متُّ في زمن ياسر عرفات
الكاتب: عدنان ملحم
بلغني خبر رحيل صديقٍ شاعر، قبل دخولي المحاضرة بدقائق. شعرتُ أن الكلمات تخلّت عني، وأن القاعة أضيق من حزني. توقّفتُ عند الباب لحظةً، ثم غادرتُ المكان بصمت. كانت سيارتي السوداء الـ«كيا» عند الميكانيكي، يشكو محرّكها خللًا في قلبه؛ فمضيتُ إلى موقف السيارات العامة،و الطريق وحده يتّسع لما في صدري .
في سيارة الأجرة المتجهة من نابلس إلى طولكرم، كنّا نعبر سهل دير شرف حين توقّف السائق فجأة. أغلق المستعمرون الطريق بالقرب من محطة معالجة مياه الصرف الصحي ، ومنعوا الناس من المرور، وحشروا المسافرين في بقعة إسفلتٍ مكشوفة للريح والانتظار.
قال السائق، بنبرة من اعتاد الطوارئ:"سنسلك طريقًا بديلًا عبر اللدائن – منطقة صناعية تقع شرق طولكرم – ثم بيت ليد، كور، كفر عبوش، سفارين، جيوس، فلامية، كفر جمال، كفر زيباد، كفر ثلث، فرعون، ذنابة، وصولًا إلى مدينة طولكرم”، ثم صمت، كأنما أنهى بيانًا عسكريًا.
قالت امرأةٌ مسنّة تجلس إلى جانبي:" لقد أحرقوا مشتل الجنيدي، ومحجر عرار القريب منه، وهاجموا المصانع في المنطقة، وقطعوا أشجار الزيتون الواقفة على رؤوس الجبال، وصادروا الأراضي الزراعية قرب رامين، واستولوا على المواقع الأثرية في المسعودية وسبسطية، ورفعوا فوقهما أعلام الخط الأزرق”.
في المقعد الخلفي جلس شابٌّ أنيق، يضع على وجهه نظارة سميكة:" ها هي «دولة يهودا والسامرة» تطلّ برأسها من الأسطورة إلى الواقع. نحن لا نقرأ تاريخًا ولا نحفظ جغرافيا. وطنٌ مقسّم إلى مناطق A وB وC، لكلّ قسمٍ حكمٌ ونظام، وبوابةٌ وكاميرا حرارية”.
إلى جواري طالبة جامعية تبكي بصمت. قالت بصوت متقطّع:
“هاجموا بيوت قريتنا شوفة ، وأحرقوا سيارة والدي، واعتقلوا إخوتي الصغار”.
رفعت شابة تلفّ الكوفية على كتفها صوتها:" إلى من نلجأ ليحمينا؟ حكومةٌ محشورة في رام الله، مفلسة وممنوعة من تجاوز مناطقها. وحركةٌ وطنية خلعت بزّتها الكاكية، وارتدت ثياب الوظيفة، وانحصرت همومها في الرواتب والرتب والمناصب. الناس بلا عمل؛ البطالة والفقر طامّة عامة”.
قالت سيدة أنيقة تجلس في الخلف، بنبرة تعبٍ ثقيل:" لا بدّ من حلٍّ لقضيتنا نعيش فيه نحن وأبناء عمومتنا معًا. لقد سئمنا. لم يعد في البلاد أمان”. انتفض الرجل الجالس في المقعد الأمامي وصاح بها : " حلٌّ يحلّ عظامك! هذه أرضنا وشرفنا، فهل يساوم المرء عليهما؟ منذ مائة عامٍ أو يزيد، وشلال المسك يسيل من قلوبنا وأرواحنا. ما هذا الهراء الذي تقولين؟ ولأي قبيلة تنتمين؟”.
احتدّ السائق، وقال بنبرة مرتفعة:" لا خيار للفلسطيني سوى الوحدة؛ ملاذه الأخير حين تضيق الجغرافيا وتتكاثر الأسوار. والصمود في أرض الوطن هزيمةٌ للريح والظلم، حتى يرث الله الأرض ومن عليها”.
أخرجتُ هاتفي، والتقطتُ صورةً تجمع المسافرين جميعًا، وابتسمتُ ابتسامةً لا أعرف من أين جاءت. ثم كتبتُ رسالةً إلى روح ياسر عرفات:" سامحنا… أدخلتنا طابور النضال وغادرت. عُدْ يا رجل. لم يبقَ للثورة ظلّ، ولا للثوار كلام. اغتيل السلام والكفاح، وشُلّ العمل الجماهيري والمجتمعي، ودُمّرت غزة، وسُرقت الضفة الغربية، وضاعت العدالة على بوابات الفساد. وأصبح الشهداء والجرحى والأسرى مجرمين بالتقادم. عُدْ يا رجل”.
أرسلتُ الرسالة، كأنني أوقن أنها ستصل. أرحتُ رأسي إلى الخلف، وأغمضتُ عينيّ طويلًا. تسلّل إلى قلبي شيءٌ من السكينة؛ كأن الحديث إلى النجوم يعيد للمعنى اتّزانه وألقه حين تختلّ الأشياء.
لا أدري كم مضى من الوقت، حتى سمعتُ صوت الشاب الأنيق يقول: " لقد وصلنا إلى طولكرم”. توقّف السائق عند الباب، وحيّانا واحدًا واحدًا ونحن نغادر.
نزلتُ من السيارة. شعرتُ أنني متُّ في زمن ياسر عرفات… ثم عدتُ إلى الحياة من جديد.

