ماس يناقش إطار التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة لتعزيز صمود القطاع الخاص في قطاع غزة
عقد معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) بالشراكة مع برنامج تصدير ورشة عمل لمناقشة الورقة الخلفية التي أعدها المعهد بعنوان "تعزيز صمود القطاع الخاص في قطاع غزة: إطار متكامل للتعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة" وذلك وجاهياً في مقر المعهد وعبر تقنية "الاتصال عن بعد"، بحضور نخبة من المختصين والخبراء والمهتمين.
افتتح الدكتور سامح حلاق من معهد "ماس" الورشة بالترحيب بالحضور، مؤكداً أهمية مناقشة سبل تعزيز القطاع الخاص في قطاع غزة، بكونه جزءا فاعلا في عملية تعافي اقتصادية أوسع، تشمل الاقتصاد الفلسطيني كافة.
وذكر أن هذه الورشة تجمع مختلف الأطراف ذات العلاقة لبحث هذه القضايا وطرح الحلول الممكنة، معرباً عن شكره للجهات الداعمة لعقد هذا اللقاء.

ويرى الدكتور سليم أبو الظاهر، معد الورقة الخلفية، أن مفهوم القطاع الخاص أوسع من العمل الخاص؛ فهو يشمل المنشآت التجارية والصناعية والخدمية، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وأصحاب الأعمال والعاملين والموردين والمقاولين، إضافةً إلى علاقات الإنتاج والتوريد والتمويل والتسويق التي تربط بينها.
ويؤكد أن الدمار الاقتصادي في غزة لم يبدأ من نقطة مستقرة، بل جاء بعد حصار مفروض منذ عام 2007، ثم انتقل بعد حرب الإبادة من التقييد البنيوي إلى تفكيك واسع للقاعدة الإنتاجية والبنية التحتية والأسواق. وقد أفرز ذلك "اقتصاد بقاء" تتسع فيه الأنشطة غير الرسمية والمساعدات الإغاثية، ويتراجع فيه الإنتاج الصناعي والزراعي المنظم، وتتفاقم فيه أزمة السيولة النقدية.
وتدعو الورقة إلى الانتقال من مفهوم إعادة الإعمار القائم على استعادة الأصول إلى مفهوم التعافي الاقتصادي القائم على استعادة الوظائف والعلاقات والدورة الاقتصادية، بحيث تبدأ بحماية القدرة الإنتاجية المتبقية وإعادة تشغيلها بالتوازي مع إعادة الإعمار، وأن تُحدَّد الأولويات بحسب قدرة القطاع على الإنتاج الفعلي لا حجم الضرر الذي لحق به.
ويرى الباحث أن المسار الأكثر واقعية يقوم على ثلاث دوائر مترابطة: إعادة تشغيل القدرات القابلة للاستعادة داخل القطاع، ثم ربطها بالموردين والأسواق في الاقتصاد الفلسطيني، ثم التوسع تدريجيًا نحو الأسواق الإقليمية والدولية.
وتختتم الورقة بتوصيات أبرزها: رصد القدرة الإنتاجية دوريًا، ومعالجة الاختناقات، وتصميم مشتريات إعادة الإعمار بما يتيح مشاركة الشركات الفلسطينية، وتطوير منظومة تمويل متدرجة، والحفاظ على رأس المال البشري، وتحديد جهة تنسيقية واضحة، وبناء نظام معلومات اقتصادي شفاف، وربط التعافي بالتخطيط العمراني.
وفي تعقيبها على الدراسة، أكدت رئيسة مجلس إدارة بورصة فلسطين، رولا شنار، أن الدراسة متسقة مع واقع احتياجات قطاع غزة، لا سيما في تأكيدها على ضرورة وجود منظومة متكاملة للتعافي لا تقتصر على إحياء المنشآت. غير أنها رأت أن العقبة التي تواجه الدراسة تتمثل في التطبيق ومدى ارتباطه بما يجري في غزة وبواقعها السياسي، في ظل غياب الأفق ومحاولات فصل اقتصاد القطاع عن اقتصاد الضفة الغربية، مشيرةً إلى أن هذا السياق السياسي يغيب عن الورقة.
وأوضحت أن الشركات الفلسطينية، بما فيها الشركات المدرجة، جاهزة للتوجه إلى غزة والبدء في الاستثمار وتنفيذ المشاريع، وذلك في مختلف قطاعاتها، من الاستثمار والصناعة والتأمين إلى المصارف والخدمات الصحية والتعليمية. لكنها محكومة بواقع لا يتيح فرصة للبدء، إذ لم يطرأ أي تغيير على الأرض منذ وقف إطلاق النار العام الماضي.

ودعت إلى التوجه نحو إصدار السندات والصكوك وتوفير الضمانات للشركات لتمويل إعادة الإعمار، خاصة في ظل غياب ضمانات المنح الضرورية لإعادة الإعمار، وهو ما تعمل عليه البورصة حاليًا، مع تضييق نطاق الأولويات والتركيز عليها.
