الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 3:56 AM
الظهر 12:42 PM
العصر 4:22 PM
المغرب 7:55 PM
العشاء 9:27 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

إلى متى يا جسر العودة

الكاتب: د. حسن أبولبده


منذ طوفان الأقصى، يغرق الفلسطينيون في جحيم لا قرار له، ما بين استفراد إسرائيل بإبادة جماعية مستمرة وإبادة اقتصادية شاملة وتجويع حتى الموت لغزة، وانهيار كافة جدران الحصانة الفردية والوطنية فلسطينياً، مما سمح بتقديم الضفة الغربية بالنتيجة على طبق من دم للاستعمار الاستيطاني والانفلات المؤسسي الكامل لزعران المستوطنين المدعومين والمحرضين من حكومة اليمين المتطرف، وخنق سياسي واجتماعي يومي بالحواجز والاعتداءات العشوائية، واستباحة البلدات والقرى من قطعان المستوطنين، دون أدنى مقاومة شعبية عارمة أو مؤسسية أو رسمية، وتفشي الفقر المدقع، وتسارع إفلاس مدمر للسلطة الفلسطينية وتجويع موظفيها، وما يترافق معه من شلل في النظام السياسي والمؤسسي، وكأن قدر حكومتنا الرشيدة أن تكون شاهداً على مسك الختام. ناهيك عن تفشي وتعمق التجاوزات التشريعية بشكل عام، وترسيم منظومة جديدة للحكم في فلسطين تقوم على مبدأ الولاء المطلق، بدون حق مطلق.

بالتزامن مع كل هذه المآسي، برزت تحديات ومصائب حركة المرور على جسر ألنبي إلى وعبر الأردن الشقيق، كمعضلة تهدد متانة العلاقات الأردنية الفلسطينية، وتكرس عدم أهلية القيادة الفلسطينية في الذود عن مصالح مجتمعها لوقوفها متفرجة، بينما يعاني معظم المسافرين من عقوبات إسرائيلية شديدة على السفر عبر الجسر، تتجلى باختصار عدد العائدين اليومي وتقليص وقت دوام الجسر، وتعقيد إجراءات التنقل والتحكم فيها، بما في ذلك لجوئها إلى فرض وقت انتظار طويل على جانبي الحدود الفلسطينية الأردنية. وإن هذه الإجراءات العقابية هي بيت الداء بالنسبة لمعاناة العائدين إلى وطنهم وتعمقها يوما بعد يوم.

أما وقد شخصنا السبب الرئيس للمأساة المتفاقة، فإنه لا يفوتنا الإشارة الى مجموعة منغصات، تأت جزئيا كنتيجة لا تقل مأساوية عن تلك التي تفرضها إسرائيل، نسوقها هنا ونقترح حلولا لها.
1. تجارة المنصة. المفروض أن الغرض الأساس من إنشاء المنصة هو تسجيل العائدين وتنظيم سفرهم في رحلة عودتهم. وقد فُرِضَت رسوم خدمة على استخدام المنصة بمبلغ 10 دولارات لكل مسافر، صغيراً كبيراً. وعلى الرغم من أن الهدف السامي من إنشاء المنصة هو تنظيمي بحت، للتخفيف والتسهيل على المسافر العائد، واستكمال إجراءات سفره بدقائق، تمهيداً لانتقاله إلى الجانب الآخر من الجسر عائدا إلى بيته وعائلته. إلا أن الواقع لا يمت للترتيبات النظرية بصلة، حيث تتسرب مئات الحجوزات لتجار معينين، يصطادون من لم يتمكنوا من التسجيل وبيعهم حجوزات وهمية، أو تُشْتَرَى مسبقا.

2. الرشاوى للحصول على تنسيق دخول أو دور متقدم، حيث يلجأ كثير من الفلسطينيين إلى دفع مبالغ خيالية لبعض العاملين في شركة جت وغيرهم على المعبر للحصول على خدمة تنسيق العبور على حساب المسجلين على المنصة، وبذلك يتنافس المسجلون على المنصة أصولاً، مع أفراد دفعوا عشرات إن لم يكن مئات الدنانير مقابل منحهم أولوية إتمام الإجراءات. وقد شاهدت العديد من هذه الحالات بأم عيني. والغريب أن هذه الشركة مملوكة من بعض الفلسطينيين فائقي الثراء، إلا أن حجم الأرباح المتحققة أعمت بصيرتهم على ما يبدو، فهم يعلمون جيدا بما يجري.

