الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:15 AM
الظهر 12:27 PM
العصر 3:48 PM
المغرب 6:23 PM
العشاء 7:38 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

مؤسسات الأسرى: 92 شهيدا بين الأسرى خلال ثلاثة أعوام.. والإخفاء القسري يحجب مصير عشرات الشهداء من معتقلي غزة

مع مرور ثلاثة أعوام على استمرار جريمة الإبادة الجماعية، تقف قضية الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي أمام تحوّلات غير مسبوقة في حدّتها واتساعها. غير أنّ هذه التحوّلات لم تنشأ من فراغ، فهي امتداد لمسار طويل من السياسات الممنهجة التي سعى الاحتلال إلى فرضها على مدار عقود، ورسّختها منظومة السجون الإسرائيلية بحق الأسرى. ومن هنا، لا يمكن فصل زمن الإبادة عن الأزمنة التي سبقته، والتي شهدت فيها الحركة الفلسطينية الأسيرة تحوّلات عميقة ارتبطت في جوهرها بتطوّر سياسات العنف والتعذيب وأساليبهما. وقد تحوّل السجن عبر هذه السياسات إلى أداة مركزية في المشروع الاستعماري الاستيطاني الهادف إلى تحطيم الإنسان الفلسطيني جسدًا ونفسًا، وإعادة إنتاج السيطرة عليه بأكثر الأدوات عنفًا وتجريدًا من الإنسانية. وجاء إقرار قانون إعدام الأسرى في آذار 2026 ليشكّل ذروة هذا المسار، وأخطر مستويات استهداف الوجود الفلسطيني ذاته.

وقد كشفت الأشهر التي أعقبت الإبادة عن انتقال الاحتلال إلى مرحلة غير مسبوقة في تعامله مع الأسرى والمعتقلين، تجاوزت في طبيعتها ومستواها كل ما وثّقته الحركة الأسيرة والمؤسسات على امتداد عقود الاحتلال. وأدّت هذه المرحلة إلى استشهاد أكثر من مائة أسير فلسطيني، أُعلن عن هويات (92) منهم، بينما يواصل الاحتلال إخفاء مصير العشرات من شهداء معتقلي قطاع غزة، ويحتجز جثامين العشرات من شهداء الحركة الأسيرة. لتصل نسبة أعداد الشهداء خلال الثلاث سنوات الأخيرة نحو 28% من إجمالي عدد الشهداء الأسرى منذ عام 1967. 

ولم يعد الاعتقال يستهدف حرمان الفلسطيني من حريته فحسب، بل أصبح يستهدف وجوده ذاته، عبر منظومة متكاملة من الممارسات التي تحوّل السجن إلى مساحة للقتل البطيء، ومن أبرزها:

•التعذيب البنيوي الذي يُمارَس بصورة منهجية ومتصاعدة.

•التجويع والحرمان الممنهج من الغذاء والماء.

•الحرمان من العلاج، الذي حوّل الأمراض والأوبئة المتفشّية في السجون إلى أسلحة فتّاكة.

•الاعتداءات الجنسية، ومنها الاغتصاب، كأداة لإذلال الإنسان وتحطيم كرامته.

•الاعتداءات الجماعية التي تُستخدم فيها الرصاص المطاطي وأدوات الصعق الكهربائي والهراوات والغاز وقنابل الصوت، والكلاب البوليسية المرافقة لقوات القمع.

•وصولًا إلى القتل البطيء والمباشر.

وقد وُثّقت هذه السياسات بصورة متواصلة عبر إفادات الأسرى الذين تمكّنت الطواقم القانونية من زيارتهم، وشهادات الأسرى المحرّرين، إلى جانب التقارير الدورية الصادرة عن مؤسسات الأسرى والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية.

وتأتي هذه الورقة في سياق الجهد التوثيقي المتواصل للمؤسسات المختصة، لرصد أبرز التحوّلات التي شهدتها قضية الأسرى، وذلك من خلال ثلاثة محاور: أولًا، عرض حصيلة الاعتقالات الموثّقة؛ وثانيًا، تقديم المعطيات المتعلقة بأعداد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال ومعسكراته؛ وثالثًا، استعراض أبرز الجرائم والسياسات التي مارستها منظومة السجون خلال هذه الفترة.