بدوره، أكد مدير عام القطاع الخاص في وزارة الاقتصاد الوطني، إيهاب الحاج ياسين، أن القطاع الخاص في غزة يتعرض لحرب من الاحتلال الإسرائيلي وجهات مشبوهة داخل القطاع وخارجه تسعى إلى فصله عن القطاع الخاص في الضفة الغربية، وأن الحكومة والوزارة تعملان على إفشال ذلك.
وأوضح أن القطاع ما زال قائمًا باستمرار عمل اتحادات الصناعات والغرف التجارية، رغم ظهور أجسام جديدة بفعل الحرب تسعى إلى الفصل السياسي والاجتماعي والاقتصادي بين غزة والضفة.
وأضاف أن الاحتلال يقيّد دخول الشاحنات والبضائع بهدف حصر القطاع الخاص في عدد محدود من الشركات الإسرائيلية وشريكاتها داخل القطاع، وأن المنشآت التي تتوفر مدخلاتها محليًا تعمل، لكنها تعاني من نقص الوقود والمواد التشغيلية والطاقة وارتفاع أسعارها الكبير.
من جانبه، أشار الباحث الاقتصادي والأكاديمي الدكتور سيف الدين عودة إلى محددات جوهرية تؤثر على بيئة عمل القطاع الخاص وقدرته على التأقلم والانتعاش والتعافي خلال الفترة القادمة، ومن هذه المحددات مواصلة احتلال حوالي 65%-70% من أراضي قطاع غزة خلف الخط الأصفر، وهي أراضي كانت تتركز فيها المناطق الصناعية التي دمرت بالكامل، ومخزون الأراضي الزراعية الأساسية وأنشطة اقتصادية عديدة، ومحددات البيئة التنظيمية والإدارية المستقبلية للقطاع الخاص في ضوء خطة ترامب لمستقبل القطاع، والتحولات الهيكلية والبنيوية في اقتصاد غزة خاصةً التحول شبه الكامل نحو استخدام الدفع الإلكتروني في المعاملات، والقيود الكبيرة لآلية التنسيق التي فرضها الاحتلال لإدخال البضائع إلى قطاع غزة والتي أدت إلى ظهور الاحتكارات وضعف التنافسية وارتفاع التكاليف ومستويات الأسعار بمعدلات غير مسبوقة، وما تسببت به من تآكل حاد في القدرة الشرائية للمواطنين، وغيرها من المحددات التي تؤثر بشكل مباشر على قدرة القطاع الخاص ومرونته في استعادة قدرته على الإنتاج والعمل. الأمر الذي يستلزم ضرورة كسر آليات الاحتكار والقيود المفروضة على سلاسل التوريد واستعادة العدالة والتنافسية في سلاسل التوريد، وخلق قنوات تمويل وتقديم الإرشاد المهني والعلمي لأفكار ريادية هامة قادرة على خلق فرص عمل وتوليد الدخل لأصحابها، وفي نفس الوقت تلبية احتياج المواطنين الضرورية في ضوء الحصار المشدد ومنع دخول معظم السلع وذلك من خلال تدوير مخلفات القصف وركام المباني وبعض ما يتوفر من مدخلات إنتاج محلية.
كما أشار إلى أهمية البعد الزمني في معالجة قضايا القطاع الخاص وبالتالي ضرورة وضع أولويات التدخل وفق سيناريوهات تأخذ البعد الزمني للإنعاش المبكر والتعافي بعين الاعتبار من خلال وضع خارطة تدخلات تتناسب مع كل مرحلة وكل سيناريو بدلا من انتظار الحلول السياسية المعقدة في ضوء التطرف الإسرائيلي والعقبات التي تطرحها حكومة الاحتلال، وإيجاد الحلول المناسبة لكل مرحلة.
بينما سلط مدير برنامج غزة، مركز التجارة الفلسطيني (بالتريد)، محمد سكيك على أن القطاع الخاص في قطاع غزة يعيش حالة دمار شبه كامل، وما يجري حاليًا لا يعدو كونه تخديرًا للواقع لا معالجةً له، لا يستطيع القطاع الخاص وحده الاستمرار في العمل داخل قطاع غزة، بل يحتاج إلى دعم في المدخلات والطاقة والمعدات، خاصةً في ظل استمرار حالة النزوح لسكان القطاع وسكنهم في الخيام. وفي ظل هذا الواقع، لا بد من تحديد التحديات بوضوح، مع طرح حلول عملية لها وإطار زمني لتنفيذها. بالإضافة إلى التفكير في آليات لسد الفراغ السياسي الناجم عن الانقسام.
وفي ختام اللقاء، أكد المشاركون على صعوبة الأوضاع في قطاع غزة والتحديات العديدة التي يواجهها، بما في ذلك تدمير البنية التحتية، ومنع دخول المدخلات أو غيابها، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الطاقة. وأشاروا إلى خروج القطاع الخاص والمشروعات الصغيرة من قطاع غزة، نتيجة غياب الاستقرار ووضوح الرؤية المستقبلية للقطاع. وشددوا على ضرورة إعطاء الأولوية لدعم صمود القطاع الخاص قبل الانتقال إلى مرحلة التعافي، إذ إن الواقع في قطاع غزة منهار، ولن يتمكن القطاع من الصمود دون دعم في مجالات متعددة.



