الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:04 AM
الظهر 12:45 PM
العصر 4:25 PM
المغرب 7:53 PM
العشاء 9:24 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الإنتخابات ، وإعادة بناء المشروع الوطني التحرري .

الكاتب: مروان إميل طوباسي

مع صدور المرسوم الرئاسي الذي حدد موعد الانتخابات التشريعية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني المقبل ، تدخل الحياة السياسية الفلسطينية مرحلة جديدة طال انتظارها . غير أن أهمية هذا الأستحقاق لا تكمن في موعده أو إجراءاته بقدر ما تكمن في السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ، وهو ما العلاقة بين هذا الأستحقاق الديمقراطي وبين مهمة إعادة بناء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني؟ وهل يمكن أن تصبح الانتخابات جزءً من هذه العملية ، أم أنها ستبقى مجرد استحقاق دستوري يعيد إنتاج الأزمة في ظروف أكثر تعقيدا ؟

لا خلاف على أن الإنتخابات حق ديمقراطي أصيل ، وأن تجديد الشرعيات ضرورة وطنية لا يجوز أن تبقى رهينة التأجيل أو الحسابات السياسية . فلا يمكن بناء نظام سياسي قادر على مواجهة التحديات ، أو استعادة ثقة المواطنين بمؤسساته ، من دون العودة إلى إرادة الشعب واحترام حقه في اختيار ممثليه باعتباره مصدر السلطات وصاحب الشرعيات .

لكن التجربة الفلسطينية أكدت أن الإنتخابات ، مهما بلغت نزاهتها ، لا تكفي وحدها لمعالجة أزمة سياسية ووطنية بهذا الحجم ، إذا غاب الاتفاق على طبيعة المرحلة ، وأولوياتها ، وقواعد الشراكة الوطنية ، واحترام التعددية السياسية ، والالتزام بالمرجعيات السياسية التمثيلية .

فالأنتخابات ليست مشروعا وطنيا بحد ذاتها ، وإنما إحدى أدوات العمل السياسي . أما قيمتها الحقيقية فتقاس بقدرتها على الإسهام في إعادة بناء النظام السياسي ، وتعزيز وحدة المؤسسات الوطنية ، وتجديد الثقة بين المواطن ومؤسساته ، ووضع المشروع الوطني التحرري مجددا في مركز الفعل السياسي .

وتكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية في ظل ما تواجهه القضية الفلسطينية من محاولات لإعادة تشكيل واقعها السياسي والجغرافي . فاستمرار حرب الإبادة والتجويع والتهجير في قطاع غزة وتشكيل الإدارات البديلة فيها ، وتصاعد الاستيطان والضم في الضفة الغربية بل والتهجير بحق مخيماتنا ، لا يستهدفان الأرض والإنسان فحسب ، بل يهدفان إلى فرض واقع سياسي جديد ، يُختزل فيه الشعب الفلسطيني إلى تجمعات سكانية تُدار تحت الأحتلال من خلال اعادة هندسة المنطقة ، بدل الإعتراف به شعباً صاحب حق في الحرية وتقرير المصير والإستقلال الوطني .

وفي المقابل ، يشهد النظام الدولي والإقليم تحولات عميقة ، كشفتها الحرب على غزة وما رافقها من اتساع غير مسبوق في التضامن الشعبي العالمي ، وتزايد الاعترافات بدولة فلسطين رغم رمزية بعضها دون تبعات ، واتساع دائرة الانتقادات للسياسات الإسرائيلية خاصة بالغرب ومنها بالولايات المتحدة بشكل غير مسبوق ، إلى جانب التحولات المتسارعة في موازين القوى الدولية . ورغم أن هذه المتغيرات لم تتحول بعد إلى سياسات دولية حاسمة ، فإنها تفتح أمامنا نحن الفلسطينيين فرصا جديدة ، بقدر ما تفرض علينا تحديات جديدة أيضا .

غير أن الرهان لا ينبغي أن يكون على هذه التحولات وحدها ، ولا على انتظار ما ستسفر عنه المتغيرات الإقليمية والدولية ، وإنما على امتلاك رؤية وإرادة سياسية وطنية مستقلة ، قادرة على استثمار الفرص ومواجهة المخاطر . فالمتغيرات الخارجية قد تتيح هوامش جديدة للحركة ، لكنها لا تستطيع أن تعوض غياب ضرورات اعادة بناء المشروع الوطني التحرري ، ولا استمرار الأنقسام ، ولا ضعف المؤسسات .

