رَشا ظَبْيَتي ناسِجَةُ خُيُوطِ الفَجْر
الكاتب: د. محمد عودة
ليست رشا سوى امرأة غير عادية، امرأةً واحدةً تتجسد في هذا النص رمزًا لكل الغزيات، ظبيةٌ تعكس صورةَ امرأةٍ تعلمت أن تمشي فوق الركام دون أن تسمح له أن يستقر في قلبها، تعلمت أن تحمل وجعها بصمتٍ نبيل، دون أن تتخلى عن قدرتها على الحب بكل أطيافه وألوانه.
أرى ظبيتي فأرى المرأة الغزية التي مرّت عليها خلال عقود عدة مواسم من الفقد أكثر مما يليق بالبشر، ومع ذلك ما زالت تفتح نافذتها كل صباح كأنها تعقد هدنةً جديدة مع الحياة. امرأة تعرف طعم الغياب، وثقل الانتظار، وقسوة الأخبار التي تصل متأخرة أو لا تصل أبدًا، لكنها ترفض أن تجعل الحزن هويتها الأخيرة.
في تفاصيلها الصغيرة يظهر ما لا تقوله العناوين الكبيرة؛ في صمتها حين يشتد الضجيج، وفي نظرتها التي لا تنكسر رغم تكرار الخسارات، وفي ذلك الإصرار الهادئ على أن اليوم يجب أن يُعاش مهما كان ناقصًا، كأنها تعرف أن الحياة هنا لا تُمنح كاملة، لكنها تُنتزع لحظةً بعد لحظة.
ظبيتي هي تلك الحسناء التي تجمع ما تبقى من الضوء كل مساء وتخبئه للأيام القادمة، هي التي تخيط من الصبر ثوبًا لأطفالها، ومن الدعاء سقفًا لأحلامها، ومن الأمل بابًا يظل مفتوحًا مهما اشتدت الرياح.
لكن رشا في الحقيقة ليست معزولة عن باقي ظباء غزة، فصحيح أن هذا اسمها، إلا أنني كلما حاولت أن أراها وحدها وجدتها تتسع لتشبه نساء غزة جميعًا. ظبيتي تشبه تلك الفتاة التي أخفت خوفها لتمنح من حولها طمأنينة مؤقتة، وتشبه الأم التي ودّعت أحباءها ثم عادت لتعدّ الخبز والحياة معًا، وتشبه المرأة التي أثقلتها الخسارات دون أن تهزم إنسانيتها. لذلك حين أكتب عن رشا، فرغم أنها استثنائية، فإنني لا أكتب عنها بوصفها استثناءً، بل بوصفها نموذجًا لنساءٍ حوّلن الصبر إلى لغة يومية، والأمل إلى فعلٍ مستمر، وجعلن من البقاء الكريم انتصارًا صغيرًا يتجدد كل صباح.
في عالم يظن أن القوة تعني الصخب، تمارس ظبيتي رشا قوتها بهدوء. تصنع الحياة من تفاصيل صغيرة، من رغيفٍ يُقسم بمحبة، ومن كلمةٍ طيبة تُقال في وقتها، ومن ابتسامةٍ تنتصر على الدموع ولو للحظة. تعرف أن الجراح عميقة، وأن الفقد حقيقي، وأن العوز ليس قصة تُروى بل واقع يُعاش، لكنها تعرف أيضًا أن الاستسلام لن يعيد غائبًا ولن يبني غدًا.
ولا تقف ظبيتي عند حدود الصبر الفردي، بل تمتد يدها إلى من حولها كأنها جزء من نبض المجتمع نفسه. في زمن يضيق فيه كل شيء، تحاول أن تفتح مساحة للحياة بين الناس، تشارك ما تستطيع حين يشتد العوز، وتبحث عن طرق صغيرة ليبقى الآخرون واقفين على أقدامهم. هي لا تملك الكثير من الأشياء، رغم امتلاكها فائضًا من القيم، لكنها تعرف كيف تجعل القليل كافيًا لغيرها.
رشا تسعى في يومها إلى ما هو أبسط من الشعارات وأثقل من الكلمات؛ أن يصل الماء إلى من حُرم منه بفعل العدوان، وأن يجد طفلٌ حُرم من أبسط مقومات الحياة ما يسد به جوعه، وأن يُخفَّف عن بيتٍ أنهكه الانتظار، وأن يُرمَّم انكسارٌ صغير بكلمةٍ أو فعلٍ أو يدٍ تمتد في الوقت المناسب. أفعالها لا تُقاس بالحجم، بل بالأثر الذي تتركه في حياة من حولها، في مجتمعٍ يتكئ على بعضه كي لا يسقط.
