الحلقوم الخليلي يقاوم التهويد الإسرائيلي للبلدة القديمة
الخليل- رايـــة:
طه أبو حسين-
"أنا رضعت هذه المهنة رضاعة، فمنذ كنت طالبا مدرسيا كنت أحضر للمصنع، وأعمل مع أبي في صناعة الحلقوم"، قال عبد المعز طه سدر _أبو علاء_ "70عاما"، صاحب مصنع حلويات سدر في البلدة القديمة بالخليل.
مهنة صناعة الحلقوم، تعود للعصر الذهبي في الدولة الإسلامية، والتي انتقلت لبلاد الشام مع الفتوحات التي خاضها صلاح الدين الأيوبي كما سردها سدر والذي تابع لراية:" نحن أصولنا أيوبية، فصلاح الدين جدي الكبير، وأبنه الكبير اسمه " صدر الدين" وعائلتنا _سدر_ نسبة إليه، وصناعة الحلقوم توارثناها من أجدادي منذ سنة 1820، والآن لنا 193 عاما. وأنا أنتجها منذ 45 سنة، وقبلها عملت 12 سنة مع والدي، وقد افتتحت محلي هنا في البلدة القديمة بالخليل مطلع الخمسينيات لأنها وجه البلد بسبب وجود الحرم الإبراهيمي الذي يجمع كل الزائرين لهذه المدينة".
السكر سرّ الصنعة
للحلقوم الخليلي نكهة مختلفة عن باقي الأنواع، وسدر يتحدث عن العلامة الفارقة في ذلك :"منذ أكثر 190 عاما لم تتغير تقنية تصنيع الحلقوم، فبقينا متمسكين بالعيارات الصحيحة دون مواد حافظة، وصلاحيتها لمدة خمس سنوات. فالمكونات هي السكر والماء والنشا وماء الزهر واللون يستخرج من الزهورات، وتصنيعها يكون من خلال طبخها على النار لمدة خمس إلى سبع ساعات".

وعن سر صنعته التي لم تجد منافس، قال سدر لـ"رايــة": "سر الصنعة بنوعية السكر، فكل نوعية لها طريقة استخدام مختلفة، وهذا الأمر لا يمكن اتقانه بسهولة إلا على مدار سنوات طويلة من الخبرة".
الحلقوم الخليلي يقاوم الاحتلال
عام 1990 قام المستوطنون بحرق مصنع سدر للحلقوم بشكل كامل، بهدف التضييق على أصحابه وتهويد البلدة القديمة، إلا أن ذلك لم يثنهم عن إعادة إعماره وإرجاع الحياة لهذا المصنع حسب سدر الذي أضاف :"قبل الانتفاضة الأولى كانت المنطقة مليئة بالسكان، وبعدها بدأت تتقلص بسبب الأحداث واعتداءات الاحتلال المستمرة، من عمليات التخويف والترهيب، وإغلاق المحال التجارية، بالتالي تضييق الدائرة على الأهالي ولا أحد يعيلهم، مما أدى لقلة السكن والحركة التجارية في الخليل القديمة".
بعد الانتفاضتين الأولى والثانية أغلقت المئات من المحال التجارية في البلدة القديمة ، لأن أصحابها تأثروا تأثيراً كبيراً وبات لا يزورها إلا قلة قليلة، إلا أن الصورة اختلفت مع مصنع الحلقوم حسب سدر:" أنا مصنعي شيء مختلف عن باقي المحال التجارية، فلم نتأثر بالظروف، فلما كان مصنعي مغلق كان المواطنين ينتظروني لأن منتجي مميز ومطلوب، فلم أتأثر كالآخرين الذين قد لا يبيعون شيئا".
الحلقوم رمز
لا يكاد زائر يزور الخليل وكان قد سمع عن الحلقوم الخليلي إلا ويزور مصنع سدر الذي بات يعني لأبي علاء: "الحلقوم يعني لنا رمز، وهذا الرمز يعطينا شخصيتنا، فعندما يكون جيّد ولذيذ أنا أكبر بعيون الناس ويعطي صورة جيدة عني، بعكس إن كانت جودته سيئة يعكس عني صورة سيئة، فهذا مثل الوشم على أيدينا، صناعتنا ألف".

عروض كثيرة من تجار عرب وغيرهم والرد يختصره سدر: "رغم العروض المغرية التي عرضت علينا من العرب والأجانب حتى نعمل عندهم وننتج لهم رفضنا كل ذلك لنبقى في البلدة القديمة لسبب ديني ووطني، فوطننا غالي".
الحاج عبد المعز سدر، ورث المهنة عن أجداده، وحتى يحافظ على تاريخ العائلة ورثها لأبنائه كما يقول: "عندي ثلاثة أولاد، امتهنوا الصنعة، وابني محمد المتواجد بالمحل، امتهن الصنعة مئة بالمئة، له أكثر من عشر سنوات يعمل، وأخويه الذين يكبرانه يساعدوه في حين الحاجة".
محمد سدر "29عاما"، نجل صاحب المصنع عبد المعز يعمل في صناعة الحلقوم منذ عشر سنوات، يؤكد على حبه لهذه المهنة المتوارثة والتي يشعر بمتعة لا متناهية في صناعتها، موضحاً: "أنا أفكر كما ورث أبي المهنة عن أجداده، أن أستمر بها كتراث يحفظ باسم العائلة، وبإذن الله سنطورها بالفترة القادمة، وسأعمل على توريثها لأولادي حتى نبقى مستمرين بهذه الحرفة".
المواطن سعد أبو اسنينه "36 عاما" يقول لـ"رايــة": "الحلقوم الخليلي يعني لي الكثير لأنه تاريخ متوارث، وبالعادة كل جمعة أو اثنتين وخلال زيارتي للبلدة القديمة، أشتري عبوة أو اثنتين من الحلقوم لأطفالي، فأنا أذكر منذ كنت طفلا كانت والدتي تضع لنا الحلقوم بما يسمى " صرة " ويبقى الطفل الرضيع يمصها حتى تنتهي".

