أصوات العرب تقلق اليمين.. "الليكود" يسعى لشطب المشتركة والموحدة
مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، لم يكتفِ حزب "الليكود" بخوض المعركة على أصوات الناخبين، بل قرر نقل جانب منها إلى ساحة قانونية وسياسية أكثر حساسية، بإعلانه اعتزامه تقديم طلبات إلى لجنة الانتخابات المركزية لشطب القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة، ومنعهما من خوض الانتخابات المقبلة.
وبرر "الليكود" خطوته باتهامات تتعلق بمواقف القائمتين من الجيش الإسرائيلي ومن حركتي "حماس" و"حزب الله"، معتبرًا أنه لا مكان في "الكنيست" لمن لا يعلن مواقف تتوافق مع الرواية الأمنية الإسرائيلية.
ماذا يعني الشطب قانونيًا؟
الشطب ليس قرارًا سياسيًا يملكه "الليكود" منفردًا، وإنما يبدأ بطلب يقدم إلى لجنة الانتخابات المركزية، التي تنظر في أهلية القوائم والمرشحين وفق معايير حددها "قانون أساس: الكنيست".
وتتمثل أبرز هذه المعايير في إنكار وجود "إسرائيل" كدولة يهودية وديمقراطية، أو التحريض على العنصرية، أو دعم الكفاح المسلح لدولة معادية أو لمنظمة تصنفها إسرائيل إرهابية.
وبالتالي، يستطيع "الليكود" تقديم طلب الشطب والمطالبة بمنع القائمتين من خوض الانتخابات، لكنه لا يستطيع تنفيذ القرار بنفسه؛ إذ يمر الطلب عبر لجنة الانتخابات المركزية، كما أن قراراتها المتعلقة بأهلية القوائم قابلة للطعن أمام المحكمة العليا الإسرائيلية.
وهذا يجعل المسار القانوني مفتوحًا على أكثر من مرحلة، ويعني أن تقديم طلب الشطب لا يساوي تلقائيًا إخراج القائمة من السباق الانتخابي.
وتكمن أهمية الخطوة الحالية في أن المعركة الحقيقية لا تتعلق فقط بما إذا كان الليكود سيقدم الطلب، وإنما بمدى قدرته على إقناع لجنة الانتخابات والمحكمة العليا بأن مواقف القائمتين تندرج ضمن الحالات التي يسمح القانون على أساسها بمنع قائمة أو مرشح من المشاركة في الانتخابات.
سوابق لمحاولات شطب القوائم العربية
ليست هذه المرة الأولى التي تُستخدم فيها آلية الشطب ضد الأحزاب والقوائم العربية، إذ شهدت الانتخابات الإسرائيلية السابقة محاولات مماثلة، وفي عدد من الحالات ألغت المحكمة العليا قرارات لجنة الانتخابات المركزية.
وفي انتخابات عام 2022، قررت لجنة الانتخابات المركزية شطب قائمة التجمع، قبل أن تنقض المحكمة العليا القرار وتسمح للقائمة بخوض الانتخابات.
كما شهدت انتخابات سابقة محاولات لشطب قوائم عربية، بدعوى دعم الإرهاب أو رفض تعريف "إسرائيل" كدولة يهودية، إلا أن قرارات الشطب لم تصمد دائمًا أمام المراجعة القضائية.
وعليه، فإن إعلان الليكود لا يعني تلقائيًا خروج المشتركة والموحدة من السباق الانتخابي؛ فالطريق إلى ذلك يمر بمراحل قانونية متعددة، وسيكون الاختبار الأهم في الأدلة التي سيقدمها الحزب، وفي تفسير لجنة الانتخابات والمحكمة العليا للمعايير القانونية المتعلقة بالشطب.
