هل عاد نتنياهو إلى بيت الطاعة؟
الكاتب: نبيل عمرو
إسرائيل هي الطفل الوحيد الذي لم ولن يبلغ سن الفطام عن المرضعة الأمريكية، التي توفر له حليباً كامل الدسم لا حياة ولا نمو من دونه.
ومنذ تأسيسها كدولة وإلى أيامنا هذه، لم يجرؤ أي رئيس حكومةٍ فيها على الاختلاف مع أي إدارة أمريكية جمهوريةً كانت أم ديموقراطية، وهذه الحقيقة، لا ينظر إليها من زاوية الاختلافات الثانوية التي تنشأ بين مرحلةٍ وأخرى، أو من زاوية المناكفات اللفظية حول مواقف معينة، بل ينبغي أن يُنظر إليها من زاوية قدرة إسرائيل على رفض قراراتٍ أمريكيةٍ رئيسيةٍ تتخذها الإدارة، منها مثلاً كفّ يدها عن التدخل في حربٍ كما حدث في زمن الرئيس بوش، وحربه الدولية على العراق، وقبل ذلك اقتياد كارتر لمناحيم بيغن لتوقيع معاهدة السلام مع مصر، وأخيراً وليس آخراً كفّ يد نتنياهو عن الملف الإيراني بعد أن عومل أثناء الحرب كشريكٍ استراتيجي لا غنىً عن دوره، ولم يُعامل كذلك حين فُتح الملف السياسي التفاوضي.
علاقة إسرائيل مع المرضعة والحاضنة الأمريكية، فيها هوامش تسمح لها باللعب عليها، بمنطق نظرية إرخاء الحبل وشده، ذلك لأن طرف الحبل دائماً يظل في اليد الأمريكية، ترخيه وقتما تشاء، وتشدّه وقتما تشاء، ولكن لم يحدث أن وصل حد القطع.
إثر طرده عن الملف الإيراني، تمادى نتنياهو في انتقاد موقف الرئيس ترمب، وأكثر من الحديث عن استقلالٍ اسرائيليٍ عن أمريكا، بما في ذلك الاستغناء عن دعمها العسكري، الذي يشكّل ما يزيد عن 90% من قدراتها الحربية، وتفوقها وإدامة حروبها مهما بلغ مداها الزمني، وتعدد ساحاتها، ولقد رفع نتنياهو شعار التخلّص من الدعم الأمريكي، ليس كشعارٍ يُرفع كي يطبّق وإنما للرد على منافسيه الذين اتهموه بتشويه العلاقة مع المرضعة الأساسية، وليس ذلك فقط بل أظهر إسرائيل كدولةٍ تابعةٍ لا قرار لها حتى فيما يخصّ أمنها ووجودها.
تجاوز نتنياهو حدّه اللغوي في انتقاد ترمب، الذي لم تسمح له نرجسيته المفرطة بالتغاضي وتجنّب الرد، وقد انضمّ إلى الإهانات التي وجهها ترمب بطريقته الخاصة نائبه الأكثر رصانةً في استخدام اللغة جي دي فانس، الذي أنّب نتنياهو حدّ الإهانة مذكّراً إياه بنظرية الرضيع الذي لا يحق له عضّ من يرضعه.
استغل نتنياهو حدث الاحتفالات الأمريكية بعيد الاستقلال، مع أنه لم يكن بحاجةٍ إلى هذه المناسبة كي يهاتف ترمب، ليس للتهنئة فقط وإنما لطلب زيارة البيت الأبيض، ولقد حصل على وعدٍ بتلبية طلبه قريباً.
عودةً إلى العنوان، إن نتنياهو لم يغادر بيت الطاعة الأمريكي فعلاً حتى يقال إنه عاد إليه، فلا هو بقادرٍ على المغادرة ولا ترمب بقادرٍ على المضي قدماً في جفاءٍ جديٍّ مع نتنياهو، وهذا هو الحال بين الطفل وحاضنته.
آخر خبرٍ حول زيارة نتنياهو المؤكدة والقريبة إلى واشنطن، أن الرئيس ترمب قال له وهو يعدّ حقائبه للسفر، إنك يا بيبي تعرف من هو الرئيس ومن هو الزعيم ومن هو صاحب القرار.
ونتنياهو الذي تلقّى هذا التنبيه يعرف كيف سيعالج الأمر في واشنطن، حيث الإذعان المطلق هو ما سيلتزم به.

