لن أذكر اسم القرية
الكاتب: روان فرحات الحسيني
لن أذكر اسم القرية
في ذلك اليوم، فعل أهل القرية ما يفعله أي إنسان حين يستيقظ.
فتحوا صنابير المياه.
لم ينزل شيء.
انتظروا قليلًا، ظنًّا أن العطل مؤقت.
ثم انطفأت الكهرباء.
وبعدها اختفت شبكة الهاتف والإنترنت.
خلال ساعات، أصبحت قرية فلسطينية بأكملها معزولة عن العالم.
لاحقًا، عرف السكان أن مستوطنين فجّروا خط المياه الرئيسي الذي يغذي القرية، ثم دمّروا محول الكهرباء في اليوم نفسه.
كان ذلك اعتداءً جديدًا في واقع اعتاد الاعتداءات.
لكن هذه ليست القصة التي أريد أن أرويها.
هناك قصة أخرى بدأت بعد انتهاء كل شيء.
لن أذكر اسم القرية.
ليس لأنني أريد الغموض والتشويق، ولا لأن اسمها غير مهم.
بل لأن أهلها لا يريدون أن يُعرف أنهم تحدثوا عما حدث.
حين سألت أحد أبناء القرية لماذا لم يتواصلوا مع وسائل الإعلام، ولماذا لم ينشروا صورًا أو يطالبوا بأن يعرف العالم ما جرى لهم، لم يحتج إلى شرح طويل.
قال بهدوء:
"إذا عرف المستوطنون أننا تكلمنا، فقد يعودون."
توقفت عند تلك الجملة أكثر مما توقفت عند الاعتداء نفسه.
فالخوف، تحت الاحتلال، ليس أمرًا جديدًا.
لكن أن يخاف الناس من رواية ما حدث لهم، فهذه قصة أخرى.
قبل ثلاثة عقود، لم تكن العلاقة بين هذه القرية والمستوطنة المقابلة لها كما هي اليوم.
في تسعينيات القرن الماضي، كان بعض المستوطنين يدخلون القرية لشراء احتياجاتهم أو لقص شعرهم، بينما كان عدد من أبناء القرية يعملون داخل المستوطنة.
لم يكن الاحتلال أقل حضورًا آنذاك، لكنه لم يكن قد أعاد تشكيل الحياة اليومية بالدرجة التي نراها اليوم.
ثم جاءت سنوات جدار الفصل العنصري.
والحواجز.
والبوابات.
والتوسع الاستيطاني.
والاعتداءات التي تكررت حتى أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة.
ومع كل ذلك، لم تتغير الأرض وحدها.
تغير الإنسان أيضًا.
شيئًا فشيئًا، لم يعد الناس يفكرون فقط فيما حدث لهم.
أصبحوا يفكرون فيما قد يحدث إذا تكلموا.
كتب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أن السلطة تبلغ إحدى أكثر صورها اكتمالًا عندما تجعل الإنسان يراقب نفسه بنفسه؛ فيزن كلماته، ويعيد تشكيل سلوكه، ويتجنب ما قد يجلب له العقاب.
كان يتحدث عن السلطة في الدولة الحديثة، لا عن الاحتلال الاستيطاني.
لكن فكرته تساعد على فهم جانب من الحياة الفلسطينية لا يظهر في الأخبار.
فالاحتلال لا يسيطر على الأرض وحدها.
ولا على الماء.
ولا على الكهرباء.
هناك شكل آخر من السيطرة، أكثر هدوءًا، وأشد رسوخًا.
أن يتعلم الإنسان، من فرط ما عاشه، أن يسبق الخطر.
أن يحذف الكلمات قبل أن ينطق بها.
وأن يحسب ثمن الحقيقة قبل أن يرويها.
لهذا لن أذكر اسم القرية.
لأن أهلها ما زالوا يخشون أن يُعرف أنهم تكلموا ولأنهم يدركون أن حديثهم لن يغير شيئا. فكم قرية فلسطينية تتعرض يوميا لمثل هذه الاعتداءات.
نعم، قد تُصلح خطوط المياه.
وقد يُعاد التيار الكهربائي.
لكن ما يصعب إصلاحه هو ذلك الخوف الذي يبقى بعد انتهاء الاعتداء، ويواصل أداء مهمته بصمت.
و هنا يكمن أحد أكثر آثار الاحتلال قسوة.
فهو لا يكتفي بما يهدمه على الأرض.
بل يترك، في كل مرة، جزءًا منه داخل الإنسان.
حتى يصبح الصمت، بالنسبة لكثيرين، ليس تخليًا عن الحقيقة...
بل الطريقة الوحيدة التي يعتقدون أنها تضمن لهم البقاء.