ولعل الخطأ الأكبر هو اختزال الانتخابات في كونها وسيلة لتجديد السلطة ، بينما التحدي الحقيقي يكمن في إعادة بناء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني ، وتجديد أدواته وآليات عمله وأشكال نضاله ، بما ينسجم مع التحولات التي فرضتها الحرب ، ويعيد الإعتبار لقضيتنا باعتبارها قضية تحرر وطني لشعب يسعى إلى الحرية والأستقلال ، لا قضية إدارة سكان تحت الأحتلال .

فالمطلوب اليوم ليس فقط إعادة بناء النظام السياسي ، بل إعادة تعريف العلاقة بين مؤسساته وأهدافه ، بحيث تعود السلطة الوطنية أداة في خدمة المشروع الوطني التحرري ، لا أن يتحول المشروع الوطني إلى أداة في خدمة السلطة .

ومن هذا المنطلق ، فإن التعديلات التي أُدخلت على قانون الانتخابات ، سواء ما يتعلق بعدد أعضاء المجلس التشريعي أو نسبة الحسم أو غيرها ، تستحق نقاشا وطنيا هادئا ومسؤولا واسعا ، ليس من زاوية التأييد أو الرفض المسبق ، وإنما من زاوية أثرها في الحياة السياسية . فالتحدي لا يكمن فقط في توسيع التمثيل ، بل أيضا في الحفاظ على التنافس البرامجي ، وتعزيز دور القوى السياسية والمجتمعية ، والحد من التشظي ، ومن تغليب الاعتبارات المحلية أو الشخصية أو العشائرية أو تأثير المال السياسي على الخيارات الوطنية .

ومن هنا ، فإن الانتخابات ينبغي أن تُدرج ضمن عملية سياسية ووطنية أشمل ، تبدأ بحوار وطني مسؤول ، لا يقوم على المحاصصة أو تقاسم المواقع ، بل على الاتفاق حول طبيعة المرحلة وأولوياتها ، وبرنامج الحد الأدنى الوطني ، وأسس الشراكة الوطنية ، واحترام نتائج الانتخابات ، وتعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا ، والعمل على تطويرها وتفعيل مؤسساتها على أسس ديمقراطية كجبهة وطنية عريضة ، بما يضمن مشاركة جميع مكونات شعبنا في الوطن والشتات .

إن الشرعية التي يحتاجها شعبنا اليوم ليست شرعية انتخابية فحسب ، بل شرعية وطنية أيضا ، تُقاس بقدرة المؤسسات المنتخبة على حماية المشروع الوطني التحرري ، وصون وحدة الشعب والأرض والقضية ، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف ، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة .

لقد أصبح الأستحقاق الانتخابي واقعا سياسيا اليوم ، لكن نجاحه لن يتوقف على يوم الاقتراع وحده ، بل على ما يسبقه من قدرة القوى الوطنية والمجتمع المدني والمستقلين الوطنين على استعادة ثقة الناس ، وبناء خطاب سياسي وطني جامع ، وحماية الإرادة الوطنية من المال السياسي ومراكز النفوذ ومن كل أشكال التأثير الخارجي ، وتعزيز الشراكة الوطنية في مواجهة أخطر مشروع يستهدف قضيتنا من جهة ، والأستعداد لمواجهة تحديات خارجية قد يفرضها الأحتلال بشان مشاركة المقدسيين ، او تطور حرب الإبادة المستمرة في غزة أو العودة لمجريات الاعتداءات الأمريكية الأسرائيلية ضد دول المنطقة من جهة اخرى .

فالانتخابات وان كان يتوجب ان تشمل موقع الرئاسة في ذات الوقت دون تأجيل الى وقت اخر من العام القادم  ، وتضمن مشاركة شعبنا في كل محافظات الوطن بما فيها غزة والقدس ، فهي ليست معركة على السلطة ، بل ينبغي أن تكون جزءً من معركة إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية ، وتجديد مؤسساتها ، واستعادة المبادرة السياسية ، وتوحيد طاقات شعبنا في مواجهة الأحتلال ومخططاته .

فإذا أحسنا نحن الفلسطينيون توظيف هذا الاستحقاق ، فقد يصبح خطوة مهمة في مسار إعادة بناء المشروع الوطني التحرري على أسس الشراكة والديمقراطية والأستقلالية رغم الانسان المتوقع للقوائم الانتخابية . أما إذا اختُزل في منافسة على السلطة أو في إعادة إنتاج الأنقسام ، فسيبقى مجرد محطة أخرى في إدارة الأزمة ، بينما المطلوب هو تجاوزها ، والانطلاق نحو مرحلة جديدة يكون فيها المشروع الوطني التحرري ، بكل أبعاده السياسية والديمقراطية والكفاحية ، هو البوصلة التي تهدي العمل الوطني الفلسطيني .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح" .

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...