 

حصيلة إجمالي أعداد الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي

أعداد الأسرى داخل سجون الاحتلال حتى بداية تشرين الأول/أكتوبر 2026

الشهداء الأسرى 

 

•بلغ عدد الشهداء الأسرى منذ عام 1967 (329) شهيدًا.

•في أعقاب الإبادة بلغ عدد الشهداء الأسرى 92، ممن أُعلن عن هوياتهم فقط، حيث تشكل نسبة الشهداء خلال الثلاث سنوات من الإبادة 28%. 

•لا يزال العشرات من معتقلي غزة الشهداء رهن الإخفاء القسري.

•يواصل الاحتلال احتجاز جثامين 100 شهيد من الأسرى الذين استشهدوا قبل الإبادة وبعدها.

 

حصيلة عمليات الاعتقال منذ بدء جريمة الإبادة الجماعية

   شكّلت جريمة الإبادة الجماعية التي يواصل الاحتلال شنّها بحق الشعب الفلسطيني نقطة تحوّل خطيرة في مسار سياسة الاعتقال والملاحقة التي تصاعدت في مختلف الجغرافيات الفلسطينية؛ إذ حوّل الاحتلال الاعتقال إلى أداة رئيسية للانتقام الجماعي والإخضاع، مستهدفًا مختلف فئات المجتمع الفلسطيني في محاولة لضرب بنيته الاجتماعية وتقويض قدرته على الصمود، وخصوصًا مع تصاعد الاستيطان في الضفة، والهجمات المنظمة التي يقودها "المستعمِرون".

وبحسب المعطيات المتاحة، سُجّلت منذ بدء الإبادة أكثر من  26 ألف حالة اعتقال في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة. ولا تشمل هذه الحصيلة حالات الاعتقال في قطاع غزة، التي تُقدَّر بالآلاف، نظرًا للصعوبات البالغة التي تواجه التوثيق والرصد، من استمرار القصف والعمليات العسكرية، وانقطاع المعلومات، واحتجاز المعتقلين في ظروف من العزل والتعتيم، فضلًا عن شهادات تتحدث عن الإخفاء القسري وسوء المعاملة وقسوة ظروف الاحتجاز.

وطالت حملة الاعتقالات مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني، فلم تستثنِ النساء ولا الأطفال، ولا كبار السن والمرضى، ولا الصحفيين والعاملين في المجال الحقوقي. فقد تجاوز عدد النساء اللواتي تعرّضن للاعتقال والاحتجاز منذ بدء الإبادة 800 امرأة، فيما تخطّى عدد حالات اعتقال الأطفال في الضفة الغربية خلال الفترة نفسها 2000 طفل.

ولا تقتصر آثار الاعتقال على لحظة الاحتجاز، بل تمتد إلى ما يسبقها ويرافقها من عمليات اقتحام وتفتيش وتخريب وتهديد، ثم التحقيق والاحتجاز دون ضمانات قانونية كافية، فضلًا عن الانعكاسات النفسية والاجتماعية والاقتصادية على المعتقلين وذويهم. كما تؤدي الاعتقالات الجماعية والمتكررة إلى نشر الخوف في المجتمع، وتعطيل الحياة اليومية، وتفكيك الروابط الأسرية، وتحويل الاعتقال إلى وسيلة ضغط جماعي تتجاوز الفرد لتطال محيطه الاجتماعي بأكمله.

وتكشف هذه الحصيلة عن ترسيخ سياسة الاعتقال أداةً تاريخية للترويع والإخضاع والانتقام الجماعي. وتترافق هذه السياسة مع جرائم مهولة داخل السجون ومراكز التحقيق والمعسكرات، تشمل العزل، والحرمان من الحقوق الأساسية، وسوء المعاملة، والاعتداءات الجسدية والنفسية، وفق ما وثّقته المؤسسات الحقوقية عبر مئات الشهادات والإفادات.

وعليه، فإن أرقام الاعتقال ليست مجرد إحصاء، بل هي مؤشر على مسار منظّم من الاستهداف الجماعي، يستخدم الاحتجاز لتقويض المجتمع الفلسطيني وإنهاك أفراده، وفرض واقع من الخوف وانعدام الأمان.

