بين بيان الثوابت واستحقاق الإصلاح: ماذا تريد فتح من مؤتمرها الثامن؟
الكاتب: د.ياسر أبوبكر
ليس البيان الختامي للدورة الثالثة عشرة للمجلس الثوري لحركة فتح بيانًا عابرًا، ولا يمكن قراءته خارج السياق الوطني الخطير الذي تعيشه القضية الفلسطينية في ظل حرب إبادة، واستهداف للهوية، ومحاولات تفكيك للتمثيل الوطني. من هذه الزاوية، جاء البيان منضبطًا سياسيًا، واضحًا في تثبيت الثوابت، حريصًا على وحدة الخطاب، ومتماسكًا في الدفاع عن المشروع الوطني الفلسطيني في مواجهة التهجير والاستيطان والوصاية والبدائل المشبوهة. وهذا بحد ذاته أمر يُحسب للحركة في لحظة وطنية لا تحتمل التشتت ولا المغامرة.
لكن قراءة البيان من موقع كادر فتحاوي حريص على الحركة، لا تكتفي بما قاله، بل تتوقف طويلًا عند ما تجنّب قوله، وما أرجأه، وما تركه مفتوحًا على التأويل، خصوصًا أن البيان صدر في لحظة تنظيمية حساسة تسبق المؤتمر العام الثامن، الذي أُعلن موعده بوضوح، بينما بقي مساره ومعاييره غامضة.
سياسيًا، لا يمكن إنكار أن البيان أعاد تثبيت السقف الوطني الصحيح: رفض التهجير، التمسك بمنظمة التحرير ممثلًا شرعيًا وحيدًا، وحدة الأرض الفلسطينية، أولوية وقف العدوان على غزة، دعم صمود المخيمات في شمال الضفة، مركزية القدس، والدفاع عن وكالة الأونروا وحق العودة. هذه ليست تفاصيل، بل عناوين كبرى تعكس تموضع فتح في قلب الإجماع الوطني، وتؤكد أن الحركة ما زالت قادرة على إنتاج خطاب سياسي متزن في أكثر اللحظات تعقيدًا.
كما يُحسب للبيان أنه لم يتجاهل الملفات الحساسة التي أثقلت العلاقة بين الحركة وقواعدها في السنوات الأخيرة. فقد أكد بوضوح أن حقوق وكرامة أسر الشهداء والأسرى والجرحى أمانة في عنق الحركة، واعترف بوجود “لبس” في هذا الملف، مع تعهد بإيجاد صيغة وطنية مناسبة لمعالجته بسرعة. وأعاد التأكيد على مركزية ملف الأسرى، ورفض التشريعات الاحتلالية العنصرية بحقهم.
هذه إشارات أخلاقية وسياسية مهمة، لكنها تظل غير مكتملة ما دامت لم تُترجم إلى التزامات تنفيذية واضحة، بآليات محددة وجدول زمني معلن، يبدد القلق المشروع لدى عائلات الشهداء والأسرى، ويعيد الثقة المفقودة.
تنظيميًا، جاء قرار عقد دورة للمجلس الثوري قبل المؤتمر العام للمصادقة على أعمال اللجنة التحضيرية خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لأنها تعزز دور المجلس الثوري وتمنحه وظيفة رقابية. كما أن قرار عودة من صدرت بحقهم قرارات فصل فردية، باستثناء من ارتكب جرائم بحق شعبنا أو ما زالت قضاياه منظورة، يمثل خطوة في اتجاه ترميم داخلي طال انتظاره، ويعيد الاعتبار لفكرة أن الحركة لا تُدار بالإقصاء الفردي ولا بالقرارات المزاجية.
غير أن هذه الخطوات، على أهميتها، تبقى ناقصة إن لم تُدرج ضمن رؤية إصلاحية أوسع. فالبيان لم يقدّم تشخيصًا لحالة الجمود التنظيمي، ولم يعترف صراحة بتراجع الحضور الجماهيري للحركة، ولم يتطرق إلى فجوة الثقة المتراكمة بين القواعد والقيادة. الأخطر من ذلك، أنه تجنّب الخوض في جوهر السؤال التنظيمي الذي يشغل الكادر الفتحاوي اليوم: أي مؤتمر نريد؟ وكيف نضمن أن يكون المؤتمر الثامن محطة تجديد حقيقي لا إعادة إنتاج للواقع ذاته؟
إعلان موعد المؤتمر دون الحديث عن معايير عضويته، أو آليات التمثيل، أو الضمانات التي تمنع التدخلات غير التنظيمية، لا يبدد القلق، بل يؤجله. فالمشكلة في تاريخ الحركة لم تكن يومًا في عقد المؤتمرات، بل في الطريق إليها، وفي الكيفية التي تُصاغ بها تركيبتها ومخرجاتها. ولذلك، فإن الاكتفاء بتأكيد "ضرورة المؤتمر"دون طمأنة القواعد إلى نزاهة مساره، يترك الباب مفتوحًا أمام الشكوك، ويُضعف القدرة على تحويل المؤتمر إلى لحظة استنهاض حقيقية.
البيان، بهذا المعنى، قوي في السياسة، لكنه حذر أكثر من اللازم في التنظيم. وهو حذر مفهوم تكتيكيًا في ظل ظرف وطني ضاغط، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى نهج دائم. ففتح، إذا أرادت أن تقود الشارع، لا يكفي أن تخاطبه بخطاب وطني متقدم، بل عليها أن تخاطب كوادرها بلغة إصلاحية صادقة، تعترف بالأزمة، وتضع برنامجًا واضحًا لمعالجتها.
المطلوب اليوم، بعد هذا البيان، ليس بيانًا آخر، بل فعل تنظيمي مكمّل. المطلوب قرارات واضحة قبل المؤتمر تتعلق بمعايير عضويته، وبضمان استقلال اللجنة التحضيرية، وبالفصل التام بين التنظيم وأي تدخلات خارجية، وبمعالجة حقيقية وشفافة لملف أسر الشهداء والأسرى. المطلوب أيضًا ربط الحديث عن "عام الديمقراطية الفلسطينية" بالديمقراطية داخل الحركة نفسها، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولأن أي دعوة للمشاركة والاصطفاف تفقد معناها إن لم تقترن بإصلاح داخلي يفتح المجال أمام الكادر، لا يطالبه فقط بالالتزام.
هذا البيان خطوة إلى الأمام سياسيًا، لكنه لا يزال خطوة ناقصة تنظيميًا. وإذا لم تُستكمل بخطوات إصلاحية ملموسة قبل المؤتمر الثامن، فإن الحركة تخاطر بتوسيع فجوة الثقة، لا بردمها. فتح ما زالت تملك الرصيد التاريخي، والشرعية الوطنية، والقدرة على القيادة، لكن هذه العناصر لا تُصان بالبيانات وحدها، بل بإرادة إصلاح شجاعة تبدأ من الداخل.
بين بيان الثوابت واستحقاق الإصلاح، تقف فتح اليوم أمام اختبار حقيقي. إما أن تحوّل المؤتمر الثامن إلى محطة تجديد ومسؤولية، أو تكتفي بإدارة اللحظة وتأجيل الأسئلة الصعبة. والفرق بين الخيارين لا يحدده البيان، بل ما سيتبعه من أفعال.

