الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:08 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:35 PM
العشاء 9:02 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

في سنتي الأولى في فرنسا

الكاتب: رانية فلفل المبيض

في سنتي الأولى في فرنسا، سكنت في غرونوبل حيث كنت أدرس علوم سياسية وترجمة. لم تعجبني المدينة كثيرا فقد كانت سفحا محاطا بثلاثة جبال ضخمة، حتى إن اسمها كان les massifs أي الضخمة. كانت غرونوبل مدينة طلابية بامتياز، وجامعاتها الثلاث من الجامعات القليلة في فرنسا التي تتواجد في حرم جامعي كامل مع سكن الطلبة ومطاعمهم وبعض الخدمات والنوادي الرياضية والموسيقية ومحال الشراء. لم يعجبني السكن في سكن الطلبة فقد كان مكتظا، ولم تكن الغرف مجهزة بحمام خاص. وتعرفت خلال الدراسة على "أنيتا" صديقتي من الدانمارك، والتي كانت تقيم عند سيدة فرنسية لديها دكان (كشك سجاير وجرايد وسكاكر ولعب أطفال) وهي تؤجر غرفا لديها في المنزل (ثلاث غرف) لطلبة مقابل أن يتولوا تباعا فتح المحل صباحا لمدة أسبوع من الساعة السادسة حتى الثامنة. فإيزابيل، صاحبة البيت والمحل كانت من أصول أرستقراطية (حتى إن اسمها يحمل De وهي إشارة إلى الأصل والنسب بين الأسماء الفرنسية، ولم تكن تحب الاستيقاظ مبكرا.

في الفترة التي سكنت فيها مع إيزابيل، كانت أنيتا صديقتي وكان هناك شاب كندي اسمه بول. وبول هذا كان مسيحيا متدينا ومهذبا زيادة عن الحد. إيزابيل كانت مشهورة بطهوها المتقن، وكانت تعد لنا الطعام بين وقت وآخر، ومن أطباقها الشهيرة فطيرة الطماطم بالزعتر الفارسي والثوم. بول لم يكن يحب الطماطم – هذا ما علمناه عندما زارنا والداه أثناء رحلتهما في فرنسا. مع ذلك، كان دائما يتناول حصته من الفطيرة ويثني على طبخ إيزابيل. قال لي يوما: اكتشف أن للطماطم مذاق رائع.

أثناء العمل في الدكان، كنا نتبادل أطراف الحديث مع الجيران والزبائن. تعرفنا إلى الخباز باسمه وليس فقط بمهنته، وكذلك اللحام، وصاحب البقالة والعاملين في مكتب البريد وأعضاء المجلس البلدي. كانت إيزابيل تسكن في بلدة على أطراف غرونوبل اسمها (جيير)، وهي بلدة صغيرة ولكنها نشيطة بسبب مسرحها البلدي الذي كان يستضيف فرقا أجنبية كثيرة. في ذلك المسرح عملت بعدما غادرت غرونوبل، وكنت أعود إليها في إجازات الأسبوع لتدريب أطفال من أبناء المهاجرين على المسرح؛ لمساعدتهم على تعلم اللغة الفرنسية.

من بين جيران إيزابيل، كان جاك، وهو رجل ناهز الستين يعيش مع زوجته الجنوب أفريقية (خليط أبيض على أسود جميل للغاية) والتي كانت تصغره بعشرين سنة. جاك كان يهوديا، ولكنه عندما كان يأتي إلى الدكان، ويتحدث معي، كان دائما يعرب عن نقمته على الصهاينة وما يفعلونه. ولكنني علمت من إيزابيل أن ابنه (إيزاك) كان قد هاجر إلى إسرائيل ويعيش في جبعات زئيف. قلت: إن كان هو صادقا، فيجب أن يكون على خلاف مع ابنه، ولكن الأب لا يستطيع أن يترك ابنه. علمت من إيزابيل أيضا أن لجاك ابنة (روبينا) وأنها تقيم مع زوجها الإيطالي في أمريكا.

في لفتة استغربتنها كثيرا، حضر جاك مع زوجته (برناديت) إلى الدكان سويا. لم نكن نراها كثيرا معه. كانت هي تدير تدريبا على الحياكة في البلدية للفتيات والفتيان. ولم نكن نراها في أماكن أخرى. أما هو فكان يصول ويجول، ويعزف الموسيقى أحيانا في الشارع للجيران. يجب أن أعترف أن عزفه على المزمار (الفلوت) كان جميلا. تعلمت منه موسيقى "فالس تريست" للملحن الفنلندي "سيبيليوش". وعرفت إن أصول جاك بولندية من جهة الأم، ولكن والده فرنسي. وكان جاك اليهودي الأول الذي تعرفت إليه ولم يَدَّعِ لنفسه نسبا إلى أي من الناجين من المحرقة؛ كما أنه لم يأت يوما على ذكر المحرقة أمامي.

