نبض الحياة: الإبادة من المنظور الإسرائيلي
الكاتب: عمر حلمي الغول
اتسمت ردود الفعل الإسرائيلية بعد مرور ألف يوم على الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطينية بمواقف متضاربة، عكست حالة التنافر والصراع داخل الشارع الإسرائيلي، مما يؤكد عمق الازمة الداخلية، وغياب الوحدة حتى لو الشكلية بين الموالاة والمعارضة، وفي أوساط ونخب المجتمع السياسية والأمنية والقانونية والاقتصادية والدينية والاجتماعية، بين ذوي الاسرى الإسرائيليين ومن يدعمهم والحكومة ومن يقف الى جانبها، بين الجنرالات من الأجهزة والمؤسسة العسكرية وقادة الائتلاف من الكتل البرلمانية، بين الموالاة والمعارضة، بين رجال المال والاعمال والاقتصاد عموما ومجلس الوزراء، لا أحد مع أحد، وجهات نظر متنافرة تجاه "طوفان الأقصى" في 7 تشرين اول / أكتوبر 2023، وما تلاه من تطورات على مدار الألف يوم الماضية، أولا حول شكل ومحتوى لجنة التحقيق الإسرائيلية في الحدث الاستثنائي يوم السبت 7 أكتوبر، وما أعقبه من تطورات؛ ثانيا حول اهداف الحرب وما تحقق منها، وما لم يتحقق؛ ثالثا بشأن قدرة وكفاءة الجيش في الميدان؛ رابعا حول طبيعة الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني والتصنيفات الأخرى لها؛ خامسا بشأن الهجرة الإسرائيلية المعاكسة من إسرائيل للخارج؛ سادسا أزمة تجنيد الحريديم وطلاب المدارس الدينية من الشباب اليهود الصهاينة؛ سابعا طول فترة الحرب وانعكاساتها على ااجيش الإسرائيلي والمجتمع عموما؛ ثامنا الازمة الاقتصادية وتداعياتها؛ تاسعا حول مستقبل الدولة في الجيوسياسية للإقليم. وغيرها من الازمات الخاصة والعامة في مركبات وقطاعات الدولة الإسرائيلية.
بيد أن السمة العامة في الشارع الإسرائيلي وفي أوساط النخب السياسية والثقافية والفنية والأكاديمية والإعلامية والعسكرية من تجربة الألف يوم، هو السخط والشعور بالهزيمة والانكسار، رغم مظاهر البلطجة والغطرسة والاستعلاء العنصري الغوغائي، المقرون بالتوحش العدواني على الشعب العربي الفلسطيني في كل شبر من ارض الدولة الفلسطينية المحتلة من الجيش والأجهزة الأمنية وقطعان المستعمرين المنتشرين كالفطر في ارجاء الأرض المحتلة في الضفة الغربية وعلى رأسها العاصمة الفلسطينية القدس، والعمل الحثيث في قطاع غزة وعموم الضفة الغربية على فرض التهجير القسري والتطهير العرقي، والحؤول دون استقلال الدولة الفلسطينية، والحرب والملاحقة لكل مثقال ذرة من ملامح الهوية الفلسطينية بالطمس والتبديد والتصفية.
ولألخص موقف الحكومة الإسرائيلية النازية ورئيسها، بنيامين نتنياهو من مرور ألف يوم على حرب ال 7 من أكتوبر، وفي رده على سؤال من أحد الإعلاميين العاملين في القناة الإسرائيلية ال 14، عما تغير فيه منذ احداث أكتوبر، ابتسم وأجاب مازحا "لقد فقدت بعض الوزن." وكأن لسان حاله يقول، 7 أكتوبر وما تلاها "انا شريك في صناعته وهندسته والتمهيد له"، وبالتالي "كنت اعلم ما سيحدث، لأنه أوحي إليّ من رب السماوات لفناء العماليق (الفلسطينيين)، ولهذا اخترت عناوين الحرب والابادة "السيوف الحديدية"، و"عربة جدعون" و"يوم القيامة"، تلك العناوين التوراتية استخدمتها الحكومة لتحقيق هدف التطهير العرقي الاوسع للفلسطينيين."، نعم رد بكثير من السخرية والابتذال والانحطاط الأخلاقي والقيمي، وكأن مئات ألاف الضحايا من الفلسطينيين العرب واليهود الإسرائيليين والأسرى الصهاينة، لا يعنوا له شيئا، مقابل تجسيد وتكريس هدف الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين.
