السلطة الفلسطينية اليوم: بنية تحتية لدولة أو مشروع دولة فاشلة
الكاتب: حسن أبو لبدة
في الوقت الذي تستمر فيه حرب الإبادة والتجويع والحصار الخانق في قطاع غزة، تتصاعد سياسات الاحتلال في الضفة الغربية بشكل ممنهج. فبالتوازي مع العمليات العسكرية، يُطلق المستوطنون، بدعم واضح من الجيش، حملات ضغط منظمة على القرى والبلدات الفلسطينية لإجبار سكانها على الإخلاء، على غرار ما حدث مع مخيمات شمال الضفة. كما تواصل إسرائيل الاستيلاء على الأرض تحت مسميات جديدة، مثل "المستوطنات الرعوية".
لا يمكن فهم طبيعة السلطة الفلسطينية دون إدراك الدور البنيوي الذي يلعبه الاحتلال الإسرائيلي. فمنذ البداية، صُمِّمَتْ لتكون محدودة السيادة، ملزمة بالتنسيق الأمني مع إسرائيل، وتفتقر إلى السيطرة على الحدود والموارد الطبيعية. سياسات الاحتلال هذه، ما بين خنق غزة وقطع أوصال الضفة الغربية بالكنتنة ومنع التواصل الجغرافي بين المدن والقرى بأكثر من 1,000 حاجز وبوابة، جعلت السلطة عاجزة عن ممارسة وظائف "الدولة" الطبيعية، وقد عمقت السيطرة الإسرائيلية على إيرادات المقاصة ومفاصل الاقتصاد الفلسطيني هشاشة السلطة وعجزها عن توفير أبسط مقومات الحاجة المالية، وحوّلتها إلى كيان ريعي يعتمد على المساعدات الدولية، وإيرادات محلية ضعيفة جداً، والإقتراض المكثف من مصادر محلية مختلفة.
إلى جانب ذلك، توسع الاستيطان بشكل غير مسبوق، خصوصاً عبر ما يسمى "المزارع الرعوية"، التي تمتد على أكثر من مليون دونم وتشكل نحو 18% من مساحة الضفة الغربية، وتسيطر فعلياً على مساحات واسعة من الأرض الخصبة، مما يعيق التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية ويُسهم في فرض وقائع جديدة على الأرض تحول دون إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وذات سيادة. وفي الوقت نفسه، تُبذل جهود حثيثة لتجريد منطقة "ب" من هويتها السياسية كجزء من الكيان الانتقالي، إلى جانب سياسات الخنق الاقتصادي والتقسيم إلى كانتونات معزولة.
بناء على ذلك لا بد من الإجابة على السؤال المركزي: هل تحمل السلطة في طياتها نواة بنية معقولة ومقبولة لمشروع دولة فلسطينية مستقبلية؟ أم أنها تتحول تدريجياً، تحت ضغط الحصار الأمني والاقتصادي والترهل الإداري وغياب الإرادة السياسية، إلى مشروع دولة عميقة و/أو رخوة و/أو فاشلة؟
هذا السؤال في محله منذ إنشاء السلطة وحتى اليوم، في ظل حرب الإبادة المستمرة على غزة، وتصاعد التشريد والاستيطان في الضفة الغربية، وتعمق الانقسام الداخلي، إلى جانب التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه الفلسطينيين.
لفهم طبيعة السلطة اليوم، يمكن الاستعانة بمفاهيم "الدولة العميقة" و"الدولة الرخوة". فالدولة العميقة تشير إلى وجود شبكات قوة غير رسمية، غالبًا أمنية وبيروقراطية، تتحكم في القرار السياسي بعيداً عن المؤسسات المنتخبة. أما الدولة الرخوة، فهي تلك التي تفتقر إلى القدرة أو الإرادة على تطبيق القوانين بفعالية، وتتميز بضعف سيادة القانون وانتشار الفساد والمحسوبية.
عند تطبيق هذه المفاهيم على السلطة الفلسطينية، نجد أنها تحمل سمات الاثنين معاً: منظومة أجهزة أمنية ضخمة جداً، تفوق حاجة النظام السياسي وتشكل مركزاً مؤثراً في صناعة القرار، يقابلها ضعف مؤسسي في تطبيق القانون، غياب رقابة برلمانية، وانتشار الفساد والمحسوبية في دوائر معينة قريبة من مراكز صنع القرار. هذا المزيج يجعل السلطة قادرة على السيطرة داخلياً عندما يتعلق الأمر بمصالح نخبها، لكنها عاجزة عن مراكمة إنجازات على طريق تحقيق أهداف وطنية استراتيجية، أو بناء مؤسسات دولة حديثة.
