الانتخابات والفصائل والمحاولة الأخيرة
الكاتب: نبيل عمرو
فتح وحماس يُنسبان إلى الفصائل، مع أنهما ليسا كذلك، فهما تياران شعبيان يجري التعامل معهما كقطبين رئيسيين في الحياة السياسية الفلسطينية.
فتح تتغذى على تاريخها، وتعدديةٍ نادرةٍ ومفتوحة لمن يستخدمون اسمها، حتى صدق عليها القول، إنها تنظيم من لا تنظيم له.
وحماس تتغذى على حالة التداخل بين الدين والسياسة، ما وفّر لها حاضنةً شعبيةً الجزء الأكبر من مكوناتها عفويٌ وتلقائي.
غير أن اختلافاً في البنية والأداء التنظيمي والسياسي والتعبوي بين الحركتين التيارين، أنتج حضوراً مختلفاً لكلٍ منهما، فتح مثلاً سمحت بأن تكون ختماً يستخدمه كلّ من يحتاجه، وخصوصاً في مواسم الانتخابات على مختلف أنواعها، وحماس الأكثر دقةً نسبية في البنية والتنظيم، أجادت استخدام الدين كما لو أنه يخصّها وحدها، وضمّنته أدبياتها كأساسٍ تُبنى عليه المواقف والسياسات والخيارات الشعبية.
لم ينجح الفلسطينيون في إيجاد صيغةٍ وطنيةٍ تحتوي القطبين، وتستفيد من حاضنتهما الشعبية التلقائية والمنظمة، وذلك لتعوّد فتح على الاستفراد بالقيادة، ولطموح حماس في استفرادٍ يحاكي استفراد فتح، بمنطق البديل.
وحين ذهبت فتح إلى الحلول السياسية التي اشترطت تخلّيها عن العمل المسلّح، ارتبط مصيرها بمصير الحلول، وحين تعثّرت تعثّر نفوذ فتح التقليدي، وتعامل القطب الآخر "حماس" مع هذا المستجد الجوهري، محاولاً احتلال شعار فتح وأدبياتها زمن كانت رائدة الكفاح المسلّح، ليقدّم نفسه كبديلٍ عن الذين اختاروا السياسة والمفاوضات وفشلوا.
كان بديهياً أن يقع صدامٌ بين التيارين، أدّى إلى انقسامٍ ليس على مستوى الخيارات والبرامج، وإنما على مستوى الوطن الواحد والشعب الواحد، وكان الصراع والتنافس بينهما بمثابة أثمن هديةٍ يحصل عليها خصوم الشعب الفلسطيني، وطليعتهم الدائمة إسرائيل.
فشلت مئات محاولات إنهاء الانقسام الذي أنتجه الصراع المرير على النفوذ، وحدث أن ذهب المتصارعون إلى صناديق الاقتراع في العام 2006، التي أفرزت نتيجةً رقميةً موضوعيةً وعادلة، إلا أن التعامل معها ثبّت الانقسام وحوّله في الواقع إلى انفصال.
والآن وبعد فشل مئات محاولات إنهاء الانقسام، وعبثية الحوارات التي بدت أقرب إلى الثرثرة منها للتوصل إلى تفاهماتٍ جدّيةٍ وحاسمة، بشأن استعادة الوحدة، لتظهر حالةٌ دائمةٌ من التلاوم وإلقاء كلٍ المسؤولية في الفشل على الآخر، لنرى تكريساً إضافياً للانقسام وابتعاداً كبيراً عن الوحدة.
وفي هذه الأيام انفتح بابٌ جديد هو العودة إلى تجربة الانتخابات العامة التي تحدد موعدها فعلاً وصارت التزاماً لا يمكن الفكاك منه أمام الشعب الفلسطيني والعالم، وما تزال حماس القطب الآخر مترددة في إعلان موقفٍ نهائيٍ منها، رغم أنه وبعد كل الذي حدث لم يعد لديها بدائل تستطيع الصمود أمام حتمية الانتخابات.
الانتخابات لم تفشل في السابق كخيارٍ شعبيٍ سياسيٍ وديموقراطيٍ وحضاري، ولكنها أُفشلت بفعل سوء التعامل معها وتحديداً التعامل مع نتائجها، ولأن الشعوب تستفيد من تجاربها الفاشلة منها والناجحة، فسوف تكون الانتخابات المقررة اختباراً ربما يكون مفصلياً لكيفية خروج الشعب الفلسطيني من مأزقه المتصل بنظامه السياسي ووحدة قواه وحركته الوطنية.
القطبان الرئيسيان واللذان لا يصح وصفهما بالفصائل، يدور في فلكهما بحكم الأمر الواقع فصائل صغيرةٌ ولكنها ذات عناوين تراثية، وهذه الفصائل لم تنجح في بلورة تيّارٍ ثالث يقف بين القطبين الرئيسيين، لهذا لم يعد أمامها للبقاء على قيد الحياة وأداء الدور إلا أن تذهب إلى صناديق الاقتراع، فهي الفرصة الوحيدة لها للبقاء.