3.تجار الشنطة الفلسطينيين ومهربو السجائر والمعسل وغيره، وبعضهم يرتبطون بعلاقات إدارية ومالية مع بعض المتنفذين في الجانب الفلسطيني، حيث يقدر عدد هؤلاء بمئات التجار الصغار والكبار، الذين يتنقلون على الجسر ذهابا وإيابا بشكل يومي تقريبا. وتبلغ أرباحهم السنوية مجتمعين عدة مئات ملايين الشواقل، التي تهدر من إيرادات السلطة.

4.تجار العمرة، حيث يقوم مئات من الأشخاص بالسفر بحجة العمرة لمرتين أو ثلاث شهريا. وعاد يعودون محملين بالمهربات، خاصة السجائر، وبيعها لتجار معروفين، الذين بدورهم يبيعونها في نقاط توزيع معروفة في الضفة الغربية.

5.عدم اكتراث قيادة السلطة وسعيها لللعمل مع جلالة ملك الأردن الشقيق لوأد هذه الظواهر. حيث في الوقت الذي أصدر فيه جلالة الملك عبد الله تعليمات متكررة لتسهيل حركة الفلسطينيين على جسر الملك حسين، وقام معالي وزيري الداخلية الفلسطيني والأردني بزيارات متكررة للمعابر، إلا أن الوضع لم يتغير، ولم نسمع بتدخل واحد أو حتى تصريح صحفي من الرئاسة، وكأنها تعيش في زمن آخر. ووبظني أن الاستعصاء يعود إلى وجود مجموعة مصالح فلسطينية وفي شركة جت تمنع حل يضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية للمسافرين.

6. قلة يد الحكومة الفلسطينية، حيث إنه وعلى الرغم من جهود وزير الداخلية الظاهرة، فإن الحكومة بشكل عام ما زالت عاجزة عن وضع حد للمعاناة، وتنظيم سفر رعاياها بطريقة تمنع التراكم والاحتكاك، والاضطرار إلى الرشوة.  وقد ساهم ذلك في انطلاق مبادرات وحراكات مجتمعية غاضبة، حاولت وما زالت تمثيل صوت المواطن والتعبير عن ألمه، في ظل غياب دور واضح للمؤسسة الرسمية.  ونتوقع في حال استمرت معاناة المسافرين، وتجاهل "الدولة" لهذه المعاناة، أن تتحول إلى كرة احتجاجات متدحرجة من فئات ومؤسسات المجتمع المختلفة، لا نعرف مداها وكيف ستنتهي.

ما الحل.
لا يكفي توصيف المعاناة وتسبيبها، وإنه لمن الخطيئة عدم وضع هذا الموضوع على قمة رأس أولويات "الدولة" بمن يمثلها.

1.ما الذي يمنع الرئيس من الاجتماع مع جلالة الملك لمحاولة اتخاذ إجراءات ثنائية لمعالجة هذه المأساة من جذورها، ووضع رقابة مشددة على تنفيذ ما يقرران. إضافة إلى التوجه لإسرائيل مباشرة والولايات المتحدة والجهات الدولية ذات الوزن في شأن الإقليم، لإلزام إسرائيل بإعادة دوام الجسر إلى ما قبل طوفان الأقصى، بما في ذلك فتح الجسر لساعات طويلة، إن لم يكن على مدار 24 ساعة يوميا.

2. وبصفة حركة فتح هي أم الصبي، ومن المفروض أن ما يضير شعبنا يضيرها بصفتها صاحبة المشروع، لماذا لا تقود حراكاً منحازا لمصالح الجماهير، وقيادة رفع منسوب الضغط على السلطة والقيادة للعمل الجاد على معالجة هذا الوضع الشاذ.

3. وحيث إن القائمين على شركة جت (ملاكها) من موسري الشعب الفلسطيني، والمستفيدين تاريخيا من مرحلة أوسلو، كيف ولماذا يسمحون لشركة جت، المسؤولة عن سلوك موظفيها على الجسر، بإساءة سمعتهم، ويغضون الطرف عن إيراداتها من جيوب العائدين إلى وطنهم عبر المعبر الوحيد، وربما أنها شريكة في تحقيق الأرباح من شفط أموال أموالهم. وألا يدعونا ذلك للتفكير جديا بمراجعة علاقة ودور شركة جت على الجسر، بما في ذلك المطالبة بكف يدها.

