تركيا في الطريق الصحيح .. أميركا في الطريق الخطأ
الكاتب: جعفر صدقة
في غطرستها مع تركيا، تكرر واشنطن اخطاءها القاتلة مع ايران وكوريا الشمالية، وغيرهما من دول العالم.
بالامس، اطلقت ايران النسخة الرابعة من مقاتلتها "كوثر"، وقبلها بنت منظومة متكاملة للصواريخ الباليستية، قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، ناهيك عن استماتتها لامتلاك تقنية السلاج النووي، وهي جميعها جاءت ردة فعل على الحصار الظالم الذي تقوده اميركا ضد ايران منذ سنوات طويلة، وكذا الحال كوريا الشمالية، التي، ونتيجة غطرسة اميركا ايضا، تضع العالم بين فترة واخرى على حافة حرب نووية.
في ايران، وكوريا الشمالية، كان الحصار سببا للبحث عن كل وسائل القوة والمنعة في وجه غطرسة واشنطن، وقاد ذلك الى تداعيات خطرة على العالم اجمع، لكن فيما قد تؤول اليه الامور بين اميركا وتركيا، فان التداعيات ستكون اخطر بكثير من تلك التي افضى اليها حصار ايران وكوريا، وقبلهما العراق، وعديد الدول التي تسعى لاخذ قرارها بيدها.
اقتصاديا، فان بنوكا في اوروبا، وخصوصا الاسبانية والفرنسية والايطالية، وحتى بعض البنوك في الولايات المتحدة، منكشفة تماما على البنوك التركية، فقد اعماها الطمع خلال العقدين الاخيرين وقدمت عشرات المليارات ان لم يكن المئات، قروضا رخيصة للبنوك التركية التي بدورها وجدت نفسها امام طلب هائل من الشركات الناشئة في اقتصاد سريع النمو، والآن امام انهيار الليرة، بفعل العقوبات الاميركية على تركيا، لم تعد قادرة على السداد، وهي بداية لسلسلة نهايتها ستكون في خزائن البنوك الاوروبية والاميركية.
اقتصاديا ايضا، فان تركيا نجحت في السنوات الاخيرة في تشكيل نقطة عبور مهمة للنفط والغاز، من اذربيجان وايران وروسيا، وقريبا كازخستان وشرق المتوسط وربما العراق، الى اوروبا، التي مرت بامتحان صعب قبل سنوات، لا تريد تكراره، عندما عاشت شتاء باردا وقاسيا بسبب اغلاق انبوب الغاز القادم من روسيا عبر اوكرانيا، وتركيا قطعت اكثر من ثلثي الطريق في بناء شبكة الانابيب هذه، وهي في طور استكمال التفاهمات مع بعض الدول كبلغاريا، لاستكمال هذه الشبكة، لتصبح من اهم اللاعبين في سوق الطاقة على مستوى العالم، رغم انها لا تنتج سوى 5% من حاجتها للنفط والغاز، وعلى الارجح فأن تفعيل خط كركوك-جيهان، كان في جوهر محادثات رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في انقرة قبل ايام، مع تصاعد اللهجة الاميركية.
على الصعيد الاقتصادي ايضا، فلن تجد تركيا امامها خيارا اخر غير استبدال علاقاتها التجارية، بما فيها شراء السلاح، مع الغرب باسواق الشرق، روسيا واسيا الوسطى وشرق اسيا وجنوب وشرق المتوسط، وفي هذا مخاطر جمة على الغرب، اذ ليس هناك من قوة تتمتع بالحد الادنى من القوة والهالة والأهلية لجمع هذه الدول في كتلة واحدة اكثر من تركيا، لما تربطها بها من علاقات ووشائج قوية، دينية وقومية وتاريخية، وما قرار روسيا بتسليم المنظومة الدفاعية اس-400، وكذلك قرار روسيا وايران جباية ثمن النفط والغاز المصدر الى تركيا بالليرة التركية، وزيارة رئيس الوزراء العراقي الى انقرة، الا بوادر في هذا الاتجاه.
داخليا، فان تركيا ستكون مضطرة لتطوير صناعاتها، بما في ذلك البدء في صناعات كانت تحجم عنها تحت الضغوط الغربية، سواء في الصناعات المدنية ام العسكرية، وربما كانت تلميحات الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، التي اطلقها فور اعادة انتخابه مؤخرا رئيس للبلاد لولاية ثانية، بهذا الشأن، احد الاسباب التي سرعت بالخطوة الاميركية فرض عقوبات على انقرة.
قبل اكثر من عقد من الزمان، انتجت تركيا دبابتها الخاصة "نمر الاناضول"، وهي من اكثر ادبابات تحصينا في العالم، وبدات بانتاج طائرات هليوكوبتر على نطاق تجاري، ونجحت الى حد بعيد في تطوير انظمة تحكم خاصة بها للطائرات الحربية التي تشتريها من الغرب وخصوصا اميركا، بل هي احدى الدول المشاركة بفعالية وقوة بانتاج طائرة اف 35، مقابل حصة من هذه الطائرات، مع حصر عملية صيانة محركاتها لكل الدول المشاركة في هذا المشروع، بالشركات التركية، وهذا ما تسعى واشنطن للتنصل منه.
في مجال الطاقة، فان 95% من شبكة انابيب النفط والغاز في تركيا، والتي تمتد لعشرات آلاف الكيلو مترات، هي صناعة تركية صرفة، كما ان عطاءات اضخم مشاريع الطاقة المتجددة لانتاج الكهرباء من الشمس، تشترط ان تكون الالواح والخلايا المستخدمة فيها صناعة تركية، مقابل تعهد من الحكومة بشراء كامل الكهرباء المنتجة (1000 ميغاواط) بسعر يقترب من سبعة دولارات للكيلوواط/ساعة، نعم 7 دولارات للكيلوواط/ساعة، وهو سعر خيالي، مقابل 13 سنتا فقط للمشاريع التي تستخدم الواح وخلايا مستوردة من الخارج، في دلالة واضحة على ما توليه الحكومة التركية لتشجيع الصناعة المحلية، التي شهدت تطورا مذهلا خلال العقدين الاخيرين، وباتت مع التصدير، محركا رئيسيا للنمو.
في قادم الايام، ايضا، سنتج تركيا اولى النسخ من سيارتها المحلية، وهو ما اعلن عنه اردوغان صاراحة في خطاب الفوز بانتخبات الرئاسة الاخيرة، وهي صناعة تعتبر درة تاج الصناعات الغربية، وتبذل اميركيا واوروبا كل جهد لمنع الدول الاخرى من دخولها.
وفي وقت بدات اوروبا، وعلى رأسها المانيا، تدرك مخاطر الخطوات الاميركية ضد تركيا على اقتصادها وامنها، وهي واحدة من اهم دول حلف شمال الاطلسي "الناتو" الذي تقوده الولايات المتحدة، يبدو ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب لم يكن يدرك، حين قرر فرض العقوبات على انقرة، واصراره الغبي والعنيد على المضي قدما فيها، ان تركيا على اعتاب العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين ليست هي تركيا في نهاية الالفية الثانية، وان سهولة العبث في هذا البلد طوال سنوات السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، لم تعد موجودة الآن، فقد اثبتت احداث 15 تموز 2016 ان التحولات: السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية في تركيا لا رجعة عنها، ودخلت هذه التحولات في ثقافة الشعب التركي نفسه، ما حولته الى حام لها وللديمقراطية، سواء من اتفق مع اردوغان او من اختلف معه، فأينما وجد الحصار والغطرسة، يوجد التحدي.