لا تمثّل المعطيات الواردة في هذه الورقة سوى الحد الأدنى مما أمكن رصده، في ظل استمرار الاحتلال في فرض جريمة الإخفاء القسري بحق مئات معتقلي قطاع غزة، ومنعه المؤسسات الحقوقية واللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إليهم، وحجبه المعلومات المتعلقة بظروف اعتقالهم ومصيرهم. ولذلك فإن حجم الجرائم المرتكبة داخل السجون والمعسكرات أكبر بكثير مما تكشفه الأرقام والوقائع الواردة هنا، والتي تستند إلى متابعة المؤسسات المختصة العاملة في مجال الأسرى.

 

قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: القانون التمييزي العنصري

سجون الاحتلال ساحات إضافية للقتل وإنتاج التعذيب

لا يمثّل قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، ولا القانون الخاص بمحاكمة معتقلي غزة، مجرد أداة "عقابية" جديدة، بل هو تتويج لمسار طويل من الممارسات الاستعمارية والعنصرية التي تستهدف الوجود الفلسطيني في جوهره؛ إذ يمنح غطاءً قانونيًا للقتل الممنهج، ويربطه بشكل وثيق بمنظومة التعذيب والسياسات الاستعمارية الأوسع التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.

ويمثّل تاريخ 30 آذار/مارس 2026 نقطة تحوّل في تاريخ القمع، حيث أقدمت منظومة الاحتلال على إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين التمييزي العنصري. وهذا القانون ليس وليد اللحظة، بل هو تعبير فجّ عن عقلية استعمارية تهدف إلى إنهاء الوجود الفلسطيني.

تكمن الخطورة القصوى لهذا القانون في كونه ينقل القتل إلى خانة "السياسة الرسمية" المحمية بنصوص تشريعية. فإعطاء القضاء والنيابة العسكرية صلاحية إصدار أحكام بالإعدام يعني تحويل أروقة المحاكم إلى منصات للإعدام.

كما يفتح هذا القانون الباب على مصراعيه لتصفية القيادات والكوادر الفلسطينية تحت ذريعة "الأمن"، وهو ما يعني عمليًا أن كل فلسطيني يقاوم الاحتلال أو يرفض الخضوع لمنظومته العنصرية بات مشروع شهيد بقرار قضائي. وخطورة القانون لا تقتصر على تنفيذه، بل تكمن في كونه سيفًا مسلطًا على رقاب جميع الفلسطينيين.

ولا يمكن فهم هذا القانون بمعزل عن سياقه الاستعماري والعنصري الشامل؛ فهو جزء لا يتجزأ من بنية تهدف إلى إدامة السيطرة على الشعب الفلسطيني عبر أدوات القهر القصوى. كما يعكس تمييزًا عنصريًا بنيويًا، إذ تُصمَّم القوانين خصيصًا لاستهداف هوية وطنية محددة، وهي الهوية الفلسطينية.

والعقلية التي أنتجت هذا القانون عقلية استعمارية وحشية ترى في الأسير الفلسطيني مجرد "موضوع" للتحكم والقتل، وليس طرفًا في صراع وطني من أجل الحرية. وإن استحضار عقوبة الإعدام في هذا التوقيت يخدم الأجندة الاستعمارية الساعية إلى حسم الصراع عبر القوة العارية وتغييب أي صوت يطالب بالعدالة أو الاستقلال، مما يجعله أداة لتثبيت نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) وشرعنة الجرائم ضد الإنسانية.

الاعتقال الإداري وإدامة الاحتجاز دون تهمة أو محاكمة

تشكّل نسبة المعتقلين الإداريين والمصنفين تحت ما يسمى بقانون "المقاتل غير الشرعي"  نحو 49 % من إجمالي عدد الأسرى

   يبلغ إجمالي عدد المعتقلين الذين تحتجزهم  سلطات الاحتلال الإسرائيلي دون "تهم" أو "محاكمات"، وتواصل اعتقالهم بشكل تعسفي، ما نسبته 49%  من إجمالي أعداد الأسرى المحتجزين في السجون المركزية. فمن بين أكثر من 9300  أسير في السجون، تحتجز سلطات الاحتلال 3101 معتقل إداري، إضافة إلى 1419  معتقلاً ممن تصنّفهم سلطات الاحتلال "مقاتلين غير شرعيين"، استنادًا إلى قانون "المقاتل غير الشرعي" المطبّق على معتقلي غزة، وهو قانون يشبه في جوهره الاعتقال الإداري.