المهم في ذلك اليوم، حضر مع برناديت إلى الدكان وبعد أن اشترى جريدته، دعاني إلى العشاء في منزلهما. استغربت الدعوة، ولم أدر إن كنت أقبل أم أرفض. قال لي أبي: لا تذهبي مع الغرباء، ورغم الحديث اليومي أثناء شراء الجريدة، لم أكن أشعر أن جاك لم يعد غريبا. ولكنني كنت أشعر بقرب غريب من برناديت التي كنت ألتقيها في المسرح البلدي أحيانا، وكنا نتشارك في شغفنا بمسرحيات موليير. قلت لجاك، دعني أفحص برنامج الامتحانات، وأرد لك جوابا غدا. وافق. في تلك الليلة تحدثت مع إيزابيل: هل تعتقدين أن عليّ الذهاب إلى منزله؟ ردت إيزابيل: جاك ليس إسرائيليا. قلت: ولكن ابنه هاجر إلى هناك. قالت: ابنه لحق حبيبته المولودة أصلا هناك. ثم غمزتني إيزابيل قالت: بعدين أكلهم "كاشير" يعني حلال. ضحكت وقلت: ولكن أُهل به لغير الله. استغرقني وقت طويل أن أشرح لها هذا المعنى. المهم كانت النتيجة أنني قبلت الدعوة على ألا أبقى مطولا بسبب الامتحانات. ساعدتني إيزابيل في إعداد سلطة فواكه حملتها معي كهدية لصاحب الدعوة. رحبت برناديت بالهدية كثيرا. أمضيت تلك الليلة أتحدث معها عن المسرح وكان طهوها لذيذا. وقد راعت ألا تضع أية خمور مع الطعام.

كانت تلك المرة الوحيدة التي زرت فيها جاك. ثم غادرت غرونوبل في السنة التالية، حيث انتقلت إلى ليون التي أعجبتني جغرافيتها أكثر، وحولت دراستي من علوم سياسية وترجمة، إلى قانون وترجمة. في صيف هذه السنة، كنت في المطار عائدة إلى فلسطين عن طريق مطار اللد على متن الخطوط الفرنسية. لم يكن هناك طيران مباشر من ليون إلى تل أبيب، فأخذت رحلة داخلية إلى باريس. بينما كنت أختم جوازي (الليسيه باسيه)، سمعت صوتا ينادي اسمي. كان هذا جاك بشحمه ولحمه. مرحبا قلت. قال: رايحة على بلدك. قلت نعم: قال وأنا أيضا. سأل: هل تأخذين الطائرة الآن إلى باريس؟ قلت: نعم. واتضح أننا نستقل الطائرة ذاتها إلى باريس. ولكن هناك في مطار أورلي تتغير الوجهات. أنا أكمل مع الطيران الفرنسي، بينما يستقل هو (إل عال – الطيران الصهيوني). لم أستغرب. قال: ابني حجز لي عشان أزوره. لم تكن مقاعدنا في الطائرة الداخلية متجاورة، ولكنه حرص أن يطمئن علي مرة خلال الرحلة القصيرة. ثم نزلنا في المطار، وكان ابنه بانتظاره هناك. كانا يسافران معا إلى "جبعات زئيف". سمعتهما يتحدثان بالعبرية بينما كنت أسجل جوازي، وأتحقق من مكان مغادرة الطائرة التالية. ثم استدرت فكانا ورائي. عرفني جاك إلى ابنه. بلا وعي أجبت: نعيما ميئود (تشرفنا بالعبرية). قال: (مدبيرت عغريت؟ - تتحدثين العبرية). قلت: (كول هنشيم بعزة مدبريم عفريت – كل الناس في غزة يتحدثون العبرية). نظر هو وجاك بدهشة فأكملت: (أنحنو تسرختيم للمود عفريت ببيت سيفر – تعلم العبرية إلزامي في مدارسنا). فقال جاك بالعبرية هذه المرة: لما (لماذا؟)

قلت ببطء شديد: هم روتسيم عوفديم لمغعليم شلهم – يريدون عمالا لمصانعهم. لاحظت ذهولا  على وجهيهما. لم أعرف إن كان سببه أنهما لم يكونا يعرفان هذه الحقيقة، أو أنهما يستغربان أنني أدركها. تركتهما ومضيت.

عندما عدت في أيلول إلى الجامعة، ذهبت في إحدى إجازات الأسبوع لزيارة إيزابيل، وعلمت منها أن جاك لاقى حتفه في تلك الرحلة بسكتة قلبية باغتته في القدس، ودفن هناك. قلت: ربما يجب أن أذهب لمواساة برناديت. قالت: لا تتعبي نفسك، لقد استدانت مني سعر التذكرة وعادت لجنوب أفريقيا. سألت: استدانت، لم يترك لها مالا قالت: لا شيء. قلت: هل كان فقيرا؟ قالت إيزابيل بحزم: ترك كل شيء لابنه إيزاك، جاك لم يكن فقيرا، كان يهوديا!

 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...