السلطة الفلسطينية بين ثلاثة حصارات:الاحتلال، الممولون، الجمهور
الكاتب: د. أحمد رفيق عوض
لم تعد الدعوات العلنية الصادرة عن جهات إسرائيلية متعددة إلى حل السلطة الفلسطينية مجرد أصوات هامشية، بل تحولت إلى خطاب سياسي مرتفع، يجد له جمهورا واسعا داخل إسرائيل. ولم يعد الحديث يقتصر على نقد السلطة أو تقليص صلاحياتها،أو تطوير ادائها وإنما امتد إلى طرح بدائل لإدارة السكان الفلسطينيين، تبدأ بلجان تكنوقراط محلية، وتمر بالبلديات، ولا تنتهي عند قوى عشائرية نافذة. ويأتي ذلك كله في سياق أوسع يضم دعوات التهجير والضم والإلغاء بوصفها الحل النهائي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كما يطرحه بعض عتاة الصهاينة.
السلطة الفلسطينية، التي نشأت بوصفها مشروعا انتقاليا نحو السيادة، تحولت، بفعل التجريف الإسرائيلي، والتآكل الداخلي، والتكلس الإداري، وقلة المبادرة، إلى جهاز إداري محدود الوظيفة، لا يملك قدرة حقيقية على فك التبعية للاحتلال. فهي تعتمد اقتصاديا وخدماتيا، وفي مجالات أخرى عديدة، على إسرائيل، كما أنها تدير شؤون السكان بالقدر الذي تسمح به إسرائيل، وتحافظ على شروط قاسية، وتخضع لإملاءات مجحفة، حفاظا على بقائها وسلامة جمهورها.
ومع ذلك، لم يعد هذا كله كافيا في نظر إسرائيل. فالسلطة، بحسب الخطاب الإسرائيلي الجديد، لم تعد شريكا محتملا، بل أصبحت جزءا من المشكلة. فهي، وفقا لهذه الرواية، تتجاوز في البناء غير القانوني، وتمارس التحريض، وليس المقصود هنا المناهج وحدها، بل أيضا التوجه إلى الهيئات الدولية، وتحمي الفساد، وترعى الإرهاب عبر مخصصات الأسرى والشهداء. والأنكى من ذلك كله أنها، بحسب بعض الأصوات الإسرائيلية، تمتلك أجهزة أمنية مسلحة قد تتحول إلى نواة لـ"7 أكتوبر" جديدة.
لهذا يبدو أن التحول الإسرائيلي أعمق من مجرد تبدل حكومي أو تغير في موازين السياسة الداخلية. إنه تحول في النظرة إلى السلطة الفلسطينية نفسها، بحيث لم تعد تُرى شريكا في التسوية، وإنما كيانا يمكن الاستغناء عنه أو تجاوزه أو استبداله. وأخشى أن هذا التحول أصبح من الرسوخ بحيث لن يتراجع بسهولة، حتى مع مجيء حكومة إسرائيلية مختلفة.
في المقابل، تنظر قطاعات واسعة من الفلسطينيين إلى السلطة الفلسطينية بعين النقد والمساءلة. فهي في نظر كثيرين، إما أدارت ظهرها لأولويات الناس، أو عجزت عن تلبيتها، أو فشلت في التعامل مع التحولات المتسارعة. كما أن المسافة بين السلطة وجمهورها اتسعت مع الوقت، فتراجع حضورها وهيبتها ونفوذها، وضعفت قدرتها على تقديم نموذج في الإدارة أو ترسيخ قوة القانون أو إنتاج الأمل.
وهكذا تجد السلطة الفلسطينية نفسها محاصرة من جميع الجهات: بين شروط الاحتلال وتوجهاته الجديدة، وبين مطالب الممولين التي يراد بها باطل في كثير من الأحيان، وبين توقعات الجمهور الفلسطيني واستحقاقاته المشروعة. هوامش السلطة تضيق يوما بعد يوم، حتى تبدو وكأنها تقف على أرض تتآكل تحت قدميها، في ظل "ثورة الاستيطان" كما يسميها سموتريتش، والحديث عن وصاية دولية على قطاع غزة، وابتعاد أفق حل الدولتين إلى أجل غير معلوم.
ما العمل إذن؟
وحتى لا أختبئ وراء الكلمات، فإن ما جرى بعد السابع من أكتوبر، وما تبعه من تحولات، كشف أن الجميع، بدرجات متفاوتة، أخفق في حماية الشعب الفلسطيني أو في تقديم أفق سياسي حقيقي له. ولذلك لا يجوز أن تتحول السلطة الفلسطينية إلى ذريعة يختبئ خلفها الآخرون لاستمرار الواقع القائم أو لإعادة إنتاجه بصيغ جديدة. فالسلطة ليست واجهة، وليست مبررا لاستمرار الأحوال كما هي.
والأصعب من ذلك أن السلطة الفلسطينية، والفصائل، وحتى قطاعات من الجمهور، تعاني جميعها، بدرجات مختلفة، من قدر من الكسل السياسي والاتكالية، بما يحد من القدرة على المبادرة واجتراح حلول جديدة تفرض نفسها على الواقع بدلا من انتظار ما يفرضه الآخرون.
هل ينفع القول إننا نعيش أكثر مراحل القضية الفلسطينية قتامة؟ ربما. وهل ينفع القول إن شعوبا أخرى مرت بتجارب انهيار ومراجعة ثم استطاعت النهوض؟ ربما أيضا. لكن المؤكد أن الاكتفاء بوصف المأساة لم يعد كافيا، وأن المراجعة الجادة لم تعد ترفا فكريا، بل أصبحت شرطا ضروريا إذا أردنا أن نمنع تحول هذه المرحلة إلى قدر دائم.