حسابات انتخابية خلف الطلب
ولا يبدو توقيت الخطوة منفصلًا عن الحسابات الانتخابية، فالانتخابات المقبلة تجري في ظل سباق شديد التقلب، بينما تشير استطلاعات وتقارير انتخابية إلى تراجع قوة الليكود، ومواجهة معسكرات اليمين خطر فقدان بعض المقاعد أو عدم امتلاك أغلبية مريحة تتيح لها تشكيل الحكومة.
وفي هذا السياق، تصبح أصوات الأحزاب العربية جزءًا من المعادلة السياسية، ليس بالضرورة باعتبارها كتلة ستدخل الحكومة، وإنما بسبب قدرتها على التأثير في عدد المقاعد التي يحصل عليها كل معسكر، وفي فرص نتنياهو وخصومه في تشكيل ائتلاف حكومي.
ومن هنا، يمكن قراءة محاولة الشطب من زاويتين؛ الأولى أيديولوجية وأمنية، مرتبطة بخطاب اليمين الإسرائيلي تجاه الأحزاب العربية، والثانية انتخابية بامتياز، إذ إن منع قوائم عربية من المنافسة قد يؤدي إلى إعادة توزيع جزء من الأصوات والمقاعد، ويغير حسابات تجاوز نسبة الحسم وتشكيل الائتلافات.
"الليكود" يربط الشطب بتشكيل الحكومة
المختص في الشأن الإسرائيلي مؤمن مقداد، أكد أن القائمة المشتركة تضم الجبهة والعربية للتغيير والتجمع، فيما تخوض القائمة العربية الموحدة "راعم" الانتخابات برئاسة منصور عباس، مشيرًا إلى أن الطرفين يتجهان إلى توقيع اتفاق فائض أصوات رغم خوضهما الانتخابات بشكل منفصل.
وقال مقداد إن "الليكود" يربط طلب الشطب مباشرة بمعركة تشكيل الحكومة، ويزعم أن القائمتين ستكونان شريكتين طبيعيتين لغادي آيزنكوت ويائير غولان وأفيغدور ليبرمان.
وأضاف، في حديث لـ"قدس برس"، أنه لا يوجد حتى الآن اتفاق ائتلافي معلن بين هذه الأطراف، ولذلك فإن هذا الطرح يمثل جزءًا من خطاب حملة الليكود أكثر من كونه حقيقة سياسية محسومة.
وأشار إلى أن أهمية القائمتين تكمن في أن استطلاعات الرأي تمنحهما ما بين 11 و16 مقعدًا، وهي كتلة قد تكون حاسمة في قدرة معسكر معارضي نتنياهو على بلوغ 61 مقعدًا، سواء عبر المشاركة في الحكومة أو دعمها من الخارج.
وأوضح مقداد أن الليكود يستطيع تقديم طلب الشطب، وربما يتمكن، إلى جانب حلفائه، من تمريره داخل لجنة الانتخابات المركزية، لكنه لا يملك صلاحية شطب القوائم بقرار منفرد.
لجنة الانتخابات ثم المحكمة العليا
وبيّن مقداد أن طلب الشطب يقدم إلى لجنة الانتخابات المركزية مرفقًا بالأدلة والمستندات، ثم تقدم القوائم المعنية ردودها، كما تقدم المستشارة القضائية للحكومة موقفها، قبل أن تصوت اللجنة على الطلب.
وفي حال قررت اللجنة شطب قائمة، يحق لها الطعن أمام المحكمة العليا، التي تنظر في القضية بهيئة موسعة من تسعة قضاة، ويكون قرارها نهائيًا.
وأضاف أن الموعد المقرر لصدور الأحكام النهائية في قضايا الشطب هو 4 تشرين الأول/أكتوبر، وفق قانون انتخابات "الكنيست".
وشدد مقداد على أنه، وبسبب امتلاك أحزاب الائتلاف أغلبية داخل لجنة الانتخابات المركزية، فإن احتمال تمرير طلب الشطب في مرحلته الأولى يبقى قائمًا بقوة، لكن العقبة الحقيقية ستكون أمام المحكمة العليا.