جواب رئيس حكومة الائتلاف الحاكم الإسرائيلية، أثار ضجة وموجة انتقادات وردود فعل إسرائيلية حادة من أحزاب المعارضة، واعتبروا موقفه استهانة بهجوم 7 أكتوبر وتنصلا وتهربا من المسؤولية السياسية والأمنية والأخلاقية، ومن بين زعماء المعارضة، أنتقد رئيس الأركان الأسبق، ورئيس حزب يشار غادي ايزنكوت، بشدة تصريحات نتنياهو، قائلا "رئيس وزراء يستهزئ ب 7 أكتوبر، ويتباهى بأن ما تغير فيه منذ تلك الكارثة الأفظع في تاريخنا، في عهده، هو فقدان الوزن – أنه شخص منفصل عن الواقع، غير كفؤ، ولا يستحق هذا الشعب." وأضاف أن "تشكيل لجنة للتحقيق في هذه الكارثة ومنع تكرارها هو أمر لا بد منه. سنشكلها، هذا أمر يشغل بالنا." ومن جهته أصدر حزب "إسرائيل بيتنا" بيانا قال فيه: "ما الذي تغير منذ السابع من أكتوبر؟ الاف القتلى والجرحى، ومئات الالاف الذين تم اجلاؤهم من الشمال والجنوب، وملايين من المواطنين ينهارون تحت وطأة غلاء المعيشة. أما رئيس الوزراء في السابع من أكتوبر؟ فيستمر في الاستهزاء والتهرب من المسؤولية."
كما أن صحيفة "هآرتس"، وصفت الألف يوم ب "الفشل الذريع"، وأكدت أن نتنياهو سمح ببقاء حركة حماس في السلطة خوفا من شركائه في الائتلاف، مشيرة الى أن إسرائيل أصبحت "دولة منبوذة"، وعالمها الخارجي في أسوأ حالاته. وأكد محللون إسرائيليون الى أن غزة ألحقت بتل أبيب "أزمة نفسية غير مسبوقة"، وأن حالة الهزيمة والردع أسوأ بكثير مما كانت عليه بعد حرب لبنان الثانية. وفي انتقاد غير مسبوق، قال الصحفي الإسرائيلي رون كحليلي إن إسرائيل "ترتكب إبادة جماعية في غزة والضفة الغربية،" محذرا أن عمليات القتل تُنفذ بصورة ممنهجة وعلى نطاق واسع. وقال الصحفي الإسرائيلي بن كاسبيت إن ألف يوم مرت على ما وصفها ب "أسوأ كارثة في تاريخ إسرائيل منذ تأسيسها،" ورغم ذلك لا تزال الحكومة عاجزة عن تشكيل لجنة تحقيق رسمية.
وعشية مرور 1000 يوم على هجوم السابع من أكتوبر والحرب على غزة، أظهر استطلاع رأي، حالة تشاؤم في الرأي العام الإسرائيلي، إذ قال 25% فقط إن إسرائيل تنتصر في الحرب، في المقابل قال 15% إن حماس تنتصر، فيما رأى 49% أنه لا يوجد حسم في هذه المرحلة. بمعنى آخر، أن إسرائيل فشلت في تحقيق أي من الأهداف.
وكانت مظاهرات بالآلاف خرجوا في تل ابيب والقدس، وأغلقوا الشوارع، واتهموا نتنياهو وحكومته ب "إخفاء الحقيقة"، وأعلنوا رفضهم للجان التحقيق الحكومية، التي تتستر على الحكومة، ورفعوا لافتات تطالب بتشكيل لجان تحقيق مستقلة، ومحاسبة المسؤولين عما حدث في 7 أكتوبر، وأن الحكومة ضحت بالأسرى الإسرائيليين.
النتيجة الماثلة، تؤكد أن الغالبية في الشارع والنخب الإسرائيلية ضد نهج وسياسات الحكومة برئاسة نتنياهو، واعتبروها فشلت فشلا ذريعا في تحقيق أي من الأهداف التي رفعتها من بداية الإبادة الجماعية حتى اليوم اللف، وهو ما يؤشر بشكل جلي الى أن الازمات المتشعبة والمتصاعدة تتعمق في مركبات الدولة الإسرائيلية، وليس في حكومة الائتلاف الحاكم فقط.