4. فلسطينيا، لماذا لا تبادر الحكومة باتخاذ إجراءات تنظيمية فورية لتخفيف الضغط وتصويب الحال، مثل:
‌أ. تقييد عدد المعتمرين في أي يوم بحيث تكون حصتهم بما لا يتجاوز 10% من المغادرين و10% من العائدين يوميا.
‌ب. منع العمرة لأكثر من مرة في العامين لأي شخص، ومخالفة المعتمرين لأكثر من مرة خلال أي عام وتغريمهم بمبالغ طائلة وحرمانهم من العمرة لأجل بعيد، وتغريم شركات العمرة التي تتواطأ معهم.
‌ج. تكثيف إجراءات التفتيش ومصادرة المهربات على اختلاف أنواعها، ووضع قوائم منع السفر مؤقتا، أو على الدوام بحق تجار المهربات صغاراً كبار، والتقصي والبحث ومساءلة من خلفهم.
5. التنسيق المستمر مع الجانب الأردني على كافة المستويات، وميدانيا مع قيادة المعابر في الجانب الأردني لإمكانية اتخاذ تدابير حازمة بحق من يستخدمون المعابر لغايات تجارية، والتي في معظمها خارج القانون.
6.إحالة الراشين والمرتشين والمخالفين للنيابة وملاحقتهم قانونيا. واعتبار دافعي الرشوة على الجانب الأردني خارجين عن القانون.
7. توسيع وتعزيز المبادرات والحراكات المجتمعية بانضمام فعاليات مجتمعية أخرى والقطاع الخاص، لإعلاء صوت المواطن ومطالبه سلميا، لعل وعسى تفلح هذه المبادرات في الضغط على "الدولة" لوضع ثقلها خلف مطالب المواطنين، قبل فوات الأوان.

إن لب المشكلة وعصبها إسرائيلي، وإن تجلياتها تحدث بالدرجة الأولى بسبب صلفه وسلوكه، والتباطؤ المقصود في إنجاز معاملات السفر/العودة. إلا أن ذلك يجب أن لا يعمي أبصارنا عن مسؤولية الجانب الفلسطيني، بصمته على مئات المهربين وتجار العمرة الذين يسرحون ويمرحون أمام نظر الجميع، وربما يُنَفِّعون بعض المتنفذين. هل من المعقول عدم قدرة حكومتنا الرشيدة على عقد اجتماع طارئ مع مُلاك شركة جت لوضع النقاط على الحروف، ومطالبتهم بإجراءات شفافة والتعامل بحزم مع الرشاوي، والتعامل مع كرامة المسافرين واعتبارها خط أحمر، وتمنع مزيدا من الاحتقان في الجانب الفلسطيني.

وبالنسبة لإشقائنا الشعب الأردني، فإننا ننتظر منكم شهامتكم التي نعتز بها يا أشقاءنا، فأنتم النصير والمحامي والحضن الدافئ لإخوانكم وأخواتكم في كافة المحطات والملمات، وإننا نستغيث بكم لإنهاء هذه الظاهرة غير المعبرة عن أخلاق الشعب النشمي، أهلنا واصهارنا وإخواننا أصحاب الهمة. نعتز بكم ونعتبركم ظهيرنا الحريص الحامي والشفيع، وننتظر منكم التدخل على أعلى المستويات لوأد هذه الحقبة البائسة من تاريخ شعبينا بأقرب فرصة.

أعلم جيدا أن جلالة الملك عبد الله بن الحسين لا يمكن أن يقبل هذا الوضع، وإنني كمواطن فلسطيني أثمن الزيارات المتكررة لمعالي وزير الداخلية إلى الجسر، وننتظر منه الوفاء بما وعد بحل هذه المعضلة بأقرب فرصة، وعلى رأسها قطع دابر منظومة الفساد والابتزاز، التي تقوم بها قلة لا تضع مخافة المولى بين عينيها، ولا تعبر مطلقا عن شهامة شعبينا الأردني الكريم والفلسطيني الصامد.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...