ويعكس هذا المعطى الكيفية التي تستخدم فيها سلطات الاحتلال سياسة الاعتقال الإداري على نطاق واسع، وكذلك استمرار اعتقال المئات من معتقلي غزة تعسفيًا وتصنيفهم "مقاتلين غير شرعيين". وقد شكّلت سياسة الاعتقال الإداري إحدى أبرز التحوّلات الهائلة المرتبطة بالإبادة والعدوان الشامل على الضفة، بما فيها القدس. وبالقراءة التاريخية، يتبيّن أن مستويات أعداد المعتقلين الإداريين التي سُجّلت بعد الإبادة لم تُسجَّل تاريخيًا منذ بدء الاحتلال، وذلك وفقًا للمعطيات المتوفرة لدى المؤسسات الحقوقية المختصة، وكذلك على صعيد أعداد الأطفال الذين جرى اعتقالهم إدارياً، وكذلك النساء.  بما يكرّس احتجاز الأشخاص دون توجيه تهمة واضحة، أو تمكينهم من الاطلاع على الأدلة المقدمة ضدهم، أو منحهم فرصة فعلية لإعداد دفاعهم والطعن في أسباب احتجازهم. ويحوّل هذا الاستخدام الواسع إجراءً يُفترض أن يكون استثنائيًا ومحدودًا إلى سياسة دائمة للسيطرة والانتقام. كما أن تمديد أوامر الاعتقال بصورة متكررة، من دون أفق زمني واضح، يضع المعتقلين وعائلاتهم في حالة مستمرة من عدم اليقين، ويحرمهم من معرفة مصيرهم القانوني، ويقوّض حقهم في الحرية والأمان الشخصي والمراجعة القضائية الفعالة.

واستنادًا إلى المعطيات المتوفرة حتى شهر تشرين الأول 2026، وصل عدد المعتقلين الإداريين إلى أكثر من 3,101، من بينهم أطفال ونساء. وتواصل سلطات الاحتلال استخدام الاعتقال الإداري أداةً للانتقام الجماعي وفرض السيطرة والرقابة على الفلسطينيين، فضلًا عن توظيفه في إعادة اعتقال أشخاص سبق الإفراج عنهم، وإدامة احتجازهم من دون توجيه اتهام محدد أو محاكمة تستوفي معايير العدالة.

وتتفاقم خطورة هذه السياسة بالنظر إلى أن غالبية المعتقلين الإداريين هم أسرى سابقون أمضوا سنوات في سجون الاحتلال، كان جزء كبير منها في إطار الاعتقال الإداري المتكرر. ويكشف ذلك عن نمط مؤسسي لإعادة الاحتجاز، لا يقتصر أثره على المعتقلين وحدهم، بل يمتد إلى عائلاتهم ومجتمعاتهم، ويحوّل الإفراج إلى حالة مؤقتة قابلة للإلغاء في أي وقت.

كما لم يسبق أن استخدمت سلطات الاحتلال قانون «المقاتل غير الشرعي»، الذي أُقِرّ عام 2002، بهذا المستوى الواسع. 

كما تكشف هذه الممارسات عن نمط متكامل من الاستهداف يطال المدنيين، والأطفال، والنساء، وكبار السن، والعمال، والأسرى السابقين. وعليه، فإن توثيق حالات الاعتقال لا ينبغي أن يقتصر على تسجيل الأعداد، بل يجب أن يشمل هوية المعتقلين، وأماكن احتجازهم، وظروف اعتقالهم، وأساليب التحقيق معهم، ومدد احتجازهم، وأوضاعهم الصحية والقانونية، وأي ادعاءات تتعلق بالتعذيب أو سوء المعاملة أو الاختفاء القسري، بما يضمن بناء سجل حقوقي متكامل يمكن الاستناد إليه في المساءلة والملاحقة القانونية.

 

"التحريض": الادعاء الجاهز لاعتقال أي فلسطيني

لم يعد استخدام تهمة "التحريض" في سياق الاعتقال مجرد إجراء مرتبط بملاحقة محتوى أو فعل محدد، بل بات يشكّل، في ضوء اتساع نطاق استخدامها، إحدى أدوات السيطرة والرقابة على الفلسطينيين، من خلال فرض حدود غير واضحة لما يمكن قوله أو نشره أو التعبير عنه. فكلما اتسع تعريف "التحريض" وأصبح خاضعًا لتفسيرات فضفاضة، اتسعت معه مساحة الأفعال والأقوال التي يمكن أن تقع تحت طائلة الملاحقة، الأمر الذي يحوّل الخوف من الاعتقال إلى وسيلة لضبط السلوك قبل وقوع الاعتقال نفسه.

