في 23 تموز/يوليو الماضي، عندما فرضت شرطة الاحتلال مظلة مؤقتة في الساحة الشرقية للمسجد الأقصى، معتبراً أن الخطر يكمن في تحويل الإجراء المؤقت إلى واقع دائم.
وقال إن استمرار وجود هذه المظلة قد يؤدي إلى حرمان المصلين من الساحة الشرقية، وصولاً إلى اقتطاعها وتخصيصها للمستوطنين، بالتزامن مع استمرار استهداف منطقة باب الرحمة.
وأضاف أن استهداف باب الرحمة يترافق مع تفريغ قبة الغزال القائمة فوقه، واستهداف مبنى دار الحديث الشريف الواقع إلى شماله، في المساحة الممتدة بين باب الرحمة وباب الأسباط، معتبراً أن هذه الإجراءات تأتي ضمن مسار منهجي ومتدرج بدأ منذ سنوات.
تهميش الأوقاف تمهيد لإدارة إسرائيلية
وفي جانب آخر، حذر ابحيص من أن الخطر لا يقتصر على الطقوس والاقتحامات، وإنما يمتد إلى محاولة تغيير إدارة المسجد الأقصى نفسها.
وقال إن دائرة الأوقاف الإسلامية في المسجد تعرضت منذ ما قبل شهر رمضان الماضي إلى تهميش متزايد، وصل، بحسب قوله، إلى منعها من أداء بعض مهامها الأساسية، بما فيها أعمال التنظيف والصيانة والإعمار.
وأشار إلى أن الهدف، وفق تقديره، قد يكون الوصول إلى مرحلة تصبح فيها الأوقاف جهة شكلية، أو حتى إلغاؤها واستبدالها بإدارة إسرائيلية تتولى شؤون المسجد.
وأضاف أن هذا الطرح ليس جديداً، مشيراً إلى أنه سبق أن ظهر في سياقات سياسية مرتبطة بما عُرف بـ«صفقة القرن»، والتي تضمنت، بحسب قوله، تصوراً لوضع المسجد الأقصى تحت إدارة إسرائيلية باعتباره «مكاناً مشتركاً».
تضييق على الأوقاف مقابل تعزيز الوجود الشرطي
وبيّن ابحيص أن سلطات الاحتلال تواصل منع موظفي الأوقاف من دخول المسجد من الضفة الغربية، إلى جانب سياسة الإبعاد والضغط المستمر عليهم.
وأشار إلى أن عدد حراس الأوقاف الموجودين في المناوبة الصباحية أصبح، بحسب المعطيات التي عرضها، نحو 20 حارساً من أصل 57، في حين تعمل شرطة الاحتلال على زيادة قواتها في المسجد الأقصى إلى نحو 600 عنصر.
وأضاف أن هذا الفارق الكبير في الأعداد من شأنه أن يعزز سيطرة شرطة الاحتلال على تفاصيل الحياة اليومية داخل المسجد، بما في ذلك التحكم في حركة الدخول والخروج، ويؤسس تدريجياً لواقع تصبح فيه الشرطة الإسرائيلية صاحبة اليد العليا في إدارة المسجد.
12 قرية داخل «منطقة إطلاق النار 918»
وحذر الباحث من أن التطورات داخل المسجد الأقصى تأتي في إطار أوسع من التصعيد الإسرائيلي في القدس والضفة الغربية.
وقال إن الاحتلال يسعى إلى فرض تغييرات تدريجية على المسجد، مشيراً إلى أن مشروع إقامة «الهيكل» لا ينسجم مع استمرار إدارة المسجد من قبل الأوقاف الإسلامية، ما يجعل مسألة تغيير الإدارة جزءاً من هذا المسار.
وأشار إلى أن «المساحة» التي يحاول الاحتلال فرضها داخل المسجد ليست بالضرورة مفتوحة أمامه كما يتصور، مؤكداً أن الأقصى ظل على مدار العقود الماضية عنواناً قادراً على تحريك الإرادة الشعبية والدفاع عنه.
