الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:11 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:33 PM
العشاء 8:59 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

جيل الكوع.. او المخضرم

الكاتب: د. موسى عليان

لا تجهد نفسك في البحث عن معنى لهذا التعبير، فلن تجد له اي تفسير في القواميس ولا حتى في جوجل. انه من اختراعي، حيث يصف او يعكس مجموعة قليلة جدا من الاشخاص، عاشوا زمنين مختلفين جدا: الحياة البدائية والعصرية.

لقد ولدت في زمن كانت الحياة فيه اقرب الى البدائية، فأتذكر ايام طفولتي الاولى والناس تطبخ على نار الحطب بموقدة من فخار وبأواني فخارية صنعوها بأيديهم. 

ولا يغيب عن بالي ابدا نبتة النتش، التي كانت تعتبر عملة صعبة لسهولة حرقها ومن ثم اشعال النار في الحطب الغليظ. كن النساء يطفن اعلى الجبال بحثا عنها، فهي نقطة البداية لكل طبخة.

الا ان اكثر ما اتذكره هو "المحرقة" لصناعة الادوات المنزلية من الفخار. كانت القرية كلها تعمل من اجل هذا اليوم، فتذهب النساء وتحضر تربة بيضاء تطحنها اولا ثم تنظفها جيدا، وبعدها تعجنها لصناعة ما تحتاجة: جرة، موقدة، عسلية، قدر، اباريق، مغطاس، بكلولة... الح. في نفس الوقت يقوم الرجال بجمع قطع ضخمة وكثيرة من الحطب اليابس وتجميعه في مكان عام (لا ازال اعرف موقعه) . وقبل اشعاله يدفنوا بحذر شديد جميع تلك الاواني التي صنعتها كل عائلة بين الجذوع الضخمة، ويدبوا فيها النار لتبقى مشتعلة لعدة ايام وليال كي تستوي وتتحول من طين الى فخار. وكان اجمل تلك الذكريات هو السهر حول النار الصخمة التي تنير القرية، فالكهرباء كانت غير معروفة والبيوت تنار بمصابيح يدوية، بالكاد تبدد ظلام الغرفة... وايضا ظلام الجهل. وكان اسوأ عقاب اذا كسرت اي اناء، فمعنى ذلك انك ستبقى بدونه حتى العام القادم. كانت قريتنا مؤلفة من عدة شوارع فقط وعدد سكانها لا يصل الى خمس عددها اليوم، ولكن رغم ذلك كانوا يزرعون كل شيء من القمح والشعير وانتهاء بالسمسم والزعفران والمقاثي.

في المقابل اعيش اليوم بطريقة مختلفة جدا، لا وجود للمقارنة بينهما، بفضل الاختراعات الحديثة التي قلبت حياتنا (لحسن الحظ...او سوءه احيانا) رأس على عقب واخرها ثورة الإليكترونية التي وضعت العالم بين يديك واختزلت المعارف كلها في جهاز صغير بحجم الكف. هذه الثورة التي خلقت فروق كبيرة بين كل جيل واخر، لاختلاف طريقة حياة وتفكير كل منهما، حتى لو كان بينهما عشر سنوات فقط. وبالرغم من حسنات وفوائد هذه الثورة، الا ان الوجه البشع لها هو اضعاف التواصل بين الناس.

ليس هدفي في هذا المقال الحديث عن حسنات الثورة العلمية وسيئاتها،  ولا عن رومانسية الحياة البدائية... وانما جذب الانتباه الى شيء اخر مختلف تماما: الفرق الزمني بين الحياتين لا يتجاوز السبعين عاما... اي قبل 70 عاما فقط كنا نعيش بطريقة قريبة جدا على الحياة البدائية، وهذه المدة لا تعتبر شيئا في التاريخ، كلمحة عين... وليس ذلك فقط، وانما ان وتيرة وايقاع الثورة التكنولوجية يتوالى كل يوم بسرعة اكثر، جنونية احيانا، وبالتالي فان طريقة حياتنا تتغير تبعا لذلك... بكلمة اخرى اذا احتجنا ل 70 عاما فقط لنجري كل هذه التغيرات العميقة، فاننا في المستقبل القريب جدا سنحتاج لاقل من نصف هذه المدة لنقفز قفزات لا يعلم احد كيف ستغيرنا وتشكلنا من جديد.

ازاء هذه السرعة الجنونية التي ادخلتها الثورة التكنولوجية والعلمية، لا بأس من وقفة تأمل لنتساءل: الى اين تذهب بنا؟ وكيف نستطيع ان نستغل هذه الثورة كي نقضي على ما عجزت بل فشلت في تحقيقه، واهمها: تضييق الفروق الاجتماعية بين الناس والدول وتهذيبنا لنتحسس الم وحلم الاخرين. ثم، والاهم، كيف يمكننا نحن العرب ان نستفيد من هذه الثورة، فنحن لم نبق على الجميل في قديمنا وفي نفس الوقت لم نستفد من ركب الحضارة، سوى الجانب الخارجي، القشور فقط.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...