وتكمن خطورة هذه السياسة في أنها لا تستهدف الفرد عند لحظة اعتقاله فقط، وإنما تعمل بصورة استباقية على إعادة تشكيل سلوكه وتعبيراته ومشاركته في المجال العام. فعندما يدرك الفلسطيني أن منشورًا، أو كلمة، أو صورة، أو موقفًا سياسيًا، أو حتى تعبيرًا عن تجربة شخصية، قد يُفسَّر باعتباره "تحريضًا"، يصبح الخوف جزءًا من عملية التواصل اليومية. وهنا تنتقل الرقابة من كونها فعلًا تمارسه سلطة الاحتلال على الأفراد إلى رقابة داخلية يمارسها الفرد على نفسه، فيراقب ما يكتب وما يقول وما ينشر، وما يمكن أن يعبّر عنه، وما ينبغي أن يصمت بشأنه.

ومن هذه الزاوية، تعمل تهمة "التحريض" أداةً لإنتاج الرقابة الذاتية؛ إذ لا تحتاج السيطرة بالضرورة إلى اعتقال كل من يعبّر، بل يكفي أن تصبح إمكانية الاعتقال حاضرة في وعي المجتمع حتى يبدأ الأفراد بإعادة ضبط سلوكهم بأنفسهم. وبذلك تتحول مساحة التعبير العام إلى مساحة محفوفة بالمخاطر، الأمر الذي يضعف القدرة على النقاش والتوثيق والشهادة والتعبير عن المواقف السياسية والاجتماعية.

كما أن اتساع مفهوم "التحريض" يسهم في نقل السيطرة من الأفعال المادية إلى السيطرة على الخطاب نفسه؛ أي على الطريقة التي يتحدث بها الفلسطيني عن واقعه، وعن الاحتلال، وعن الانتهاكات التي يتعرض لها. وفي هذا السياق، لا تقتصر الملاحقة على منع فعل معين، وإنما تمتد إلى محاولة التأثير في الرواية التي ينتجها الفلسطيني عن تجربته، وفي قدرته على تسمية ما يعيشه والتعبير عنه ومشاركته مع الآخرين. وبذلك يصبح ضبط اللغة والخطاب جزءًا من عملية أوسع للسيطرة على المجال العام وعلى إنتاج المعنى والرواية.

وتكتسب هذه السياسة خطورتها بصورة أكبر عندما تطال فئات مختلفة من المجتمع، بما في ذلك النساء والأطفال وكبار السن والمرضى والنساء الحوامل، إذ تعكس اتساع نطاق استخدامها وتحوّلها إلى أداة يمكن أن تطال الفلسطيني لمجرد تعبيره عن موقف أو واقع يعيشه. وهذا الاتساع يخلق شعورًا بأن الحماية من الملاحقة ليست مرتبطة بالسلوك وحده، بل قد تصبح مرتبطة بمدى قدرة الفرد على الصمت وتجنب التعبير.

إن خطورة هذه المنظومة لا تكمن فقط في عدد من جرى اعتقالهم تحت هذه الذريعة، وإنما في عدد أكبر بكثير من الأشخاص الذين قد لا يُعتقلون، لكنهم يتعلمون، تحت وطأة الخوف من الاعتقال، متى يتحدثون، وماذا يقولون، وما الذي ينبغي حذفه أو إخفاؤه أو الصمت عنه. وهنا تتحول "تهمة التحريض" من أداة لملاحقة التعبير إلى آلية لإدارة المجتمع عبر الخوف، وضبط المجال العام عبر التهديد بالملاحقة، وإنتاج الامتثال من خلال الرقابة الذاتية.

 

رسالة المؤسسات إلى المنظومة الحقوقية الدولية

    على مدار ثلاثة أعوام، تتواصل السياسات الإسرائيلية التي طالت مختلف تفاصيل الوجود الفلسطيني، في امتداد لمنظومة من السياسات الاستعمارية والاستيطانية التي تشكّلت على مدار عقود، وبلغت مستويات غير مسبوقة في أعقاب جريمة الإبادة الجماعية المتواصلة. وفي هذا السياق، لا تقف تداعيات هذه السياسات عند حدود الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، بل تمتد إلى استهداف الإطار الدولي الذي يفترض أن يشكّل آلية للحماية والمساءلة ومنع تكرار الجرائم.

