الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:02 AM
الظهر 12:44 PM
العصر 4:24 PM
المغرب 7:54 PM
العشاء 9:25 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

شهادة من باريس .. كيف غابت فلسطين عن معركة أخلاقية محسومة؟

الكاتب: باسل أبو سعدة

أُتيحت لي الفرصة، خلال الأيام الثلاثة الماضية، للمشاركة في المؤتمر العالمي التاسع لمناهضة عقوبة الإعدام، الذي انعقد في باريس برعاية الحكومة الفرنسية، وبحضور رئيس الجمهورية الفرنسية وعدد من الوزراء، إلى جانب شخصيات حقوقية ودبلوماسية من مختلف أنحاء العالم، ومدافعين عن حقوق الإنسان ومناضلين أمميين من أجل العدالة.


شاركت في المؤتمر بصفتي المهنية أكثر من أي صفة أخرى، لكنني لم أستطع أن أفصل بين عنوان المؤتمر وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إبادة جماعية، وتهجير قسري، واستهداف ممنهج لوجوده، وصولًا إلى محاولات الاحتلال تشريع عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين، في واحدة من أخطر أدوات الإرهاب القانوني التي يسعى إلى تكريسها.

منذ الجلسة الافتتاحية، التي حضرها سفراء ووزراء ومسؤولون أوروبيون وشخصيات رسمية من مختلف دول العالم، بدأت أبحث عن الحضور الفلسطيني في هذا المحفل الدولي الكبير. كنت أعتقد أن فلسطين ستكون حاضرة بقوة، وهي التي تواجه شعبًا يُقتل ويُهجّر ويُحاصر، ويُراد له اليوم أن يُعدم بقانون.

لكن الصدمة كانت أن الحضور الفلسطيني اقتصر يتيماً على مؤسسة أهلية واحدة، هي "مركز إعلام حقوق الإنسان و الديمقراطية - شمس"، التي بذلت جهدًا استثنائيًا، يفوق إمكاناتها، لمحاولة إبقاء قضية الأسرى الفلسطينيين وقانون الإعدام حاضرة  في أروقة المؤتمر  أكثر من جدول أعماله.

أما السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، بكل سفاراتهما وبعثاتهما وإمكاناتهما السياسية والدبلوماسية، فقد كان غيابهما كاملًا... غيابًا لا يمكن تبريره، ولا يمكن وصفه بأنه مجرد تقصير إداري أو ضعف في الأداء.

لقد أهدت الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة الدبلوماسية الفلسطينية فرصة سياسية وأخلاقية نادرة، حين دفعت باتجاه تشريع قانون الإعدام بحق الفلسطينيين. كان بالإمكان تحويل هذا القانون إلى قضية دولية كبرى، تعزل الاحتلال أخلاقيًا وقانونيًا، وتضعه في مواجهة العالم. لكن هذه الفرصة أُهدرت كما أُهدرت عشرات الفرص قبلها.

المؤلم أن الفلسطينيين كانوا يملكون في هذا المؤتمر الأرضية القانونية والأخلاقية كاملة، بينما غاب من يفترض أنهم يمثلونهم. وعندما تغيب القيادة عن معركة محسومة أخلاقيًا وحقوقيًا، فإنها لا تخسر معركة دبلوماسية فحسب، بل تفرّط بأحد أهم ميادين الدفاع عن شعبها.

ما جرى في باريس ليس تفصيلًا عابرًا، بل نموذجًا صارخًا لأزمة سياسية ودبلوماسية عميقة، ولعجز مزمن عن استثمار التحولات الدولية، حتى في اللحظات التي يكون فيها العالم أكثر استعدادًا للاستماع إلى الرواية الفلسطينية.

بعد كل ما جرى في غزة، وبعد كل ما يشهده شعبنا من قتل وتجويع وحصار وإبادة، لم يعد مقبولًا أن يبقى الأداء الرسمي أسير الصمت والغياب. فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، والفرص التي تُهدر اليوم قد لا تتكرر غدًا.

إلى هنا أعلم أن بين من سيقرأ هذه الكلمات مسؤولين وأصحاب قرار، ولذلك أقولها بوضوح: هذه ليست محاولة لتسجيل موقف، بل شهادة أمام التاريخ. وما رأيته في باريس يؤكد أن معركة شعبنا لم تعد تواجه الاحتلال وحده، بل تواجه أيضًا أزمة تمثيل سياسي وعجزًا دبلوماسيًا لا يقل خطورة عن كثير من التحديات التي نعيشها.

لقد أدّيت ما يمليه عليّ ضميري، وبلّغت ما رأيت، والتاريخ سيقول كلمته في الجميع.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...