نكبتان في الذكرى 76
الكاتب: عمر حلمي الغول
تحل غدا الأربعاء 15 أيار/ مايو الذكرى ال76 لنكبة الشعب العربي الفلسطيني مع دخول حرب الإبادة الجماعية الصهيو أميركية يومها ال222، وطيها الشهور السبعة من الويلات الكارثية، ونكبة جديدة فاقت في أهوالها وفظاعاتها ومجازرها ومذابحها ال2000، خطفت فيها آلة الحرب الأميركية الإسرائيلية أرواح ما يزيد عن 45 الف شهيد، وقرابة ال80 الف جريح، وتدمير ما يفوق ال80% من الوحدات السكنية، ودمرت الغالبية الساحقة من المدارس والجامعات والمعاهد، ومئات المساجد والكنائس، وإخراج المستشفيات والمراكز الصحية بأسرها من الخدمة، الا ما رحم ربي، ونسفت ابسط معالم الحياة الادمية من غذاء ومياه وكهرباء وطاقة.
حرب فاقت في همجيتها ودونيتها وتداعياتها الحروب العالمية الأولى والثانية والحروب الإقليمية في العصور المختلفة، وتجاوزت حروب هولاكو واسبارطة وال30 عاما في أوروبا، وحروب القبائل زمن العبيد والاسياد في التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية العبودية، وحروب الاقنان الفلاحين (الصخرة) ضد سادة الاقطاع في عدد القتلى بالنسبة والتناسب، وفي نوعية أسلحة الموت والدمار الشامل والقنابل النووية الصغيرة، وفي حجم البارود والمتفجرات المشحونة باليورانيوم الطبيعي والمنضب والفسفور الأحمر الأبيض التي القيت على قطاع غزة، وتعادل ما يزيد على 4 قنابل نووية من التي القيت على هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين من قبل اليانكي الأميركي في مطلع آب/ أغسطس 1945.
ومازالت فصول حرب الأرض المحروقة تدور رحاها ضد أبناء الشعب العربي الفلسطيني بقيادة إدارة بايدن وحلفائها من الغرب الرأسمالي لحماية ربيبتهم اللقيطة إسرائيل النازية، التي أصلوا لتأسيسها ونشوئها منذ بداية القرن العشرين مع انعقاد مؤتمر كامبل نبرمان 1905/ 1907، وما تلا ذلك من ارهاصات تبلورت في إقرار قرار التقسيم الدولي 181 في 29 تشرين ثاني / نوفمبر 1947، ثم الإعلان رسميا عن قيامها في 15 أيار / مايو 1948، وحالوا بالشراكة والتآمر مع العديد من الأنظمة العربية دون استقلال دولة فلسطين على مدار ال76 عاما الماضية، ليس هذا فحسب، انما سعوا عبر مشاريع التآمر المتعاقبة على تصفية القضية الوطنية الفلسطينية، وابادة الشعب الفلسطيني، او بالحد الأدنى نفيه من وطنه الام الى المهاجر واللجوء لدول الغرب الأوروبي وأميركا اللاتينية، الا انهم فشلوا فشلا ذريعا.
ولم يكن الهدف فلسطين وشعبها فقط، انما الشعوب العربية وثرواتها واستقلالها وسيادتها ووحدتها، وإبقاء امة العرب في ذيل حركة التاريخ، وفي أدنى درجات المحوطة والتبعية للإمبريالية العالمية لواد تطورهم ونهوضهم اسوة بشعوب الأرض قاطبة، وكان الشعب الفلسطيني محور رحى، ونقطة ارتكاز المشروع الاستعماري الامبريالي وأداتهم الحركة الصهيونية العالمية بحكم موقع فلسطين الجيوسياسي في الوطن العربي. وما تقوم به دولة النازية الصهيونية من عمليات قتل وتهجير وتدمير بحماية وقيادة سادتها في واشنطن ولندن وبرلين وباريس وغيرها من عواصم الغرب، لا يقتصر على تكريس شعار الصهيونية العالمية الكاذب والمزور "ارض بلا شعب، لشعب بلا أرض"، انما يهدف لتبديد المشروع القومي العربي النهضوي، ونهب ثروات العرب، وتأصيل التشرذم والفرقة في صفوفهم بالتكامل ما بين دولة إسرائيل الفاشية وأنظمة الردة العربية.
من المؤكد ان حرب الإبادة الجماعية الأميركية الإسرائيلية وحلفائهم ضد الشعب العربي الفلسطيني لم تكن وليدة الصدفة، ولا 7 أكتوبر 2023 عنوانا للتحرير، رغم تداعياته وارتداداته الزلزالية السلبية الخطيرة والايجابية في آن، انما هي تجلي لبلوغ مرحلة انهيار كامل لنظام الدولة الوطنية، وتصفية لنتائج اتفاقية سايكس بيكو 1916، والإنعطافة لولوج مرحلة أكثر قتامة وظلامية وتمزقا في صفوف الشعوب والدول العربية، حتى لو بقيت شكليا أنظمتها الخاوية والمتهافتة، وبدا عليها طابع التطور والعصرنة الوهمية والكاذبة، بيد انها في الجوهر ترتد داخليا نحو القبلية والعشائرية والدينية والطائفية والمذهبية والجهوية والهويات القزمية الفتنوية، في ظل موات معلن لحركة التحرر الوطني العربية عموما، وغياب أي صوت يعيد الاعتبار للوطنية والقومية الديمقراطية النهضوية.
ومع ذلك، فإن تآكل المشروع الصهيوني ودولته النازية، واتساع دائرة الفتق والتناقضات داخلها على المستويات المختلفة، وتراجع مكانة الولايات المتحدة عالميا، رغم انها مازالت تمسك بقرون العالم حتى اللحظة على الأقل في ملفات الوطن العربي والاقليم عموما، وتعاظم التأييد العالمي لكفاح الشعب الفلسطيني في أوساط الرأي العام الدولي والغربي خصوصا وفي مقدمته الأميركي، واتساع الدعم للحقوق الوطنية الفلسطينية نتاج بشاعة ووحشية حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية الأميركية، وليس نتاج 7 أكتوبر، قد تشكل إذا ما أحسن رواد التغيير التقاط اللحظة التاريخية، فغنها ستكون بمثابة نقطة تحول كيفية وبداية الخروج من نفق الانحدار المريع لواقع العرب البائس.
نكبتان بأهوالها والشعب الفلسطيني أكد بما لا يدع مجالا للشك، انه لن يكرر تجربة التشرد واللجوء لدول الشتات والمهاجر، رغم وحشية ولا آدمية الحرب القذرة، وانه متجذر في ارض الوطن، حتى وان خرج 100 او 200 الف او اكثر قليلا، ولو استشهد وجرح اكثر من 200 الف انسان، ودمرت المدن، كما تدمر مدن قطاع غزة الان، فهو راسخ الجذور في ارض الوطن الفلسطيني، وهي نقطة الارتكاز التاريخية لبداية الخروج من نفق النفق، وشق شعاع النور لمرحلة نوعية مازالت في بداياتها، على قوى التغيير والنهضة الوطنية والقومية البناء عليها، وكسر التابوهات المترهلة والفاسدة، وشق عصا الطاعة على الواقع القائم بأدوات فكرية سياسية ومعرفية وثقافية جديدة. فهل هناك من يقرع الجرس، ويدق على جدران الخزان القومي الساخط؟
oalghoul@gmail.com
a.a.alrhman@gmail.com

