الضربات التي وقعت في السماء.. واشتعلت في هواتفنا
الكاتب: مريم شومان
لم تعد الحروب تبدأ بصوت الانفجار، بل بإشعارٍ على الهاتف المحمول، وقبل أن يتبدد دخان الضربة في السماء، تكون قد اشتعلت على الشاشات الصغيرة، تتكاثر صورها وتتناسخ مقاطعها وتتنازعها الروايات. هكذا بدا المشهد مع اشتعال الحرب؛ حدث عسكري محدود في الزمن، واسع في الجغرافيا الرقمية، ومفتوح على تأويلات لا تنتهي.
في زمن الإعلام الجديد، لا تسير الصواريخ وحدها في مسارات محددة، بل تسير معها السرديات، وبينما تتكفل الجيوش بإدارة الميدان، تتكفل الخوارزميات بإدارة الإدراك، ما يُعرض أولًا، وما يُعاد نشره آلاف المرات، وما يُرفق بموسيقى حماسية أو تعليق ساخر، ليس تفصيلًا تقنيًا؛ بل هو جزء من معركة موازية عنوانها: من يملك الرواية يملك المعركة.
خلال دقائق من أي ضربة، تمتلئ المنصات بمقاطع يُعاد تدوير بعضها من أحداث سابقة، وصور أقمار صناعية غير مؤكدة، وخرائط لمسارات صواريخ يحللها مستخدمون بلهجة خبراء استراتيجيين، تتجاوز الحسابات الرسمية مع أخرى مجهولة المصدر، وتتصاعد وسوم متضادة؛ بين من يصف الحدث بأنه "إعادة رسم لقواعد الردع" ومن يراه "مغامرة محسوبة"، ومن يقرأه بوصفه "رسالة انتخابية"، وآخرون يعتبرونه "بروفة لما هو أكبر".
في هذا الفضاء، لا ينتظر "الترند" اكتمال الصورة، يكفي مشهد نيران في الأفق، أو بيان مقتضب، ليتحوّل الحدث إلى سيل من التحليل الفوري، هنا يتقدّم الانفعال على التحقق، ويتفوّق الإيقاع السريع على الدقة البطيئة، وكلما كان الرأي أكثر حدّة، زادت فرص انتشاره، وهكذا تكافئ المنصات الموقف الحاسم لا القراءة المتأنية.
غير أنّ المسألة لا تتوقف عند حدود التقنية، فالحرب النفسية في نسختها الرقمية أصبحت ساحة ردع موازية، فيديو قصير يُظهر جاهزية عسكرية، تسريب غير مؤكد عن "قدرات غير معلنة"، أو حتى صمت محسوب من جهة ما؛ كله أدوات لبناء شعور عام: طمأنينة هنا، قلق هناك، أو إحساس بأنّ "الضربة لم تكن الأخيرة".
الرأي العام في هذه اللحظة لا يكتفي بدور المتلقي؛ بل يتحول إلى جزء من معادلة الضغط والردع، سواء عبر إعادة النشر أو التعليق أو صناعة الوسوم.
وسط هذا الزخم الرقمي، لا تغيب فلسطين عن الشاشة، بل تحضر ك "هاشتاغ" دائم العبور بين كل تصعيد وآخر، في الفضاء الإلكتروني، لا تُستدعى القضية بوصفها ملفًا سياسيًا فحسب، بل كعدسة تفسير، وكمعيار أخلاقي، وبوصلة تعاطف.
فمع كل ضربة، يتجدد تدفّق المحتوى الذي يربط الحدث بفلسطين، وتتصاعد المقارنات، وتُستعاد مقاطع سابقة، وتُعاد صياغة الشعارات بلغة المنصات. هنا، لا يُطرح السؤال في غرف التحليل بقدر ما يتم تداوله في التعليقات والبثوث المباشرة: هل يخدم هذا المشهد السردية الفلسطينية أم يزاحمها على مساحة الاهتمام؟
الخوارزميات بدورها لا تقف على الحياد، فهي تعيد رسم خرائط التعاطف، بحيث يرى كل جمهور نسخة مختلفة من الحدث، مستخدم في غزة قد يتلقى سيلًا من التحليلات التي تربط الضربة مباشرة بالمشهد الفلسطيني، بينما يتابع آخر في عاصمة عربية سردية تضع الحدث في إطار صراع دولي أوسع، الفضاء الرقمي لا يلغي الحدود الجغرافية، لكن يعيد تشكيلها نفسيًا وفكريًا.
لكن السؤال الأهم يظل معلقًا: هل يوسّع هذا الفضاء وعينا، أم يغرقه في الضجيج؟ بين التحليل والتأويل، بين المعلومة والشائعة، وبين التضامن والاستقطاب، تتشكل صورة مركبة للواقع، صورة لا تحسمها الضربة الأولى، ولا البيان الثاني، بل تدفق لا ينقطع من المحتوى.
الضربات تقع في السماء، نعم. لكنها لا تستقر هناك، تهبط سريعًا إلى الشاشات، حيث تُعاد كتابتها آلاف المرات، وتحمّل بدلالات تتجاوز حجمها العسكري. في زمن الإعلام الجديد، قد يكون الانفجار لحظة عابرة، أما اشتعال الهواتف فهو الحدث الأطول عمرًا. هناك، في المساحة بين إشعار عاجل وتعليق غاضب، تتحدد معالم معركة لا تقل أثرًا عن تلك التي تُخاض فوق الغيوم.