«الأقصى» كان دائماً عنواناً للمواجهة
وأكد ابحيص أن المسجد الأقصى شكل على مدار العقود الماضية محوراً لموجات من المواجهة والهبات الشعبية، مشيراً إلى محطات عديدة منذ عام 1990 أثبت فيها المسجد قدرته على استدعاء حالة شعبية واسعة للدفاع عنه.
وأضاف أن أشكال الدفاع عن المسجد تعددت بين الرباط، والهبات الشعبية، وإعمار المسجد، والمبادرات المختلفة، ومن بينها «الفجر العظيم»، معتبراً أن الإرادة الشعبية كانت عاملاً رئيسياً في تعديل ميزان القوة أمام محاولات فرض واقع جديد في المسجد.
دعوة لاستعادة معادلة الردع
ورأى ابحيص أن مواجهة مخططات الاحتلال تتطلب استعادة حالة من الردع، وعدم الاكتفاء بالتصريحات والمواقف الموسمية.
وقال إن المسجد الأقصى تحول إلى قضية مركزية في الفكر الصهيوني، وإن تغيير هويته لم يعد، وفق تقديره، مسألة هامشية، بل باتت تحظى بدعم سياسي إسرائيلي متزايد، إلى جانب ما وصفه بتراجع عربي وإسلامي رسمي في التعامل مع ملف القدس.
وأضاف أن المطلوب فلسطينياً وعربياً وإسلامياً ودولياً هو تشكيل ضغط حقيقي ومؤثر، سواء عبر المواقف الشعبية، أو المقاطعة، أو الضغط السياسي والدبلوماسي، أو نزع الشرعية عن الإجراءات الإسرائيلية، مؤكداً أن استمرار غياب الردع سيشجع الاحتلال على مواصلة خطواته.
من الاقتحام إلى الصلاة.. مرحلة جديدة
وفي رده على سؤال حول الفرق بين مرحلة الاقتحامات السابقة والمرحلة الحالية، أوضح ابحيص أن التحول بدأ بشكل واضح منذ عام 2019، عندما انتقلت الجماعات الاستيطانية من مجرد محاولة فرض الوجود داخل المسجد إلى تحويل هذا الوجود إلى حضور ديني عبر أداء الطقوس.
وقال إن الفترة الممتدة من عام 2003 وحتى 2019 شهدت محاولات لفرض الاقتحامات الفردية والجماعية وزيادة أعداد المقتحمين وتوسيع ساعات الاقتحام، بينما شهدت المرحلة التالية انتقالاً إلى محاولة تكريس الصلاة والطقوس التوراتية.
وأشار إلى أن هذا المسار تعزز خلال السنوات الأخيرة من خلال إدخال أدوات ومستلزمات دينية إلى المسجد، ومنها «التفلين» و«الطاليت» وكتب الصلوات التوراتية، لافتاً إلى بدء إدخال كتاب «السدور» إلى المسجد بشكل يومي منذ 16 آب/أغسطس الماضي، وفق ما ذكر.
وأضاف أن الخطوة التالية قد تتمثل في إدخال البوق، ثم خزائن لحفظ لفائف التوراة، وهو ما اعتبره جزءاً من مسار يهدف إلى تكريس وجود ديني يهودي دائم داخل المسجد.
تمهيد للتقسيم المكاني
وحذر ابحيص من أن تحويل هذه الأدوات إلى وجود دائم داخل المسجد قد يفتح الباب أمام اقتطاع أجزاء منه وتخصيصها للصلوات والطقوس اليهودية، بما يمهد، وفق تقديره، لتكريس التقسيم المكاني للمسجد الأقصى.
وختم بالتأكيد على أن الانتقال من مجرد الاقتحام إلى أداء الصلاة والطقوس يمثل، بحسب رؤيته، مرحلة جديدة في مسار تغيير هوية المسجد، محذراً من أن تثبيت هذه الممارسات وتحويلها إلى واقع دائم قد يقود إلى خطوات أكثر خطورة في المستقبل.