ورغم سعة الصحراء في البعيد ومغريات الهجرة التي تعد بحياةٍ أسهل وظلٍ أكثر أمانًا، تصر رشا على البقاء، ليس عن عجزٍ عن الرحيل، بل عن يقينٍ خفي بأن المكان الذي وُلد فيه القلب لا يُستبدل بسهولة، وأن الجذور مهما اشتدت عليها العواصف تظل تعرف طريقها إلى الأرض الأولى. البقاء عندها ليس عنادًا، بل شكلٌ آخر من الوفاء؛ وفاءٌ للأرض، وللناس، ولحكايةٍ لم تُكمل فصولها بعد. تبقى لتواجه كل مشاريع التهجير، من مشروع نافو إلى ترهات سموتريتش وبن غفير، وبحضورها تصبح فكرة النجاة جماعية لا فردية فقط، كأنها تؤمن أن الإنسان لا يكتمل وحده، وأن البقاء لا معنى له إذا تُرك الآخرون خلفه في العتمة.
في كل صباح من الصباحات التي تجاوزت تسعمائة وسبعين صباحًا في الجولة الأخيرة من العدوان، حين يمر اليوم مثقلًا بما قبله، لا تبدأ من الصفر ولا تتظاهر بأن الألم غائب، لكنها تبدأ كما لو أن البداية ممكنة رغم كل شيء، وهذا وحده شكلٌ من أشكال القوة التي لا تُقال بصوتٍ عالٍ، بل تُعاش.
وفي ملامح ظبيتي اليومية، في خطواتها التي لا تتوقف رغم التعب، وفي يدها التي تعيد ترتيب الحياة كلما انكسرت، يظهر معنى لا تكتبه الشعارات؛ هو أن البقاء نفسه شكلٌ من أشكال المقاومة الصامتة، وأن الاستمرار رغم كل شيء ليس عادة، بل قرار.
لهذا تواصل ظبيتي الغزية نسج خيوط الفجر. تفعل ذلك كل يوم دون أن تنتظر تصفيقًا أو اعترافًا، تنسجها من إيمانها بأن الليل مهما طال لا يملك الحق في مصادرة حق الفجر في البزوغ، تنسجها من حبها للحياة، لا لأنها كانت عادلة معها دائمًا، بل لأنها تؤمن أن الحياة تستحق أن تُمنح فرصةً أخرى.
وحين أكتب عن رشا ظبيتي فإنني أكتب عن امرأةٍ، رغم تميزها، تشبهها غالبية الغزيات، امرأة تحمل في قلبها ندوب السنوات لكنها لا تسمح لها أن تطفئ جذوة الروح، امرأة تعرف أن الأمل ليس رفاهية، بل فعل مقاومة يومي، وأن الحب، في أكثر الأزمنة قسوة، يصبح شكلًا من أشكال النجاة.
لذلك تبقى ظبيتي رشا، كما كل ظباء غزة، واقفة عند حافة الليل، لا لتعدّ خسائرها، بل لتنسج بخيوط الصبر أول ملامح الفجر القادم، وكأنها تقول للعالم كله: ما دام في القلب نبض، وما دام في الروح إيمان، فإن الصباح سيجد طريقه إلينا مهما تأخر.
ورشا، غزالتي وظبيتي ومربية الأجيال، لن تكون شاهدةً على المأساة فحسب، بل ستكون واحدةً من صُنّاع الذاكرة وحراس الحقيقة. ستجلس بين أطفال غزة الذين نجوا من المحرقة، فتروي لهم حكايات الصمود كما تُروى الأساطير الجميلة، وتخبرهم عن المدن التي قاومت، وعن الأمهات اللواتي ودّعن أبناءهن واقفاتٍ كأشجار الزيتون
ستعلّمهم أسماء كل الأسلحة التي استُخدمت لإبادة أهل غزة، لا ليحفظوا أسماء الموت، بل ليعرفوا حجم الجريمة التي واجهها شعبهم عاريًا إلا من إيمانه بحقه. وستعلّمهم، في الوقت نفسه، أشكال المقاومة كلها؛ مقاومة الكلمة، ومقاومة المعرفة، ومقاومة التمسك بالأرض، ومقاومة اليأس حين يتسلل إلى القلوب.
ستخبرهم أن الهمجية، مهما امتلكت من نار وحديد، تبقى عاجزة أمام شعب يحمل قيمًا في صدره، وستعلّمهم أن القيم ليست كلمات تُقال في الخطب، بل قوة قادرة على هزيمة الطغيان، وأن الإنسان الذي يتمسك بكرامته وحريته وعدالته يستطيع أن ينتصر، ولو بعد حين، على أكثر أشكال الوحشية تجبرًا.
وحين يكبر أولئك الأطفال سيدركون أن غزة لم تكن مجرد ضحية حرب، بل مدرسةً كبرى في الصبر والكرامة، وأن الذين حاولوا محوها بالنار تركوا، من حيث لا يدرون، جيلًا جديدًا أكثر إيمانًا بالحياة، وأكثر قدرةً على الدفاع عن الحق، وأكثر يقينًا بأن القيم العظيمة تستطيع، في النهاية، أن تهزم الهمجية