دور الانقسام الداخلي والشرذمة الداخلية في مسار الدولة الفاشلة
إلى جانب الاحتلال، يمثل الانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة والشرذمة الداخلية وتركز السلطات، أبرز عوامل إضعاف السلطة وحشرها في مسار منظومة الدولة العميقة والرخوة. فمنذ انقلاب حماس على "الشرعية" عام 2007، تعيش الساحة الفلسطينية حالة انقسام سياسي وجغرافي عميق، وشرذمة الداخلية في الضفة. هذا الانقسام أضعف الشرعية الوطنية للسلطة، وحرمها من القدرة على تمثيل شعبها في نطاقة ولاية "دولة فلسطين المستقبليةً. كما أدى إلى ازدواجية في البيئة التشريعية والسياساتية الناظمة للعقد السياسي والإجتماع والإقتصادي للشعب الواحد، وإشعال تنافس مدمر على الشرعية بين رام الله وغزة.
لم يكن الانقسام مجرد خلاف سياسي، بل تحول إلى بنية موازية: في غزة، نشأت سلطة قائمة بذاتها، لها جهازها الأمني وإدارتها الاقتصادية، بينما بقيت السلطة في الضفة محدودة الصلاحيات تحت الاحتلال. هذا الواقع جعل من الصعب بناء استراتيجية وطنية موحدة، وأضعف قدرة الفلسطينيين على مواجهة التحديات الخارجية. كما ساهم في تآكل الثقة الشعبية بالسلطة، إذ يرى كثيرون أنها عاجزة عن إنهاء الانقسام أو تحقيق المصالحة، ناهيك عن تلبية الإحتياجات والخدمات المطلوبة بالمهنية والجودة المطلوبة.
إضافة لذلك، فقد استُخِدمَ الإنقسام لتعطيل العملية الديمقراطية، حيث لم تُجرَ انتخابات عامة منذ عقدين خلافا لنصوص القانون الأساسي، مما عمّق أزمة الشرعية، وأعتقد أن مرسوم عقد الإنتخابات التشريعة دون الرئاسية يطرح أسئلة كثيرة على ما وراء القررات والإجرائات التي يتم تسويقها من باب دمقرطة المجتمع. كما انعكس الانقسام على المجتمع الفلسطيني، حيث تعززت الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية بين سكان غزة والضفة، وأصبح لكل منطقة أولوياتها ومشكلاتها الخاصة، إضافة الى القطيعة مع فلسطينيي الشتات، مما أضعف وحدة القضية الفلسطينية.
انعكست هذه البنية على المجتمع الفلسطيني بطرق متعددة. حيث أن ضعف المؤسسات وانتشار الفساد والمحسوبية أدى إلى تراجع الثقة الشعبية، خاصة بين الشباب والكفاءات، ما دفع كثيرين إلى التفكير بالهجرة. على المستوى الاقتصادي، جعل الاعتماد على المساعدات الدولية والاقتصاد الريعي حول السلطة الى أسيرةشروط المانحين والاحتلال، وأضعف الحوافز لبناء اقتصاد وطني منتج. وتبخرت أحلام التنمية المستدامة تحت وقع الحصار الخانق في غزة، مما أدى إلى انهيار شبه كامل للبنية الاقتصادية، بينما عملت القيود الإسرائيلية والاستيطان فعلها بإمكانية التنمية المستدامة في الضفة.
هذا الواقع الاقتصادي والاجتماعي لا يقتصر على الحاضر، بل يهدد المستقبل أيضاً. ومن المرجح أن ترث الأجيال القادمة بنية دولة مهلهلة ضعيفة وغير قادرة على تلبية احتياجاتها، ما لم يتم استدراك هذا الواقع في الوقت المناسب.