وترى المؤسسات أن ما يجري يكشف عن محاولة متواصلة لتفريغ المنظومة الحقوقية الدولية من أدواتها ووظائفها، عبر تعطيل آليات المساءلة، وتقويض قدرة المؤسسات الدولية على الوصول إلى الضحايا، وفرض قيود على عمل الجهات الرقابية والحقوقية، بما يرسّخ واقعًا تصبح فيه القرارات والقواعد الدولية عاجزة عن التحول إلى إجراءات فعلية لحماية الإنسان ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات. وفي هذا الإطار، فإن استمرار الجرائم، رغم تراكم الأدلة والشهادات والنداءات والقرارات الدولية، لا يعكس فقط حجم الانتهاكات، بل يطرح سؤالًا أعمق حول معنى بقاء منظومة قانونية وحقوقية دون آليات قادرة على إنفاذها.

إن أخطر ما كشفته السنوات الثلاث الماضية هو اتساع الفجوة بين منظومة الحقوق كما يفترض أن تكون، وبين واقع تطبيقها على الأرض. فالإفلات من العقاب، الذي استمر لعقود، أسهم في توفير بيئة سمحت باستمرار السياسات ذاتها وتوسيع نطاقها، فيما أدى غياب التدخل الفعّال إلى تحويل الحماية الدولية من التزام عملي إلى استجابة محدودة لا ترتقي إلى حجم الجرائم المرتكبة.

وتشكّل السجون الإسرائيلية أحد أبرز الميادين التي تتجلى فيها هذه المنظومة، باعتبارها مساحة مغلقة تتقاطع فيها سياسات الاعتقال التعسفي، والعزل، والتعذيب وسوء المعاملة، والحرمان من الحقوق الأساسية، في بنية متكاملة تستهدف الإنسان الفلسطيني جسديًا ونفسيًا ووطنيًا. ومن هنا، فإن السجن لا يمكن النظر إليه باعتباره مكانًا منفصلًا عن سياق الإبادة، بل باعتباره إحدى الأدوات التي يُعاد من خلالها إنتاج العنف والسيطرة على الفلسطينيين، وإدامة آثارها داخل منظومة مغلقة يصعب فيها الوصول إلى الضحايا أو مراقبة ما يجري بحقهم.

وقد شكّلت الإفادات والشهادات التي جمعتها مؤسسات الأسرى والجهات الحقوقية المختصة على مدار الأعوام الثلاثة الماضية سجلًا بالغ الأهمية، ليس فقط لإثبات طبيعة الانتهاكات المرتكبة داخل السجون، وإنما أيضًا لتوثيق مرحلة تاريخية تختبر فيها المنظومة الدولية قدرتها على حماية الضحايا وصون قواعد القانون الدولي. فهذه الشهادات لا توثّق الجريمة وحدها، بل توثّق كذلك مسار الاستجابة الدولية لها، وحدودها، وأوجه العجز التي رافقتها.

وفي هذا السياق، تبرز اللجنة الدولية للصليب الأحمر بوصفها إحدى الجهات الدولية التي يفترض أن تضطلع بدور أساسي في حماية الأسرى والمحتجزين، وفي متابعة أوضاعهم والوصول إليهم وفق التفويض المنوط بها. إلا أن المؤسسات تشير إلى أن سلطات الاحتلال تواصل منع اللجنة من زيارة الأسرى، رغم الاتصالات والاجتماعات المتواصلة، ورغم قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الذي اعتبر استمرار منع الزيارات أمرًا غير قانوني. ومع ذلك، ظل المنع قائمًا، واستمر تقييد الدور الرقابي والإنساني للجنة، بما يترك الأسرى أمام واقع تتراجع فيه إمكانات الرقابة المستقلة وتزداد فيه مخاطر الانتهاكات داخل بيئة مغلقة.

وترى المؤسسات أن قضية منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إلى الأسرى تتجاوز كونها خلافًا حول إجراء محدد، لأنها تمسّ جوهر الحماية الدولية نفسها: قدرة جهة دولية مستقلة على الوصول إلى الأشخاص المحرومين من حريتهم، والاستماع إليهم، والتحقق من أوضاعهم، ونقل ما يتعرضون له. وعندما يصبح الوصول إلى الضحايا موضع تعطيل، فإن ذلك لا يحجب الجريمة فحسب، بل يحدّ من قدرة العالم على توثيقها ومساءلة المسؤولين عنها.