ما شروط الشطب؟
وعن شروط الشطب، قال المختص في الشأن الإسرائيلي إن المادة 7أ من "قانون أساس: الكنيست" تسمح بشطب قائمة أو مرشح في ثلاث حالات رئيسية: إنكار وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، أو التحريض على العنصرية، أو دعم الكفاح المسلح لدولة معادية أو لمنظمة تصنفها إسرائيل إرهابية.
وأشار إلى أن "الليكود" استند في خطابه المعلن إلى اتهام القائمتين بـ"المساس بجنود الجيش الإسرائيلي"، وعدم القدرة على وصف "حماس" و"حزب الله" بأنهما منظمتان إرهابيتان.
تصعيد في الحملة ضد الأحزاب العربية
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم أن حزب "الليكود"، برئاسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أعلن خلال اليومين الماضيين عزمه تقديم طلب إلى لجنة الانتخابات المركزية لشطب ترشيح القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة.
وأوضح إبراهيم أن القائمة المشتركة تشكلت من ثلاثة أحزاب عربية هي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة "حاداش"، والعربية للتغيير بقيادة أحمد الطيبي، والتجمع الديمقراطي "بلد"، الذي كان يقوده سامي أبو شحادة.
وأكد أن طلبات شطب القائمتين ومنعهما من خوض انتخابات الكنيست المقبلة، التي تفصل عنها أقل من شهرين، تأتي في إطار تصاعد الحملة الانتخابية، ولا سيما ضد الأحزاب العربية.
وقال في حديث لـ"قدس برس"، إن المرحلة المقبلة قد تشهد تقديم طلبات إضافية لشطب قوائم أو مرشحين، على أن تنظر لجنة الانتخابات المركزية في هذه الطلبات وفق أحكام قانون الانتخابات.
وأضاف أن التحليلات الانتخابية تشير إلى أن الأحزاب العربية تشكل عاملًا مؤثرًا في تركيبة الكنيست المقبلة، من خلال الأصوات والمقاعد التي يمكن أن تحصل عليها، بما قد يؤثر في قدرة "الليكود" على حسم الانتخابات وتشكيل الحكومة.
معركة سياسية وقانونية مفتوحة
وأشار إبراهيم إلى أن قرارات الشطب ليست سابقة جديدة في الانتخابات الإسرائيلية، إذ سبق أن نوقشت طلبات لاستبعاد القائمة المشتركة في دورات انتخابية سابقة، كما شهدت انتخابات 2022 طلبات لشطب قوائم عربية؛ حيث رفضت لجنة الانتخابات طلبات شطب القائمة الموحدة، في حين أقرت شطب قائمة التجمع الديمقراطي، قبل أن تتوجه قيادة القائمة إلى المحكمة العليا التي أبطلت قرار الشطب وسمحت لها بخوض الانتخابات.
ويرى إبراهيم أن القوائم العربية أمام معركة سياسية وقانونية جديدة في مواجهة الأحزاب اليمينية، مشيرًا إلى أن "الليكود" قد يواصل تقديم طلبات لشطب القوائم العربية، ولا سيما التجمع أو القائمة الموحدة.
وبينما يبقى القرار النهائي بيد المؤسسات الانتخابية والقضائية، فإن مجرد فتح ملف الشطب مجددًا يعكس حجم التوتر المحيط بمشاركة الأحزاب العربية في الانتخابات الإسرائيلية، ويكشف في الوقت نفسه عن تداخل واضح بين الاعتبارات القانونية والخطاب الأمني والحسابات الانتخابية في معركة تشكيل "الكنيست" والحكومة المقبلة.
ويأتي ذلك في وقت تتجه فيه "إسرائيل" إلى انتخابات "الكنيست" المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، وسط منافسة شديدة حول شكل الائتلاف المقبل وتوازناته، في ظل تقلبات في موازين القوى بين معسكرات اليمين وخصوم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.