هل السلطة مشروع دولة فاشلة؟
بناء على ما تقدم يبرز السؤال، هل لدى السلطة مقومات دولة مستقبلية قادرة على توفير احتياجات شعبها، أم أنها محكومة بالفشل؟. من الناحية التحليلية، لا يمكن تصنيف السلطة كدولة فاشلة بالمعنى التقليدي، لأنها ليست دولة ذات سيادة كاملة أصلاً. لكنها تحمل معظم ملامح الفشل من حيث ضعف تقديم الخدمات، انتشار الفساد كما أسلفنا، تراجع الشرعية وفعاليتها في ظل منع الإنتخابات العامة لعقدين، ضعف سيادة القانون، والانقسام الداخلي. هذه السمات تجعلها أقرب إلى نموذج "السلطة العميقة والرخوة" تحت الاحتلال، مع خطر التحول إلى مشروع دولة فاشلة إذا استمر الوضع القائم دون إصلاح عميق وجدي.
رغم هذه التحديات، لا يزال هناك مجال للإصلاح لو توفرت الإرادة السياسية. داخلياً، يتوجب تعزيز استقلال القضاء، مكافحة الفساد، السير الفوري بمسار الإنتخابات الرئاسية والتشريعية المتزامنة في وقتها وبدون قيود، تفعيل الرقابة البرلمانية في حال عقد الانتخابات، وإعادة النظر بوظيفة القطاع العام والأمن وترشيقهما. كما يتوجب توسيع دور المجتمع المدني في مراقبة الأداء الحكومي، وتقليل الاعتماد على المساعدات الدولية عبر دعم الإنتاج المحلي، وإرساء قواعد الشراكة المتينة مع القطاع الخاص. لكن هذه الإصلاحات تبقى محدودة التأثير ما لم تترافق مع جهود لمنع تغول النظام السياسي بالصلاحيات والممارسات، بالتوازي مع رفع القيود الإسرائيلية على السيادة الفلسطينية، وهذه يجب أن تكون أولى مهمات النظام السياسي والمجتمع الفلسطيني بالتعاون مع ضامني اتفاق أوسلو.
الأولوية المطلقة الآن هي بناء مؤسسات قادرة على تقديم خدمات عامة فعالة، وضمان سيادة القانون، وتعزيز المساءلة والشفافية، وتطوير اقتصاد وطني منتج. وهذا يتطلب رؤية وطنية حديثة تضع المواطن في قلب المشروع الوطني، وتربط بين الإصلاح الداخلي واستراتيجية مواجهة الاحتلال. كما أن إنهاء الانقسام الداخلي بين غزة والضفة يمثل شرطاً أساسيًا لأي إصلاح ناجح، إذ لا يمكن بناء دولة حديثة في ظل ازدواجية السلطة والانقسام الجغرافي والسياسي.
الخاتمة
السلطة الفلسطينية تقف اليوم عند مفترق طرق. فهي ليست دولة فاشلة بالمعنى الكامل، لكنها تحمل معظم ملامح الفشل، وتواجه خطر التحول إلى مشروع دولة فاشلة إذا لم يتم إصلاحها جذرياً. سيظل الاحتلال عاملاً أساسياً في إضعافها، لكن الانقسام الداخلي بين غزة والضفة يمثل عاملًا لا يقل خطورة، إذ يحرم الفلسطينيين من وحدة وطنية ضرورية لبناء دولة مستقلة.
إن استمرار الوضع القائم يعني إدارة أزمة مستمرة، بينما المطلوب هو شجاعة سياسية ومجتمعية للاعتراف بالخلل والعمل على تصحيح المسار. وربما أن تشكيل هيئة وطنية مستقلة للإصلاح المؤسسي، تضم شخصيات وطنية وأكاديمية ومجتمعية، يمكن أن يكون خطوة أولى نحو إعادة بناء الثقة وفتح الطريق أمام مشروع دولة فلسطينية حديثة وفاعلة. الفرصة لا تزال قائمة، لكنها لن تبقى مفتوحة إلى الأبد.
طبعا يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن السلطة ليست هي الغاية وإنما الوسيلة للوصول الى دولة مؤسسات ديمقراطية قوية، وعلى الرغم من أن هذا المقال يحاول التحذير من مخاطر استمرار انهيار مقومات السلطة اليوم لمصلحة دولة عميقة ورخوة وفاشلة غداً. وإن أي جهود أو ممارسات تستند الى أبدية وجود السلطة أعتبرها خطيرة جدا، حيث لا مناص من تجسيد مركزية هدف قيام الدولة في سلوكنا اليومي.