ومن هنا، فإن رسالة المؤسسات إلى المنظومة الحقوقية الدولية ليست رسالة توثيق فحسب، وإنما دعوة إلى إعادة الاعتبار لوظيفة الحماية والمساءلة بوصفهما جوهر النظام الدولي لحقوق الإنسان. إن استمرار الانتهاكات في ظل غياب المحاسبة لا ينبغي أن يتحول إلى أمر اعتيادي، كما أن تراكم الأدلة والشهادات والقرارات لا يمكن أن يبقى منفصلًا عن إجراءات عملية تكفل حماية الضحايا، وفتح مسارات المساءلة، وإنهاء حالة الإفلات من العقاب.

إن ما يحدث للفلسطينيين اليوم لا يختبر فقط قدرة المجتمع الدولي على التعامل مع قضية بعينها، بل يختبر قدرة النظام الحقوقي الدولي على حماية المبادئ التي تأسس عليها، وفي مقدمتها كرامة الإنسان، وحظر التعذيب، وحماية الأسرى والمحتجزين، ومساءلة مرتكبي الانتهاكات. ولذلك، فإن المؤسسات تؤكد أن الصمت أو العجز أو الاكتفاء بالتوثيق أمام استمرار الجرائم يحمل تداعيات تتجاوز الحالة الفلسطينية، لأنه يهدد بتحويل انتهاك القواعد الدولية إلى ممارسة قابلة للتكرار في أماكن أخرى.

وما تعيشه فلسطين اليوم ينبغي أن يشكّل إنذارًا جديًا للمجتمع الدولي: فحين تتآكل الحماية أمام أعين العالم، وحين تصبح المساءلة مؤجلة بلا نهاية، فإن الضرر لا يتوقف عند حدود الضحايا المباشرين، وإنما يطال الثقة العالمية بمنظومة القانون وحقوق الإنسان نفسها. ومن هنا، فإن حماية الفلسطينيين ومساءلة مرتكبي الانتهاكات ليست قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، بل هي اختبار لمستقبل منظومة حقوق الإنسان وقدرتها على أن تبقى إطارًا فعليًا لحماية الشعوب، لا مجرد مبادئ معلنة أمام استمرار الجرائم.

 

    تطالب مؤسسات الأسرى بالامتثال الفوري للرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية، والذي أقرّ ببطلان الاحتلال الاستعماري ووجوب إنهائه وتفكيك ركائزه الاستيطانية بشكل كامل. وفي صميم هذه الالتزامات، تؤكد المؤسسات ضرورة تفكيك منظومة القضاء العسكري التمييزية التي تُستغل غطاءً قانونيًا لشرعنة القمع والعقاب الجماعي، مما يقتضي الإفراج الفوري والشامل وغير المشروط عن جميع الأسرى والأسيرات والمعتقلين الفلسطينيين دون أي قيود أو إملاءات، باعتبار حريتهم حقًا أصيلًا لا يقبل التجزئة أو المساومة السياسية.

وتطالب مؤسسات الأسرى كذلك جميع الدول والأفراد والمؤسسات بتحمّل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية تجاه استخدام عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين، والتعامل معها باعتبارها جريمة تمسّ الحق الأساسي في الحياة، وتثير تعارضًا جوهريًا مع الالتزامات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، وتحديدًا حظر التعذيب.

وفي هذا السياق، تدعو المؤسسات إلى:

• تكثيف الضغط الدولي على دولة الاحتلال لوقف العمل بعقوبة الإعدام وإلغائها.

• عدم إصدار أو تنفيذ أي أحكام إعدام بحق الفلسطينيين.

• ضمان عدم استخدام القضاء العسكري أو المدني أداةً لفرض هذه العقوبة على أساس تمييزي.

• اتخاذ خطوات دبلوماسية وقانونية حازمة لمنع تنفيذ أحكام الإعدام.

• مساءلة المسؤولين عن أي انتهاكات للحق في الحياة.

• التأكيد أن حماية حياة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين مسؤولية دولية لا يجوز التعامل معها كمسألة داخلية أو تركها رهينة للسياسات الانتقامية.

Loading...